إفتتاحية: الدبلوماسية البرلمانية، مداها وحدودها

كثر الحديث في تونس هذه الأيام حول ما يسمى بالدبلوماسية البرلمانية وعلاقتها بالدبلوماسية الرسمية للبلاد. وأدلت عدة أطراف، فيما عدا أصحاب الاختصاص، بدلوها وانتهى الأمر بعقد «حوار » داخل مجلس نواب الشعب حيث الانقسامات السياسية حالت دون التوصل إلى تصور موحد بين من يرى أن صلاحيات المؤسسة التشريعية في مجال العلاقات الخارجية لا يمكن إلا أن تكون محددة بضوابط معينة وبين من يعتقد أن لا ضابط لهذه الصلاحيات إلا المصلحة العامة كما يرونها.
إن كل من مارس الدبلوماسية طوال حياته المهنية ووهبها عصرة جهوده واهتماماته، خاصة من بين المنتمين للجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين والذين يتخذون من هذا المنبر الإعلامي لسان حالهم، يخشون أن يؤدي هذا اللغط إلى مزيد اختلاط السبل مما قد يجعل العمل الدبلوماسي التونسي بكل جوانبه أكثر صعوبة بالنسبة للقائمين عليه وهو ما قد يؤدي إلى مزيد الإضرار بمصالح تونس وبمكانتها في العالم، خاصة وأن هذا اللغط تنضاف إليه مفاهيم تنسب إلى الدبلوماسية وهي براء منها وتوظف لتبرير انحرافات واضحة في التعامل خاصة مع القضية الليبية التي سوف لن نأتي عليها في هذه الافتتاحية.
لا شك أن الدبلوماسية البرلمانية أصبحت معطى من معطيات الحياة العامة الحديثة في العالم وهو معطى له أهمية لطالما وقع إنكارها والتداول بشأنها في الماضي إلا أنه تم حولها في الأنظمة الديمقراطية توافق شبه كامل. ويحق لديمقراطيتنا الناشئة أن تأخذ علما بالخلاف الذي حصل حول هذا الموضوع إلا أنه من واجبها أيضا أن تستفيد مما وصلت إليه تجارب الغير حتى لا ندخل بلا دنا في متاهات لا طائل من ورائها. فباتفاق الجميع تعمل الدبلوماسية البرلمانية، على الأقل في الأنظمة السياسية المشابهة لنظامنا، عبر قنوات خاصة بها.
على رأس هذه القنوات تلك الرامية لتوثيق الصلة بين الشعوب والعمل من أجل أهداف قد لا تكون معارضة للأهداف الرسمية ولكن يكون التعامل معها بصفة أكثر قربا للكونية كحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير وحماية البيئة. والغاية هي محاولة الضغط على أصحاب القرار الرسمي لمزيد الاقتراب من المبادئ الكونية والتعاون من أجل ذلك. القناة الأكثر قربا من الدبلوماسية البرلمانية بهذا المعنى هي العلاقات مع البرلمانات في الدول الشقيقة والصديقة بما في ذلك مجموعات الصداقة البرلمانية وكذلك الاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية.
كما لا يخلو العمل البرلماني مما يعرف بالدبلوماسية البروتوكولية أي تلك التي تمكن من ربط علاقات شخصية ومناسبتيه ليس فقط مع رؤساء وأعضاء البرلمانات الأخرى بل وأيضا مع ممثلي الدول الشقيقة والصديقة المعتمدين في عاصمة البلد المعني أو الزائرين لها لما يمكن أن يكون لهذه العلاقات من ترطيب للأجواء لمساندة العمل الدبلوماسي الرسمي.
من جهة أخرى يكتسي العمل التشريعي باعتباره معبرا عن الشعب جانبا هاما يمس بالعمل الدبلوماسي لأي دولة كأن يناقش مباشرة أو من خلال لجنة قطاعية الاتفاقيات الثنائية والدولية التي يريد البلد المعني الدخول فيها ويصادق عليها ويسائل القائمين على الدبلوماسية الرسمية حول تنفيذ تلك الاتفاقيات وبصفة عامة حول سير العلاقات الخارجية مع إمكانية أن يعتمد لوائح غير ملزمة توجه للجهاز التنفيذي في هذا الشأن. هذا إلى جانب النظر في قرارات إعلان الحرب والسلم وإرسال قوات إلى الخارج التي يتخذها رئيس الدولة. مع العلم بأنه في حالة حدوث شغور نهائي في منصب رئيس الجمهورية فإن رئيس البرلمان في نظامنا الدستوري يتولى السلطة لمدة محددة إلى حين انتخاب رئيس جمهورية جديد.
إلا أن كل هذه القنوات على أهميتها لا يمكن أن تجعل من الدبلوماسية البرلمانية رديفا أو مكملا للدبلوماسية الرسمية التي تعتمدها الدولة في علاقاتها مع الدول الأخرى والتي يمثلها رئيسها المسؤول بمفرده على ضبط السياسات العامة خاصة في مجال العلاقات الخارجية بحكم دستور الجمهورية التونسية على غرار معظم دساتير البلدان الديمقراطية الأخرى. ومن هذا المنطلق لا يمكن خلق تعارض بين العلاقات الخارجية والدبلوماسية التي تعتبر الوسيلة الأساسية لرعاية وتطوير تلك العلاقات وهي في المقام الأول من مشمولات وزارة الشؤون الخارجية والأجهزة التابعة لها. كما أنه ومع الاعتراف بوجود دبلوماسية برلمانية مفيدة في الحدود ومن خلال القنوات المبينة أعلاه فإنه لا يمكن التسليم بأن هذه الدبلوماسية لها حق التفاوض باسم الدولة إلا في صورة تكليف رسمي من رئيس الجمهورية ولا الحق في التعبير عن موقف مساند أو معارض لأي جهة قد يخلق حرجا للبلاد.
إن هذه المقاربة لها اليوم وأكثر من أي وقت مضى أهمية خاصة بعد بروز نزعة لدى البعض في تجزئة العمل الخارجي إلى دبلوماسيات مختلفة اقتصادية وثقافية وسياحية وحتى رياضية… فإذا وقع التسليم للقائمين على الدبلوماسية البرلمانية بحرية التعامل المستقل في مجال عملهم فلماذا لا يسمح للقائمين على القطاعات الأخرى بنفس الحرية؟ إن الدبلوماسية الرسمية لأي دولة موحدة ولا يمكن تجزئتها. كما لا يمكن إدخال مفاهيم غريبة عليها كأن يقال بأن الحياد الدبلوماسي قسمان إيجابي وسلبي والحال أن الحياد هو تمشي مبدئي واحد في السياسة الخارجية لا يعني البتة البقاء على الربوة بل يمكن أن يؤدي إلى المساهمة النشطة في إيجاد الحلول دون الانحياز لأي طرف.
النظرة الشاملة للدبلوماسية ليس المراد منها الانغلاق على النفس بل حماية المصالح الوطنية من التشتت. على أن ذلك لا يستبعد إمكانية إيجاد آلية للتشاور بين المصالح المكلفة بتنفيذ الدبلوماسية الرسمية وتلك المعنية بقطاعات معينة وحتى مع بعض المنظمات الوطنية والغير حكومية الناشطة على المستوى الخارجي وذلك لمزيد التنسيق والتشبع بتفاصيل المواقف الرسمية وأهدافها ومراميها وتبيان طرق مساندتها .

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer