Crédit Illustration: Mohamed Hachani

افتتاحية: وزارة الشؤون الخارجية، إلى أين؟

مثلها مثل بقية مصالح الدولة التونسية، تتعرض وزارة الشؤون الخارجية هذه الأيام إلى إرهاصات بعضُها لا يخلو من خطورة. هذا المرفق السيادي، تسهر عليه حاليا في مركزَي وزير وكاتب دولة شخصيتان وطنيتان لهما باعٌ وتجربةٌ في الميدان الدبلوماسي، ورغم هذا، فإن الانطباع السائد اليوم هو أن الدبلوماسية التونسية تتعرض لهزَّات خطيرة يجب التفطُّنُ إليها وتدارُكها قبل فوات الأوان. وإنَّ هذه البوابة الإلكترونية، التي يسهر عليها دبلوماسيون متقاعدون لهم غيرة على هذا المرفق ولا يتردَّدون لحظة في مساندة وزارتهم الأم (كما كان الشأن مؤخَّرًا عندما عبَّروا عن امتعاضهم ممَّا صدر عن مسؤولٍ سامٍ سابقٍ سمح لنفسه بتجريح جارتنا وشقيقتنا الجزائر، وأكَّدوا إكبارَهم لموقف وزارة الشؤون الخارجية الرَّافض لهذا الموقف المُخجل) تودُّ فيما يلي، ومن منطلق نفس الغيرة على الوزارة ونفس الشعور بالمسؤولية، لفتَ النظر إلى ضرورة معالجة الهزّات التي تحدث حاليا والتي قد تسيئ لدبلوماسيتنا ولبلادنا، والتي هي باختزال التالية :

1 -إنَّ وزارة الشؤون الخارجية مرفقٌ هام، ملكيتُه لجميع التونسيين، وهو يمثّلهم في الخارج ويحمي مصالحهم، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن يُصبح عرضة للتنازع على المواقع بين رؤوس السلطة الثلاثة، ذلك أنَّ دستور البلاد حدَّد المسؤوليات بالنسبة لهذا المرفق بأن خصَّ رئيس الجمهورية “بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة”. لهذا، لا يمكن صراحةً اعتبارُ ما يبدو حاليا من تنازع بين الرئاسات الثلاثة للسيطرة على الدبلوماسية التونسية إلا مُضرا بمصالح البلاد العليا.

          2 – في نفس السياق، تتعيَّن الإشارة إلى أنَّ النزعة التي أصبحت هذه الأيام تبدو سائدة باقتطاع عدد من المسؤوليات التفاوضية لوزارة الشؤون الخارجية في قضايا قد تكون تقنية في ظاهرها، ولكنها في الواقع مرتبطة بالمصالح العليا للبلاد، لا يمكن إلا أن تمَسَّ من قدرتها التفاوضية، وبالتالي أن تؤدي إلى الإضرار بتلك المصالح. كما أن الإعداد للمفاوضات الثنائية ومتعدّدة الأطراف حول القضايا الاقتصادية والفنية، لا يمكن إلا أن يتم -كما كان عليه الحال دائما منذ الاستقلال -صُلب وزارة الشؤون الخارجية وتحت مسؤوليتها، باعتبارها المعنية الوحيدة بالتنسيق بين مختلف المصالح الحكومية عند الإعداد لمفاوضات مع أطراف خارجية، على أن تحتفظ السلط العليا طبعا بحق التحكيم النهائي بين هذه المصالح إن لزم الأمر. أي طريقة مغايرة في التعامل مع هذا الموضوع لا يمكن اعتباره إلا مسًّا من التقاليد المعمول بها، ليس في تونس فحسب، بل في جلِّ دول العالم، وإضرارًا بالقدرة التفاوضية للبلاد. وقد يزداد الطين بلة لو تأكَّد انقسام مسؤولي وزارة الشؤون الخارجية إلى فريقين يدعو كل واحد منهما إلى الانضواء تحت مظلة مختلفة عن الطرف الآخر.

3 – في الظروف التي أصبحت تسود حاليا، يبدو وكأن عملية التسميات للمراكز القيادية بالوزارة، وكذلك الترقيات في السُلَّم الإداري، أصبحت تخضع لمعايير مختلفة عن تلك التي يحددها الإطار الخاص بالمهنة الدبلوماسية، وهي معايير تتغير باستمرار وتبتعد عن قاعدة الكفاءة لتقترب أكثرمن الشخصنة والفئوية، التي يخشى أن تكون قد تسللت إلى البعض من الدوائر المسؤولة في وزارة دأبت منذ نشأتها على الاعتزاز بكونها ملاذًا للكفاءات من كل الأصناف والانتماءات العلمية. لا غرو حينئذ أن يخلق كل ذلك شعورا بالإحباط ممزوجا بعدم الاطمئنان على مستقبل المهنة الدبلوماسية لدى الأكثرية التي ترى حقوقها تُهضم، دون أن يكون لها حتى إمكانية الإصداعِ برأيها، في حين يقع تأجيل البت في قوائم التسميات والترقيات بسبب التراخي أو الحسابات الضيقة.

4 – في نفس الوقت، عاد إلى السطح على ما يبدو زحفُ غير المنتمين إلى وزارة الشؤون الخارجية من الإطارات التي تحظى بدفع سياسي أو فئوي للاستئثار بمناصب دبلوماسية وقنصلية في الخارج، وذلك على حساب الكثيرين ممن سخَّروا حياتهم ومستقبلَ عائلاتهم لهذه المهنة واكتسبوا فيها تجربةً كبيرةً لا تتوفر لغيرهم. ورغم أن المسؤولين النقابيين بوزارة الشؤون الخارجية ما فتئوا ينبهون إلى مخاطر هذا التوجه، فإن مساعيهم ومساعي غيرهم كثيرا ما تُجابَه بالصدِّ، وهو ما من شأنه أن يزيد من احتقان الوضع.

…………………………………..

بناءً على ما سبق، يتبيَّنُ أنَّه أصبح من الضروري على كل الأطراف المنتمية لوزارة الشؤون الخارجية وغير المنتمية إليها أن ترأف بهذا المرفق العمومي وتَدَعَهُ يعمل بالمهنية التي عُرفت عنه حسب القواعد الدستورية القائمة، وبالاعتماد على الثوابت التقليدية للسياسة الخارجية التونسية، مع التمسك بالمصالح العليا للبلاد ودون تسييس أو تدخل للاعتبارات الحزبية أو الشخصية الضيقة. وكم سيكون من المفيد لو توحدت كلمة القائمين على هذه الوزارة وزاد اهتمامُهم بوضع العاملين فيها -كلّ العاملين -حتى لا يبقى مصيرهم بيد من قد يفكرون في مستقبلهم قبل مستقبل المجموعة. ولا بأس بالمناسبة أن يقع الالتفات إلى ظروف العمل والوضع المترهل لبعض المرافق العامة بوزارة من المفروض أن تكون الوجه المشرق لتونس ما بعد الثورة.

من جهة أخرى كم سيكون ملائما لو تفضل السيد رئيس الجمهورية -وهو المسؤول الأول عن الدبلوماسية التونسية -بإيلاء هذا المرفق اهتماما شخصيا، وربما بالقيام بزيارة لمقرّه كما كان الشأنُ بالنسبة لوزارات سيادية أخرى في تونس، حتى يشعر الموظفون فيه باهتمام رمز السلطة العليا في البلاد بأوضاعهم وبأوضاع وزارتهم. وفي الأثناء، قد يرى سيادته أهمية أن يقع في أقرب الأوقات الممكنة تعيينُ مستشار دبلوماسي له يحظى بالتجربة المهنية اللازمة والإلمام بالقضايا الدولية بما يخول له – بقيادة رئيس الدولة وبالتشاور مع الحكومة – لعبَ دور توفيقي بين مختلف الأطراف المتداخلة في العلاقات الخارجية التونسية، وتهيئةَ الظروف الملائمة لمراجعةٍ أصبحت اليوم ضرورية لهيكلة الوزارة المعنية أساسا بهذه العلاقات حتى يمكنها أن تجابه – موحدةً وفي تناغم مع بقية الوزارات والهياكل – تحديات المستقبل والاستحقاقات العالمية المنتظرة بعد جائحة الكورونا.

 أما إذا ما تعذر كل ذلك وبقيت الأوضاع على حالها أو ازدادت سوءا فقد يؤذن ذلك بتصدع خطير لهذا الخط الأمامي الهام في الدفاع عن بلدنا العزيز.

إنّ دور وزارة الشؤون الخارجية من أسمى الأدوار وأدقّها، لذلك ارتأينا أن نقول بصوتٍ عالٍ ما يبدو لنا أنه يختلجُ في صدور الكثيرين من أبناء هذه الدَّار العزيزة علينا، سواء كانوا من المتقاعدين أو من المباشرين، هدفُنا ليس إلاَّ أن تكون دبلوماسيتُنا في المكانة التي هي بها جديرة. وأملُنا كبيرٌ أن يُسمع رأيُنا من قِبل أصحاب القرار في الصدد.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer