آخر مستجدات الوضع الجيوسياسي في ليبيا وتداعياتها على منطقة الساحل الصحراوي وشمال...

آخر مستجدات الوضع الجيوسياسي في ليبيا وتداعياتها على منطقة الساحل الصحراوي وشمال إفريقيا

0
PARTAGER

لا تزال الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا ما بعد تحرير سرت تراوح مكانها في مناخ من اللاتفاهم وانعدام الثقة بين الفرقاء السياسيين والعسكريين إلى حد التشابك من حين لآخر بين القوى والميليشيات في إطار الصراع من أجل الفوز بأكبر قسط ممكن من « كعكة » السلطة في البلاد بعد طرد قوات تنظيم « داعش » الذي يعيش أيامه الأخيرة في سوريا والعراق, وكما هو معلوم يتقاسم المشهد السياسي الليبي ثلاثة أطراف أساسية هي حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات والمدعومة من الأمم المتحدة والمنتصبة بالعاصمة طرابلس, وبرلمان طبرق والحكومة التابعة له وقيادة الجيش الليبي في شرق البلاد, وحكومة « الإنقاذ » المنبثقة عن المؤتمر الوطني المنتهية ولايته وغير المعترف بها دوليا, فضلا عن بعض الأحزاب على غرار حزب الوطن الليبي المحسوب عن الإسلام السياسيوالجبهة الشعبية لتحرير ليبيا وتنظيمات المجتمع المدني ومن ضمنها الهيئات القبلية والعشائرية مثل المجلس الأعلى لرؤساء ومشائخ القبائل, بينما تتوزع الساحة الأمنية والعسكرية بين فسيفساء من السرايا والكتائب والميليشيات التابعة لأطراف المشهد السياسي أو المستقلة أحيانا, ومن ضمنها قوات  » البنيان المرصوص » المحسوبة على مدينة مصراتة ومجلسها العسكري وعلى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني وهي التي حررت مدينة سرت من داعش, و »قوة الردع المركزي » التابعة لحكومة الوفاق الوطني والمدعومة من « كتيبة ثوار طرابلس » و »كتيبة النواصي » و »كتيبة فرسان جنزور », و « سرايا الدفاع عن بنغازي » المحسوبة على التيار الإسلامي « المتشدد » التابع لمفتي ليبيا السابق وغيرها من الميليشيات الأخرى, وكذلك « جيش القبائل » و »كتائب الزنتان » المتصلة بقوات الشرق ( الجيش الليبي ).
وتعيش ليبيا خلال الفترة الأخيرة على أمل المبادرة السياسية التونسية لحل الأزمة الليبية والتي انضمت لها الجزائر ومصر ورحب بها الفرقاء الليبيون باعتبارها الحل الوحيد لتأمين التعايش السلمي بين كافة الليبيين وتحقيق الاستقرار والسلام للشعب الليبي, وجاء « بيان تونس حول المبادرة الثلاثية » الصادر في 20 فيفري المنقضي عن اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر ليؤكد على ضرورة الدفع في اتجاه حل سياسي « ليبي-ليبي » من خلال مصالحة شاملة لكل الفرقاء بدون أي إقصاء وبدون الالتجاء إلى الحل العسكري وبدون تدخلات أجنبية إقليمية أو دولية وبرعاية الأمم المتحدة، وسيعرض البيان على قمة ثلاثية تونسية-جزائرية-مصرية قد تعقد في الجزائر خلال شهر مارس الجاري, وحصلت المبادرة على دعم دولي واسع من أوروباومن روسيا وحتى من أميركا مع الاختلاف في الأجندات, ولكن بوادر الهدوء « الحذر » التي لاحت بعد تحرير مدينة سرت لم تعمر طويلا وبرزت مظاهر الصراع من جديد في ليبيا خلال الأيام الأخيرة بما قد يؤثر سلبا على ما أصبح يعرف بالمبادرة الثلاثية للسلام في ليبيا حيث يبقى الوضع مرشحا للانفجار ومفتوحا على كل الاحتمالات إذا لم يتم التسريع في تفعيل المبادرة السياسية.

التحولات الطارئة في ليبيا وإعادة خلط الأوراق:
ظهرت بوادر الصراع الجديد في ليبيا مع أواخر شهر فيفري المنقضي من خلال اندلاع اشتباكات في منطقة أبو سليم بطرابلس بين ميليشيات تابعة لحكومة « الإنقاذ » وأخرى تابعة لحكومة الوفاق الوطني على خلفية تنازع حول مقرات حكومية, وفي يوم 3 مارس بادرت سرايا الدفاع عن بنغازي انطلاقا من مدينة الجفرة في الجنوب بالهجوم على مناطق من الهلال النفطي وخاصة على مينائي السدرة وراس لانوف وهي في الطريق إلى بنغازي بهدف « إرجاع الأهالي المهجرين إلى مدينتهم ورفع الظلم عن المظلومين », وتصدت قوات الجيش الليبي للهجوم واستمرت الاشتباكات دون حسم على الرغم من استيلاء السرايا على المينائين , وفي نفس اليوم صدر بيان منسوب إلى قوات البنيان المرصوص تعلن فيه « النفيرالعام » في المنطقة الوسطى والشرقية من أجل « تحرير بنغازي وإرجاعها آمنة بدحر قوات عملية الكرامة » التي يقودها الجيش الليبي, وهو ما فسر باحتمال وجود تحالف بينها وبين سرايا بنغازي على خلفية ما سبق أن أعربت عنه من استعداد لمحاربة قوات الشرق إذا تمادت في هجماتها على مناطق محسوبة لسلطات الغرب التي تعتبر كتائب مصراتة « عمودها الفقري العسكري »، وفيما لم يسجل تحرك فعلي لقوات البنيان نفى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني أن  » تكون له مسؤولية فيما يجري بمنطقة الهلال النفطي » معتبرا ذلك بمثابة « تصعيد مشبوه »يتزامن مع ما يبذل من جهود داخليا وإقليميا ودوليا لتحقيق المصالحة الوطنية على حد قوله, يجري ذلكفي المنطقة الشرقية بالأساس والجيش الليبي لا يبدو ماسكا بصورة حاسمة في الأوضاع بالمنطقة في عدم تناسق مع ما ينسب إليه من تخطيط لبسط سيطرته على طرابلس مع دخول أطراف أخرى متحالفة معه مثل جيش القبائل وكتائب الزنتانعلى خط المواجهة في المنطقة الغربية, وفي هذا السيناريو قد تتحرك كتائب مصراتة ضد الجيش إلى جانب القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني وربما بتحالف على أساس  » عدو عدوي هو صديقي  » مع الميليشيات التابعة للتيارات الإسلامية, وقد تكون الحرب لا قدر الله، ولكن يبدو أن هذا السيناريو ليس واردا في الوقت الحاضر نظرا لعدم قدرة أي من الأطراف على حسم الحرب لصالحه, غير أن الأطراف المتنازعة تسعى من خلال تحركاتها إلى التمركز على الميدان في انتظار مرحلة المفاوضات السياسية المرتقبة.
تطورات جديدة للصراع في ليبيا قد تفضي إلى مناخ من الفوضى أخطر وأشمل يكون مناسبا للتنظيمات الإرهابية لإعادة تنظيم صفوفها مع احتمال الدخول في تحالفات ولو ظرفية بما في ذلك انضمام عناصر داعشية لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بحسب مصادر صحفية أشارت في نفس السياق إلى إمكانية دخول بعض الجماعات الأخرى الناشطة في منطقة الساحل الصحراوي في تحالفات جديدة, وهو ما أكدته صحيفة الصباح الجزائرية بتاريخ 7 مارس نقلا عن مصادر أمنية أشارت إلى إعلان تنظيمات إرهابية تنشط في منطقة الساحل الإفريقي « الوحدة » تحت راية تنظيم جديد يسمى  » أنصار الإسلام والمسلمين » بإشراف من زعيم جماعة « المرابطون » في محاولة « للملمة » تنظيم القاعدة بالمنطقة بهدف مواجهة تنظيم داعش، ويضم التنظيم الجديد جماعات  » أنصار الدين » و »إمارة المنطقة الصحراوية » التابعة للقاعدة وجماعة  » المرابطون »، تحركات تعتبرها الجهات الأمنية خطيرة جدا على المنطقة بما قد ينتج عنها من تنفيذ لهجمات بواسطة  » الذئاب المنفردة » والخلايا النائمة داخل ليبيا وفي كل من تونس والجزائر وحتى المغرب , تطورات محتملة قد تلقي بضلالها على المبادرة السياسية الثلاثية إلى حد التشكيك في مدى نجاحها في جمع الفرقاء الليبيين حول طاولة واحدة للحوار من أجل المصالحة الوطنية الشاملة في ظل التوترات السائدة على الساحة الليبية والاشتباكات الدائرة في بعض المناطق, ويكمن الخطر الأكبر في فرضية إقدام الجيش الليبي المدعوم من قوى إقليمية ودولية على نقل الاشتباكات إلى طرابلس فتكون الحرب بين الشرق والغرب وما سينجر عنها من تداعيات أمنية خطيرة على الجوار الغربي في كل من تونس والجزائر, وهذا هو السيناريو الأخطر في الأزمة الليبية والذي يبدوا أن الحسم فيه سوف لن يكون في متناول أي طرف إلا إذا تم اللجوء إلى الاستقواء بأطراف أجنبية وهو ما سيزيد في تعقيد الأزمة في ليبيا وفي بلدان الجوار.
وتشير آخر التطورات إلى أن مجلس النواب الليبي بطبرق صوت يوم 6 مارس بالموافقة على « تعليق الحوار السياسي وتجميد اتفاق الصخيرات » في وقت تستمر فيه الاشتباكات بمنطقة الهلال النفطي, ونسب لرئيس مجلس النواب طلب إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة قبل شهر فيفري 2018 بسبب « الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد » في إشارة إلى الاشتباكات الجارية بمنطقة الهلال النفطي, بينما صدر بيان عن سفراء أميركا وبريطانيا وفرنسا بليبيا يدين التصعيد العسكري في المنطقة ويدعو لوقف فوري لإطلاق النار مع التشديد على « الحاجة الملحة لقوة عسكرية وطنية موحدة في ليبيا » ( وهو ما يعتبر عدم اعتراف بقوة الجيش في الشرق ), كما تحدثت أنباء من ليبيا عن أن سرايا الدفاع عن بنغازي التي استولت على مينائي السدرة وراس لانوف تلقت توجيها بتسليم المينائين إلى قائد حرس الموانئ النفطية المعين من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني,وهو ما يكرس الخلاف مع قيادة الجيش التي أعلنت يوم 14 مارس عن استعادة مينائي راس لانوف والسدرة ومواصلة بسط سيطرتها على باقي المناطق في الهلال النفطي, في حين طالب قائد حرس المنشئات النفطية بحماية دولية لتأمين استمرارية الإنتاج والتصدير, وفي نفس الوقت تداولت وسائل الإعلام أنباء عن تواجد قوات روسية خاصة على الحدود الليبية المصرية وعن اندلاع اشتباكات في غرب طرابلس بين قوات تابعة لحكومة الوفاق وقوات تابعة لحكومة الإنقاذ مدعومة بمجموعات محسوبة على كتائب تابعة لمصراتة, أحداث وتغييرات خطيرةومتسارعة قد تتسبب في « إعادة خلط الأوراق » في العلاقات بين مكونات الطيف السياسي والأمني الليبي بما يكرس عدم الاستقرار في المواقف وهشاشة التحالفات ولا يخدم بالتالي مسار الحل السلمي والمصالحة الوطنية.
الإدارة الأميركية الجديدة على الخط :
تعتبر الإدارة الأميركية الجديدة أن إدارة أوباما التي ساهمت في تحرير سرت « لم تعمل بجد على حل الأزمة في ليبيا ولم تقدر خطورة منطقة الصحراء جنوب ليبيا التي تتحرك منها الجماعات الإرهابية والأسلحة », وبالتالي فإن تنظيم داعش « لم ينهزم بشكل كامل في ليبيا ولا بد من توخي استراتيجية جديدة من أجل إنهاء الحرب الأهلية الحالية لعزل الدولة الليبية عن شبكة المنافسة الإقليمية والدولية التي فاقمت الصراع داخلها », جاء ذلك في دراسة صدرت مؤخرا عن « مشروع كريتيكالثريتس » التابع لمعهد « أميركان إنتربرايز », واعتبرت أن الوقت مناسب لانتهاز واشنطن فرصة تراجع تنظيم داعش وبحث الأطراف الليبية عن مخرج من الأزمة للدخول على الخط من خلال « دعم التوصل إلى حل مستدام حفاظا على المصالح الأميركية ودعما للتعاون مع الحلفاء التقليديين في أوروبا وبالضغط على الشركاء الإقليميين ( مصر والإمارات وتركيا ) من أجل تقليل دعمهم للفصائل الليبية وتأكيد الدعم للعملية السياسية والتسوية الشاملة ».
وتهدف الخطة الأميركية إلى تدارك ما فات من « تقصير في الإدارة السابقة » من خلال محاولة التقليل من فرصة فرض روسيا سيطرتها على الأوضاع في ليبيا بعد « تحالفها » مع أطراف المنطقة الشرقية, وذلك بالعمل على « دعم حكومة طرابلس ودون إيلاء دعم كبير لقائد الجيش الليبي مع تشريكه في العملية السلمية إلى جانب حكومة الوفاق الوطني ومجموعة مصراتة والمجموعات الإسلامية الوسطية », وتشير الدراسة إلى أن قائد الجيش الليبي « كان يمكن أن يكون شريكا مناسبا وهو الذي يعادي الجماعات الإسلامية ويمكن له الانتصار على الجماعات الإرهابية وإنشاء حكومة شرعية تحكم ليبيا بأكملها ولكن هذا الاحتمال غير وارد حاليا لبعده عن أميركا وارتباطه بأطراف أخرى ».
ومن ناحية أخرى تشير الدراسة إلى أن عناصر داعش تمركزت في الصحراء جنوب ليبيا وستضل هادئة لبعض الوقت حتى لا تواجه القوات الليبية التي لا تسعى بدورها لمطاردتها في الصحراء, وسيعمل التنظيم على إطالة أمد الصراع وإعادة بناء قدراته مستغلا لمناخ الفوضى والفراغ الأمني في ليبيا , ولكنه سيسعى إلى تنفيذ عمليات إرهابية ضد تونس والجزائر وحتى المغرب( عن طريق ما يسمى بالذئاب المنفردة أو الخلايا النائمة ) بهدف زعزعة الاستقرار في المنطقة وتهديد المصالح الغربية بما فيها المصالح الأميركية, ويبقى الهدف الأكبر هو التوسع والتغلغل في منطقة الساحل الصحراوي والبلدان المجاورة بالتنسيق وربما التحالف مع الجماعات الإرهابية الناشطة تقليديا بالمنطقة كما تم التنويه لذلك أعلاه وفي تحاليل سابقة.
مثل هذه الدراسة تمثل تحذيرا وتبريرا واستباقا لما ستقدم عليه الإدارة الأميركية الجديدة من تدخل في الأزمة الليبية حتى تؤمن لها موقعا على الساحة الليبية في منافسة « دافئة » مع روسيا بعد ما مهدت لها الإدارة السابقة من خلال تدخلها في حرب سرت وما أقامته من نقاط المراقبة الاستخباراتية وقواعد الانطلاق العملياتية في جنوب إيطاليا ومالطا وفي جنوب إسبانيا وجنوب المغرب وفي منطقة إفريقيا الغربية (أفريكوم) تحسبا للتطورات الجيوسياسية المتوقعة في منطقة الساحل الصحراوي وشمال إفريقيا التي ستكون نقطة الارتكاز الإقليمية الجديدة للتنظيمات الإرهابية بعد العراق وسوريا,الأمر الذي يستوجب التأكيد من جديد على الضرورة الملحة لضم الجهود إقليميا ودوليا من أجل التنسيق والتعاون في التعاطي مع الجماعات الإرهابية.
التنسيق الإقليمي والتصدي المشترك للإرهاب :
يبدو أن أيام التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق أصبحت معدودة بعد تحرير حلب وبعد إتمام تحرير الموصل وبعد طردها من سرت, والسؤال المطروح منذ فترة يدور حول منطقة ارتكاز الجماعات الإرهابية الجديدة وهل ستكون لها أدوار قادمة على الحدود التركية مع سوريا والعراقوفي مناطق أخرى من إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبالذات في منطقة الساحل الصحراوي في الجوار الليبي والتونسي والجزائري جنوبا وفي جوار البلدان الإفريقية جنوب الساحل مثل مالي وموريتانيا والنيجر وتشاد ؟ كل التحاليل الجيوسياسية والدراسات الاستشرافية تشير إلى ذلك وقد كنت من المتابعين لهذه التطورات خلال الفترة الأخيرة ونوهت في العديد من المقالات إلى مثل هاته الآفاق غير المطمئنة وما تحمله من مخاطر على أمن واستقرار المنطقة وشعوبها في ظل استفحال ظاهرة الإرهاب بمختلف روافده, ونبهت مرارا إلى ضرورة الاستعداد بكل يقظة وحزم للتعامل مع الفرضيات المطروحة في إطار السياسات الداخلية لمقاومة الإرهاب ومن خلال التنسيق والتعاون الشامل إقليميا ودوليا بأبعاده الدبلوماسية والاستخباراتية والأمنية إلى حد تنظيم التصدي المنسق وحتى المشترك بين كافة دول المنطقة وبالتعاون مع القوى الدولية.
وكما ذكر أعلاه وقيل في مناسبات سابقة فإن المتوقع بعد اضمحلال تنظيم داعش أنه سيعتمد السرية في التحرك وسيواصل أنشطته الإرهابية في أي مكان بواسطة الذئاب المنفردة والخلايا النائمة في المناطق الذي طرد منها وحتى في البلدان الغربية, وفي هذا السياق يؤكد الخبير الأمني الجزائري(د. أحمد ميزاب) رئيس اللجنة الجزائرية الإفريقية للسلم والمصالحة أن عددا هاما من الدواعش لا يزالون في ليبيا بعد حرب سرت بينما تراجع عدد الإرهابيين التونسيين إما بالقضاء عليهم أو بعودتهم من حيث أتوا على حد قوله, ويرى الخبير الجزائري في نفس السياق أن هناك « أربع بؤر سوداء » موزعة على الشريط الحدودي الجزائري على شكل مثلثات جغرافية (تونس- الجزائر-ليبيا) و (النيجر-ليبيا-الجزائر) و (مالي-موريتانيا-الجزائر) و (جبل الشعانبي في تونس والمناطق المتاخمة على الحدود الجزائرية), كلها مناطق خطر تستدعي الحيطة والحذر, فضلا عن الخطر الناجم عن استمرار توزيع السلاح بالداخل الليبي وفي بلدان الجوار والذي وصل جزء كبير منه إلى التنظيمات الإرهابية بما فيها القاعدة عبر بؤر التوتر بحسب قول الخبير.
وفي ما يتصل بآفاق التنسيق الإقليمي والتصدي المشترك ( وفي غياب التحرك على مستوى بلدان الاتحاد المغاربي للأسباب التي نعرفها إذا استثنينا التنسيق والتعاون التونسي الجزائري ) فإن المبادرة تأتي اليوم من دول جنوب الساحل الصحراوي الخمسة (تشاد والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا) في إطار قمة عقدت في 6 فيفري 2017 بمالي ودعت إلى إرساء تعاون مشترك من أجل « تأمين أسس سلام دائم بالمنطقة من خلال فضاء مشترك للتشاور والتبادل في المجال الأمني », وتقوم المبادرة على عدة عناصر ومن ضمنها : « التشكيلالفوري لقوة عسكرية مشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والتصدي للمجموعات الإرهابية والشبكات الإجرامية ومنع توسعها, وتفعيل آلية اتصالات آمنة لتيسير تبادل المعلومات الاستخباراتية, وإنشاء مركز ساحلي لتحليل التهديدات والإنذار المبكر ».
عناصر يمكن أن تكون نواة لإستراتيجية إقليمية مندمجة للتنسيق والتعاون في منطقة الساحل الصحراوي وشمال إفريقيا من أجل مكافحة الإرهاب, وقد كنت اقترحت مثل هاته المقاربة في مقالات سابقة مستأنسا بالتجربة الصينية الآسيوية في إطار ما يعرف « بمنظمة تعاون شنغهاي » التي تمثل منذ أكثر من خمسة عشر سنة آلية فاعلة في التعاطي المنسق والمشترك مع الجماعات المتشددة في الصين وفي منطقة آسيا الوسطى, ولكن المناخ الجيوسياسي السائد في منطقة الاتحاد المغاربي لم يكن ولا يزال غير مناسب للاجتماع حول هكذا مقاربة ولو تعلق الأمر بتهديد أمن واستقرار المنطقة بأكملها, أقول ذلك بإحساس من المرارة تزداد اليوم درجته عندما استحضر ما وصلت إليه أوضاع الاتحاد المغاربي من تجميد ومن تفكك قد يكون وشيكا خاصة منذ أن استعادت المغرب مقعدها بالاتحاد الإفريقي وما صرح به العاهل المغربي من موقف تجاه مسار الاتحاد المغاربي وما تلاه من مبادرة المغرب بطلب الانضمام إلى مجموعة دول إفريقيا الغربية, وبعد ما أعلنت عنه تونس من توجهها للانضمام للسوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا يصبح التساؤل مشروعا حول ما تبقى من الاتحاد المغاربي أو من إقليم إفريقيا الشمالية, ولو أن من الناحية النظرية الانضمام إلى مجموعة أخرى من الدول التابعة للاتحاد الإفريقي لا يتنافى مع مواصلة الانتماء للمجموعة الأصلية, ولكن الأمر هنا يتعلق بالرمزية وبالظروف التي تتم فيها مثل هاته التحركات والمنطقة في حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى لملمة الأوضاع ورص الصفوف من أجل التنمية المشتركة والمستقبل الواحد لتعزيز القدرة الجماعية على رفع التحديات المفروضة على المنطقة وفي مقدمتها التهديدات الإرهابية, وعلى الرغم من ذلك يحدوني الأمل في أن لا تنطفئ شمعة البناء المغاربي وأن يتم إحياء العمل المغاربي المشترك بأي صيغة كانت ترمم الصدع من أجل التصدي المشترك للتحديات التي تواجه أمن واستقرار وتقدم المنطقة في ظل التهديدات الجيوسياسية المتربصة بها بما في ذلك الانصهار والمشاركة الفاعلة في ما يمكن اعتباره « منظومة التنسيق والتعاون في منطقة الساحل وشمال إفريقيا » انطلاقا من مبادرة الدول الخمسة, وذلك من منطلق القناعة بأن الفضاء المغاربي هو واقع جغرافي وتاريخ وحضارة وتداخل ديمغرافي ومصالح استراتيجية ومستقبل واحد لا ينبغي التخلي عنه مهما كانت الظروف والمغريات وحتى الإكراهات وهو في النهاية جزء من إفريقيا وتواصل نحو الشمال والمتوسط فلا هو بديل عن إفريقيا ولا إفريقيا بديلا عنه, وقد تكون الدبلوماسية التونسية مؤهلة لبلورة مبادرة في هذا السياق في علاقة بجهودها لحلحلة الأزمة الليبية وتداعياتها على منطقة الساحل الصحراوي وشمال إفريقيا.

التعجيل بتفعيل المبادرة الثلاثية :
مبادرة السلام في ليبيا ترجع كما هو معلوم للرئيس الباجي قائد السبسي وتقوم على أساس مصلحة تونس في حلحلة الأزمة الليبية بالحوار والتوافق على المصالحة الوطنية الشاملة من أجل حل سياسي يفضي إلى وحدة الشعب الليبي في كنف الأمن والاستقرار لأن أمن تونس من أمن ليبيا كما أن أمن ليبيا من أمن تونس, على أن يكون الحل ليبيا-ليبيا وشاملا لكل الأطراف بدون إقصاء وبدون تدخل أجنبي وبرعاية الأمم المتحدة, ولضمان ظروف النجاح للمبادرة واعتبارا لعلاقة بلدان الجوار المباشر الأخرى بالأوضاع السائدة في ليبيا تم تشريك الجزائر ومصر في المبادرة لتصبح « مبادرة ثلاثية » بعد اجتماع وزراء الخارجية للبلدان الثلاثة في تونس يومي 19 و 20 فيفري 2017 وإعلان بيان تونس حول المبادرة ليتم تبنيه لاحقا من طرف قمة لرؤساء البلدان الثلاثة تعقد في الجزائر في غضون شهر مارس الجاري.
وبعد الإعلان عن المبادرة شهدت المنطقة حركية بين الأطراف الليبية في كل من تونس والجزائر ومصر, وشهدت تونس زيارات متعددة لأطراف ليبية من ضمنها زيارة رئيس مجلس النواب الليبي (طبرق) واحتضنت مدينة الحمامات لقاء لممثلي بعض الأطراف الليبية , بينما استقبلت الجزائر أطرافا أخرى فاعلة مثل رئيس حكومة الوفاق الوطني وقائد الجيش الليبي بهدف تقريب وجهات النظر بينها, وسعت مصر لتنظيم لقاء بين رئيس مجلس الرئاسة وقائد الجيش ولكن المحاولة لم تفلح لعدم توفر عنصر الثقة بين الرجلين, ودخلت الدبلوماسية « الشعبية » التونسية على الخط من خلال زيارة رئيس حزب حركة النهضة للجزائر في إطار مسعى لإقناع أطراف ليبية محسوبة على الإسلام السياسي بالمساهمة في المبادرة وتواصل اللقاء في تونس بحضور طرف ليبي وطرف جزائري ( بدون تنسيق على المستوى الدبلوماسي الرسمي على ما يبدو ), وفي حركة وصفت « بالتنافسية السياسية » مع حركة النهضة قام وفد برئاسة رئيس  » حزب مشروع تونس » بزيارة إلى منطقة شرق ليبيا أين التقى بقائد الجيش الليبي في محاولة للتموقع في المشهد الليبي في خضم التحركات ذات الصلة بالمبادرة السياسية على ما يبدو, ولم يتم إعلام رئاسة الجمهورية إلا في نفس اليوم قبل مقابلة المسؤول الليبي بوقت قصير, وبصرف النظر عن مضمون مثل هاته التحركات الدبلوماسية « الشعبية » أو « الموازية » الذي يفترض أن لا يخرج عن المصلحة الوطنية فإن الملفت فيها أنها لم تراع الأعراف والتقاليد المعهودة خاصة فيما يتعلق بالتشاور والتنسيق مع الأطر الرسمية وبالمحافظة على الحد الأدنى من السرية فيها حتى لا تسبب أي انزعاج أو حرج للأطراف الراعية للمبادرة أو للأطراف المعنية بها عند خروجها إلى العلن, ولم يتوفر شرط الحياد في تلك التحركات التي عرف أصحابها بالتناغم مع أجندات مختلفة بين الأطراف الليبية فضلا عن نقل خلافاتهم الداخلية إلى الساحة الليبية, بما قد يكون أثر سلبا على مسار المبادرة والدليل على ذلك ما أوردته وسائل الإعلام من تعليقات وتصريحات وتجاذبات غير مفيدة للوساطة, ما حدا برئاسة الجمهورية بالتدخل لتدقيق موقفها الذي بقي يتراوح في أذهان المراقبين بين عدم الإيحاء بتلك التحركات والرضاء عليها إذا أسفرت بعض النتائج المفيدة لإنجاح المبادرة, وكانت هناك وسائل أخرى أكثر نجاعة في إطار ما يعرف بالدبلوماسية السرية لتأمين اتصالات غير رسمية مع الفرقاء الليبيين من أجل بلورة المواقف وتقريب وجهات النظر تمهيدا للمفاوضات الرسمية, وفي نفس السياق لم تخف بعض الأوساط الجزائرية عدم رضاها على تعدد المبادرات التي لا تساعد على إنجاح المسار في إشارة إلى تحركات بعض الأحزاب التونسية وإلى المحاولة المصرية, وفيما يبدو أن تلك التحركات تحولت إلى صراع بين الطرفين المعنيين فالأخطر من ذلك أن يتحول الصراع إلى الساحة الليبية التي يسودها تشنج وتوتر بين قوى الشرق وقوى الغرب بما قد يفضي إلى نقل للصراع الليبي-الليبي إلى الساحة التونسية وهو ما يهدد الأمن القومي التونسي وما يستدعي بالتالي مزيدا من اليقظة لتفادي أي تطورات خطيرة ولتجنب الانغماس في الخلافات الليبية-الليبية.
وفي كل الأحوال لا تزال المبادرة قائمة خاصة من خلال تحركات الدبلوماسية التونسية الرسمية وتواصلها المستمر مع الأطراف الليبية ومع الأطراف الإقليمية الراعية والأطراف الدولية الداعمة, ولكن الملفت للانتباه هو قلة الحديث خلال الفترة الأخيرة عن القمة الثلاثية وعن موعدها, وفيما غاب التعرض للقمة في البيانات الصادرة بمناسبة زيارة وزير الخارجية مؤخرا للجزائر ولمصر ( ربما لأسباب تتعلق بأجندات الدول الراعية ) فقد أشارت بعض وسائل الإعلام إلى حديث لأمين عام جامعة الدول العربية عن احتمال تنظيم « اجتماع دولي رباعي » حول الأزمة الليبية في شهر مارسالجاري دون ورود أي تدقيق حول اللقاء, يضاف إلى ذلك التساؤل حول مصير المبادرة في ظل إعلان رئيس مجلس النواب الليبي تعليق الحوار السياسي وتجميد اتفاق الصخيرات إلى جانب عدم إعلان قائد الجيش الليبي لحد الآن عن زيارته المرتقبة لتونس وعن موقف واضح من المبادرة, وذلك على الرغم من زيارة رئيس حكومة الوفاق الوطني مؤخرا إلى روسيا في محاولة على ما يبدو للضغط عليه من خلال « حليفته » موسكو من أجل القبول بالحل السلمي الذي تهدف إليه المبادرة الثلاثية, وفي انتظار ما هو آت تستمر التصريحات حول ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور لـتأمين النجاح للمبادرة في تزامن مع حديث عن توسيع المشاورات إلى دول الجوار الجنوبي لليبيا (السودان وتشاد والنيجر) باعتبارها معنية نظرا لامتداد حدودها وسهولة تسلل العناصر الإرهابية عبرها نحو ليبيا, ولكن الوقت يمر والأحداث تتسارع في ليبيا والوضع قد لا يحتمل المزيد من الانتظار.
كل المؤشرات في الداخل الليبي تبدوا غير مستقرة بما يجعل البلاد مفتوحة على كل الاحتمالات من جراء ما يمكن اعتباره « شرخاعميقا » بين قوى الشرق وقوى الغرب وتباينا كبيرا في الاتجاهات الإيديولوجية والسياسية ما بين ليبيراليين ومحافظين وإسلاميين وما بين مدنيين وعسكريين بما يهدد بالانفجار في أي وقت خاصة بعد الأحداث الأخيرة في منطقة الهلال النفطي وفي أحواز العاصمة طرابلس وما رافقها من مؤشرات على احتمال دخول القوى الدولية على الخط لدعم الأطراف المتنازعة, الأمر الذي يتحتم معه التعجيل بتفعيل المبادرة الثلاثية مع اعتبار مسألة التنسيق بين الدول المتاخمة لمنطقة الساحل الصحراوي لقطع الطريق أمام أي تطورات جديدة تفاجئ الجميع بما قد لا يكون بالضرورة لصالح ليبيا ولا لفائدة دول الجوار وخاصة تونس والجزائر.
ص.ح.

 

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire