ليبيا

إفتتاحية :التصعيد العسكري في ليبيا: الغموض يلف الموقف مجددا

الغموض يلف ليبيا حقا. ليس فقط من جانب التطورات العسكرية التي سينجلي أمرها خلال أيام، ولكن من زاوية انعكاساتها الإستراتيجية على آفاق معالجة أوضاع المجتمع وتدعيم كيان الدولة.
الهجوم على العاصمة فاجأ الجميع. لقد سبق بأيام الملتقي الوطني الجامع المبرمج أيام 14و15و16 أفريل الجاري في غدامس والذي كان متوقّعا أن يحدد قواعد المصالحة الوطنية ويضع رزنامة لانتخابات برلمانية ورئاسية قبل نهاية السنة، ويوفّر لهذه الاتفاقات البيئة الأمنية والاجتماعية الضامنة لنجاحها. كما أنه أعاق جهودا قادتها منظمة الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى ليبيا، اللبناني غسان سلامة لتيسر التواصل بين الأطراف المتنازعة، وتوفير عوامل الثقة تكريسا لأرضية المصالحة بينهم. . وكمؤشر على أن الحملة التي شنها المشير خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس قد فاجأت الجميع، بدا حلفاؤه في وضع غير منسجم، إذ منهم من صمت ومنهم من اتخذ موقفا محايدا ومنهم من انضم إلى أطراف دولية دعت صراحة إلى إيقاف القتال.
الطرفان المتقابلان، المشير حفتر والرئيس السراج، خرجا إلى الرأي العام الدولي بشعارين مختلفين. الأول ميّز بين المسار السياسي الذي قادته الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص ورعته أطراف دولية في باريس وباليرمو وأبوظبي وغيرها وسيتوّج خال أيام بملتقى غدامس، ومسار آخر يتبناه ويضع مبادرته العسكرية الأخيرة في إطاره، وهو مسار أمني يهدف من ورائه إلى القضاء على الإرهاب والجريمة المنظمة والفلتان والتنظيمات التي لا تؤمن بالديمقراطية والراعية للإرهاب وهي، في نظره، مستثناة من المشاورات والاتفاقات التي ستجري في غدامس. الناطقون باسم المشير حفتر يقولون إن مسار غدامس مازال قائما ويعتبرون أن تطهير الساحة من الإرهاب والجريمة المنظمة والفلتان الأمني هو أحد مقدّمات إنجاح اللقاء وضمانة لحسن سير تنفيذ مخرجاته.
الطرف الثاني، أي السرّاج، يعتبر مبادرة حفتر العسكرية تجسيدا لطموحاته الديكتاتورية التي لم يعد لها مكان في ليبيا بعد 17 فيفري2011، ونسفا للجهود السياسية التي انخرطت فيها الأطراف الدولية والعربية ودول الجوار انطلاقا من قناعة مشتركة تقوم على أن الحل للأوضاع في ليبيا هو سياسي وليس عسكريا.
هذا السجال الذي يدعمه السلاح يكشف حقيقتين أساسيتين:
الأولى: هي أن حفتر والسرّاج يتوجّهان بخطابهما إلى الرأي العام الدولي والقوى الدولية الفاعلة، هذا يؤكّد أنه يحارب الإرهاب والجريمة المنظمة والفلتان الأمني المتغلغل في نسيج كيان الدولة والمجتمع في طرابلس والغرب الليبي، وذاك يتحدّث عن أنه يواجه الديكتاتورية والنزوع إلى عسكرة الدولة في زمن حسم فيه الشعب الليبي أمره بطي صفحة الدكتاتورية والحكم العسكري.، ويراهن على المسار السياسي الذي ارتضته المجموعة الدولية وتجنّدت لإنجاحه، بإقرار الملتقى الجامع لكل الأطراف في غدامس منتصف أفريل الجاري، والمؤتمر السياسي للمصالحة المقرر عقده في أديس أبابا في جويلية القادم، تمهيدا للاستحقاقات الانتخابية نهاية السنة.
الحقيقة الثانية وهي على درجة من الخطورة، ويستشف منها أن ليبيا، في عقيدة الطرفين المتصارعين الأساسيين، لم تعد تتّسع لأكثر من واحد منهما، بما يوحي بأن ما بدا لنا في السابق تقاربا بينهما لم يكن سوى مغالطة ومخاتلة لبعضهما وللرأي العام الدولي أيضا.
إن ما يمكن ملاحظته هو أن لكل من الجيش الوطني الذي يقوده حفتر ومجلس الرئاسة الذي يرأسه السرّاج شرعيته النسبية ومصادر قوته النسبية أيضا وداعميه الدوليين هنا وهناك. وهي نقاط قوة لا تتيح لأي منهما أن يتفرّد بالنفوذ في هذا البلد الشاسع جدا والغني جدا والذي هو محل أطماع عديدة جدا، ويكسب لوحده انخراط كل فئات المجتمع في مشروعه. وبهذا المعنى كان أولى بهما البحث عن نقاط التكامل لتسيير المرحلة الانتقالية التي تبدو قصيرة إلى حين حلول موعد الانتخابات نهاية السنة. لكن الأمور جرت مرّة أخرى بما لا تشتهيه رياح الحكمة والصبر.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer