Crédit Illustration: Mohamed Hachani

تونس تستحقّ أفضل من هذا المصير

الهاشمي نويرة

إحتدّت الأزمة السياسية في تونس، وهي أزمة غير مسبوقة من حيث أسبابها وتداعياتها على عمل مؤسّسات الدولة، الشّيء الذي قد يؤدّي إلى الشّلل التامّ للعمل الحكومي والبرلماني ويفتح على سيناريوهات كارثية ستزيد في حالة الاحتقان المجتمعي والتي كان مظهرها الأساسي حراك الشّارع الغاضب . ولا يبدو أنّ الحكومة في وَضْعٍ يسمح لها بالتعاطي مع الاستحقاقات الاقتصادية والصحّية لهذه المرحلة العصيبة من تاريخ تونس، وذلك نتيجة هذه الأزمة العاصفة، وأيضا من جرّاء غياب رؤية واضحة المعالم للخروج بتونس من حالة التردّي الاقتصادي والصحّي، والتي تدفع باتجاه تنامي حالة اليأس والإحباط لدى مواطنٍ تُعْوِزُهُ الحيل لمواجهة تسونامي الفقر والاحتياج ومخاطر وباء كورونا .
وفِي حين يشتعل الشّارع التونسي احتجاجا ورفضا لهذا الوضع السياسي المأسوي والمقيت، تصرّ الأطراف السياسية على المضيّ قُدُما في غيّها السياسي وفِي هوسها بحرب المواقع والصلاحيات والسّلطة، ولا يبدو أنّها على وعي بخطورة ما يجري على مستقبل الدولة والمجتمع. نكاد نقول أنّ كلّ شيء في تونس توقّف عن الحركة باستثناء عملية التدمير الممنهجة للدولة وللمجتمع وللمواطن الذي يراوح بين فقر يقلّص أمامه فرص الحياة ووباء كورونا يفتح أمامه أبواب القبر مشرعة . أبدًا ، لم تعرف تونس حالة من الغموض والالتباس الذي يفتح أمامها أبوابا لا قِبَلَ لأيّ طرف بمواجهتها، وذلك وسط لامبالاة تامّة من الفاعلين السياسيين الذين آثروا مواصلة التجاذبات السياسية والحزبية والمصلحية على استباق الأزمات لإيجاد الحلول الكفيلة بتجاوز هذا الواقع العليل . إنّ واقع الأزمة هذا جعل من الحكومات المتعاقبة وبخاصّة منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة مجرّد حكومات تصريف أعمال بما يستحيل معه القيام بالحدّ الأدنى من الإصلاحات الأساسية الضرورية . وفِي واقع الحال، وجدت حكومة المشيشي نفسها رهينة حزامٍ سياسي لا بهمّه سوى تحصيل المنافع وتحسين المواقع ومعارضة عقيمة بلا أفق سياسي واضح، ديدنها الأساسي تسجيل نقاط لا تمكّنها من حسم المعركة ضدّ خصومها في الحُكْمِ . وإنّ هذا الغموض الذي ما يزال سيّد الموقف عندنا قوّى منسوب الانتهازية داخل المجتمع التونسي وأدخل البلاد والعباد في مرحلة الخطر الذي قد يصل بتونس إلى حالة الموت السريري . ولَم يؤثّر هذا الوضع على علاقة الثقة بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل يُمكن الجزم أنّه حفر هوّة عميقة بين تونس والمستثمر الأجنبي الذي يكاد يكون ترك إلى الأبد فكرة الاستثمار في مناخ سياسي واجتماعي متأزّم . وقد كان من المفروض أن تلعب الدبلوماسية التونسية بتوجيه من رئيس الجمهورية دورها في التسويق لصورة تونس بشكل يجعل منها قطبا واعدا لاستقطاب الاستثمار، ولكنّ هذه الدبلوماسية التي كانت إحدى العلامات المضيئة في تاريخ دولة الاستقلال أصيبت هي الأخرى بوباء مضاعف : عدم استقرار الفكر الذي يحرّك الدبلوماسية التونسية، وانشغال الرئيس عنها بمسائل لا تأخذ في الاعتبار ترتيب الأولويات . ومهما كانت كفاءة ورغبة الدبلوماسيين التونسيين، فإنّ غياب الفكر الناظم للعمل الدبلوماسي وانعدام وجود سياسة دبلوماسية واضحة المعالم والتي عادة ما تكون محلّ وفاق بين مختلف الأطراف السياسية والحزبية لارتباطها بالمصلحة الوطنية العليا ، من شأنه أن يمنعهم موضوعيا من القيام بما هو منوط بعهدتهم الدبلوماسية ليجعل منهم مجرّد إداريين يعدّون السنوات وعاجزين عن الفعل حتّى لو أرادوا غير ذلك . إنّ تونس تستحقّ أفضل من مناخ سياسي وحزبي ما يزال محكوما بعُقَدِ الماضي وبالسلوكيات الثأرية وبالتحاذب السياسي وبتقديم المصالح الحزبية والشخصية على مصلحة الوطن والمواطن وإنّ هكذا وَضْعٍ لن يدوم لأنّ لتونس شعب يحميها ونخبة قَدَرُها أن تستفيق من سباتها العميق .

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer