ازمة الديون اليونانية

ازمة الديون اليونانية مقارنة بالحالة التونسية

دراسة بقلم طارق السعدي، سفير سابق

 

كثيرا ما يستشهد الخبراء والمتابعون للشأن الوطني بالتجربة اليونانيـة المريرة مع الأزمات عند حديثهم عن التحديات الكبرى التي تواجهها بلادنا منذ سنوات على مختلف الأصعدة السياسيـة والاقتصادية والاجتماعية .فهم لا يترددون في دق ناقوس الخطر والتنبيــــه بأنـــه في غياب الإصلاحات الهيكليـــة العاجلــــة والقرارات الفوريـة المناسبــة ستتحول الأوضاع في تونس إلى ما هو أســــوأ بكثير مما هي عليــه الآن وستشهـــد البلاد أزمـة ديــــون خانقـــة شبيهـــة بتلك التى عصفت باليونان منــذ سنة 2010 وحولتهـــا إلى بلد شبــه مفلس وعاجز لوحـده على الإيفاء بالتزاماته الماليـــة الوطنيـة والدوليـة .

في المقابــل ولئن يقر البعض الآخر بخطورة هـذه الأزمـــة ولا يستبعدون أن تلقـــى بلادنا نفس المصير في غياب الحلول العاجلـــة والمناسبـــة ، إلا أنهم يرون أنه يمكن الاستفـــادة من التجربـة اليونانيـة على ضوء نجـــاح الوزيــــر الأول اليونانــــي السيد ألكسيس تسيبراس، رئيس الحزب اليساري الراديكالي ( سيريزا ) في إخراج بلاده من عنق زجاجـــة الأزمـة وضمان عودتها إلى الأسواق الماليــة العالميـــة وذلك ثلاث سنوات فقط بعـد توليــه السلطــة في جانفي 2015 واستلهام  بعض الأفكـــار من المقاربـــة التي أدارت بها حكومتـــه المفاوضات مع الدائنيـــــن  للخروج بأقـــل الخسائر.

فهــــل يمكن أن تتكرر الأزمـــة اليونانيـــة بتونس باتجاه ما يــنذر بـه البعض من مصير محتوم أو بما يستبشر به البعض الآخر من بدائــــل?

قبل الإجابــــة على هذا التساؤل يبدو من الضروري استعراض مختلف مراحل الأزمـــة اليونانيــــة عسى ذلك يساعـد على مزيـد التعريف بأسبابها وتداعياتها وخصوصياتها مقارنـــة بالحالـــــة التونسيـــة.

أسبـــــــاب الأزمـــــــــــــة :

لئن تعددت الآراء والتحاليل حول الأسباب التي أدت إلى الأزمـة الماليـة والاقتصادية الخانقـــة التي عصفت باليونان منذ سنة 2010 إلا أن جل الخبراء والمحللين يجمعون على أهم العناصر التاليــة:

  • الأزمة الماليـة العالميـة لسنـة 2008 التي كانت من أهم تجلياتها الرمزيـــة إعلان إفلاس بنك ليمان براذرس الأمريكي يوم 15 سبتمبر 2008 وحالة الانهيار التي أصابت الاقتصاد العالمي بسبب الزيادة في أسعار العديد من السلع والخدمات وارتفاع السعر العالمي للبترول. وقد شهدت قيمـة الأورو في نوفمبر من نفس العام هبوطا لأدنى مستوياته ودخـل الاتحاد الأوروبي في مرحلة ركــود وكانت اليونان من أكثر الأعضـاء تضررا بهذه الأزمـــة الماليـــة.
  • انضمام اليونان إلى منطقـــة دول الأورو سنة 2001 على أساس إحصائيات ونسب غير صحيحـــة حول الاقتصاد اليوناني قام المسؤولون اليونانيــــون آنذاك بتقديمها حتى يتسنى لبلادهم الاستجابــــة لشروط الانضمام والتوقيع على الاتفاقيات ذات الصلـــة دون الأخـذ بعين الاعتبار التطورات المستقبليـة التي قد تطرأ على هذه المنطقـة.

علما بأن منطقــة الأورو تكونت خلال سنة 1999 و ضمت آنذاك 11 دولة هي :  فرنسا وألمانيـا وإيطاليـا وإسبانيا وبلجيكـا والبرتغال والنمسـا ولوكسمبـورغ وهولنـدة وفنلنــدا وايرلنـدا وانضمت إليها فيما بعد كل من اليونـان (2001 ) وسلوفينيــا (2007 ) وقبـــــــــرص ومالطا (2008 ) وسلوفاكيا (2009 ) واستونيا (2011 ) ولاتفيــا (2014 ) وليتوانيا(2015 ) .

  • ســـــوء إدارة موازنات الدولة وارتفاع نسبــــة العجز والتضخم المالي.
  • ارتفاع عدد الموظفين في القطاع العام وانخفاض الإنتاجيـــــة.
  • تفشي الفساد والرشوة والتهرب الضريبي وازدهار الأسواق الموازيـــة.
  • سوء إدارة المصارف اليونانيــة وتفشي الفساد فيها عن طريق منح ديون الى رجال الاعمال والقطاع الخاص من دون استيفاء الشروط المطلوبــــة.
  • تفاقم أزمـة الصناديق الاجتماعية وتدني الخدمات الصحيـة والتأمين على المرض بسبب ارتفاع عدد المنتفعين بجرايات التقاعـد وزيادة العجــز في خزينـــــة هذه الصناديــق.
  • الإنفاق العالي على التسليح.

بدايـــــة الأزمـــــــة

مباشرة بعد انضمامها إلى منطقـة الأورو في سنة 2001 ، قامت اليونان باستبدال عملتها الوطنيـــة الدراخما بالأورو مما أدى إلى حاجتها لضخ كميات كبيرة من العملة الجديدة مع ما تطلبتـــه هذه العمليـة من تكلفة كبيرة إضافة إلى كونها كانت مُلزمة بأن يعيش مواطنوها وفــــــق معاييــــروشروط دول منطقة الأورو والاتحاد الأوروبي بشكل عام وما يعني ذلك من ارتفاع في مستوى المعيشة في دولة متوسطة الحال يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على موارد بسيطة كالزراعة والثروة السمكية والسياحة مما اضطر اليونان إلى اللجوء إلى طلب قروض خارجية لتمويل مشاريعها التنمويـة دون وضع خطة مستقبلية للوفاء بديونها .

وقــد بدأت الشــــرارة الأولــــــى لهذه الأزمـــــــــة في عـام 2004 خـلال تولــــــــي السيد كوستاس كرامانليس، رئيس الحزب اليميني ” الديمقراطيـة الجديـدة ” رئاسة الحكومـة وإعلانه أن بلاده لم تكن مؤهلـــــة منذ البدايــــة للانضمام إلى دول منطقــة الأورو وأن البيانات الاقتصادية التي أُعطيت للجهات الأوروبية المسؤولة آنذاك قد تم تزويرها للاستجابة لشروط الانضمام مما أحدث مخاوف كبيرة لدى الدائنين والمستثمرين واهتزت ثقتهم في السندات الحكومية اليونانية .وأدى ذلك إلى تخفيض التصنيف الائتماني لليونان وتضخم نسبــة العجـــــز والإنفــاق العـام وارتفاع الدين العام إلى 70 مليار أورو . كما شهدت تلك الفترة عـدة قضايا فسـاد تعلقت بمسؤولين ساميين وفقدت الحكومـــة ثقـــة الشعب مما أجبـــر الوزير الأول على تقديم استقالته والدعوة لانتخابات تشريعيـــة سابقة لأوانهـا تم تنظيمهـــا في شهر أكتوبر 2009 وفاز بها حزب ” الحركة الاشتراكيـة الهيلينية – الباســـوك ” برئاسة السيد جورج بابان دريو.

وقد اعترف الوزير الأول الجديــد بأن الحكومة السابقة قد زيفت بالفعل الحسابات والإحصائيات المقدمـة للإتحاد الأوروبي بهدف الانضمام إلى منطقة الأورو وأن حكومتــه قامت على هذا الأساس بمراجعة أرقام عجز الموازنــــــة من الناتج المحلي الإجمالي من 3.7 % إلى  12.5 % وهي نسبة تمثـل خمسة أضعاف ما هو مسموح به في منطقة  الأورو مما أدى إلى ازدياد المخاوف بين المستثمرين حول قدرة اليونان على الوفاء بتعهداتها وسـداد ديونها نتيجة للارتفاع الحاد لحجم الدين العام وأحدث أزمة ثقــــة في الأسواق المالية تجلت من خلال ارتفاع الفائدة والتأمين على السندات اليونانية .

ومع تزايد حجم الديون العمومية وارتفاع عجز الموازنة واجه الاقتصاد اليوناني ضعفا في النمــــو زاد في تعقيــد الوضع في اليونان وصعب من قدرة هذا البلد على الحصول على قروض جديدة لتسديــــد ديونــه السابقة خاصـة وأن حجم هــذه الديون واصل ارتفاعــــه خلال سنة 2010 و بلغ نسبة 163 % من الناتج القومي أي ما يعادل 355.617 مليار أورو وبالتالـي لم تعد الدولــة قادرة على ســـــداد هذه الديون مما وضعها على حافة الإفلاس وكان لا بد لهـــا من الاستعانة بقروض مالية لتتجاوز هــــذه الأزمـة الخانقـة.

وقد انقسمت القوى السياسية اليونانيـــة آنذاك بين مؤيد للاقتراض من منطقة الأورو والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي واللجوء الى الية الاستقرار المالي الأوروبي ومعارض لذلك بحجة ان شروط الاقتراض تؤدي الى خسارة اليونان لسيادتها الوطنية وتضعها تحت رحمـــة ووصايـــة الدائنين.

ونظرا لحجم الأزمـة الماليـة التي أضحت تهــدد بالانهيار الكلي للاقتصاد اليوناني بعـــد أن أصبحت البلاد تعيش تحت وطأة توأم العجز والديــون، لم يكن بـــــــدا أمام الحكومـة اليونانيـة آنذاك برئاســــة الوزير الأول جورج بابان دريو (أفريل 2010) سوى الطلب من الاتحــاد الأوروبــي و صندوق النقـــد الدولــي وضع  ” خطــــة إنقــــاذ ” لمساعدة بلاده  على تجنب الإفلاس والتخلف عن الســـــداد والانهيار الاقتصادي .

ولم يكن أيضا أمام الإتحاد الأوروبي سوى الاستجابة ولو بشروط لطلب الاستغاثة اليوناني نظرا لأن شظايا الأزمـة اليونانيـة تعدت حــــدود هذا البلد وشكلت تهديــدا لاستقرار منطـقة الأورو بعـد أن طرح البعض داخل اليونان وخارجه فكـــرة الخروج من هذه المنطقة الاقتصادية وحتى من الإتحاد الأوروبي كحــــل لهذه الأزمـــة.

واعتبارا لذلك قرر الاتحاد الأوروبي بالتوافق مع صندوق النقد الدولي تقديم المساعدة المرجوة لليونان في شكـل خطـــة إنقاذ مقابل تنفيذها لإصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشف تهدف إلى خفض العجز بالموازنة العامة. وتوزعت هـذه الخطــة على ثلاث مراحل:

خطـة  الإنقاذ الأولى (ماي 2010 )

في 23 أفريل 2010 قدمت الحكومة اليونانية طلبا رسميا إلى دول منطقة الأورو وصندوق النقد الدولي لتفعيـــل خطة إنقـــــاذ مالي تتضمن الحصول على قروض من دول الاتحاد الأوروبي وصندوق النقـــــد بقيمة 45 مليار أورو تحتاجها الحكومة اليونانية للنفقات المالية خلال السنة الجارية إضافة إلى حاجة اليونان لتسديد 16 مليار أورو لسندات يحل أجل سدادها مع نهايـــة شهر ماي 2010 لم تعد قادرة على تمويلها بسبب ارتفــــــاع معدلات الفائدة إلى 8.3% .

وبعد مفاوضات ماراطونية وشاقـــة تم التوقيع على اتفاقية الإنقاذ الأولى في 8 ماي 2010  بين حكومـــة السيد بابان دريو ولجنـــة ثلاثيـــة تضم كلا من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي و صندوق النقد الدولي أطلق عليها اسم الترويكا  تتضمن جملة من الأهداف التي يجب تحقيقها ضمن فترة زمنية معينة  وتمتلك بموجبها هذه الأخيرة حق الفيتـــو على أي قرار حكومي يوناني لا يتفق مع سياستها وخصوصاً في المجال الاقتصادي.

وتتضمن الخطــة تقديم قروض قيمتها 110 مليار أورو تغطي ثلاث سنوات تمتــد من شهر ماي 2010 إلى شهر جـوان 2013 (80 مليـــــار أورو مقدمة من دول الاتحــــاد الأوروبــــي و30 مليار أورو من صندوق النقد الدولي) . وتبلغ نسبـــة الفائدة على هذه القروض نحو 5.2% وفتـــــرة ســـــداد لمـدة 3 سنوات.  وقد تم تخفيض نسبة الفائدة في قمة بروكسل لقادة الاتحاد الأوروبي في مارس 2011 بنحو 1% لتصبح 4.2% والتمديـد في فترة الســــداد لتبلـــغ 7 سنوات.

وبحسب هذه الخطة يتعيـــن على اليونان:

  • خفض العجز في ميزانيتها إلى 8.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2010 و7.6 في المائة في عام 2011 و6.5 في عام 2012.
  • رفع سعر الفائدة.
  • تخفيض الرواتب وجرايات التقاعــــد.
  • فرض المزيد من الضرائب لزيادة إيرادات الدولة.

بعد سنـــة من تطبيق الاتفــــــاق لم تنجح سياسة الترويكا في تحقيــق الأهداف المنشـــودة بل عكس ذلك زاد الوضع تأزما حيث تم إغلاق عــدد كبير من المنشئات التجارية وارتفعت البطالــة بنسبة 3.8 % وازدادت نسبــة التضخم المالي لتصل إلى 5.5 %. كما لم تصل إيرادات الدولة إلى المستوى المنتظر وتوقف العجز عند 10.5% من إجمالي الناتج المحلى بدلاً من المخطط له وهو 9.4% وتراكمت الديون لتصل إلى 329 مليار أورو بعدما كانت 298 مليار سنــــة 2009.

خطـــة الإنقاذ الثانية (فيفري2012)

الإخفـــاق في تحقيــق النتائج المرجوة من خطـة الإنقاذ الأولى دفع بالجانبين إلى التعجيل بالتوقيع على خطـــة إنقاذ ثانيـــة في 21 جويليـــة 2011 تضمنت جملة إجراءات خصص لها مبلغ 130 مليار أورو تســـــدد تدريجيا إلى غاية 2014.

وتهدف خطة الإنقاذ هذه إلى إعادة هيكلـــــة ديون اليونان التي تناهز 350 مليار أورو وتقليص نسبـتها مقارنـة بالناتج المحلي الإجمالي من 160% إلى 120.5% في 2020، وهي النسبة الأقصى للدين التي يمكن أن تتحملها البلاد على المدى البعيد.

مقابل الحصول على هذه القروض اشترطت الترويكـا على اليونان اتخاذ سلسلـــة من الإجراءات التقشفيـــة من أجل كبح جماح العجز في الميزانيـة يذكر منها :

  • تسريح عدد كبير من موظفي القطاع العام (أكثر من 100 ألف)
  • خفض المرتبات وجرايات التقاعــد.
  • رفع سن التقاعـــــد.
  • وضع التزامات جديدة في سوق العمل وخصخصة مؤسسات الدولةبما فيها المطارات الإقليمية والمرافئ البحرية.
  • رفع ضريبـة الدخـل والضريبـــة على السلع.
  • تقليص مكافآت العمل الإضافي وبدلات السفر.
  • رفع الضرائب على القيمة المضافة وعلى السيارات المستوردة وعلى المحروقات.
  • زيادة الضرائب العامة والضريبة المضافة على السلع الأساسية وكثير من السلع الاستهلاكية مما سيتسبب في ارتفاع جميع الأسعار.
  • تحسين أداء الجهاز الضريبي.
  • خفض الإنفاق العسكري.

وقد انعكست هذه السياسة التقشفية بشكل قاسي ومؤلم على عموم الشعب اليوناني وخاصة من الطبقة المتوسطة فانخفض الوضع المعيشي ووصلت نسبة البطالة في عام 2011 إلى 16.6%. أدت إلى اندلاع احتجاجات ومظاهرات في معظم أرجاء البلاد.

وازداد الأمر سوء خلال سنة 2013 حيث ارتفعت نسبـة البطالـة إلى 27%، وأضرب العاملون في جميع الهيئات الحكومية والخاصة ضد سياسة التقشف التي يُطالِب الاتحاد الأوروبي اليونان بتطبيقها كشرط لتقديم حزمة أخرى من المساعدات المالية ولم تعد الحكومـة اليونانيـة قادرة على الوفاء بديونها أوحتى توفير أسباب المعيشة للفرد اليوناني على أرضه.

وقد كادت هذه الحكومـة بقيـــــــادة الوزيـــــر الأول السيد أنطونيس سامـــــاراس، رئيس الحــــــــزب اليمينــــي ” الديمقراطيـة الجديـدة ” أن تسقط في مناسبـة أولى بسبب قرارها  غلـــق الإذاعــــــــة والتلفـــــزة الوطنيـة وتسريح أكثر من 2500 إطار وفني وعامل دفعــة واحــدة مما تسبب في خلق أزمـة سياسـة هددت بشكل جاد مستقبل الوزير الأول وذلك بعد أن قرر أحد الأحزاب المكونـة للائتلاف الحكومي الثلاثي ( ترويكا يونانيـة ) وهو حزب “اليسار الديمقراطي” الانسحاب من الائتلاف احتجاجا على هذا القــــرار مما اضطر الوزير الأول إلى تشكيــــــل حكومـة جديـدة في 12 جـوان 2013 تضم وزراء من الحزبين الآخرين المكونين للائتلاف و هما ” الديمقراطيـة الجديـدة ” وحزب ” الباسوك” الاشتراكي.

ولئن استطاع الوزير الأول بهذا التحوير تفادي سيناريو الاستقالة  وإجراء انتخابات برلمانيـة سابقـة لأوانها لم تكن نتائجها مضمونة ، إلا أن مهمـة الحكومـة الجديـدة لم تكن هي الأخرى سهلـــــة حيث لم تستطع فرض أو تمرير كل قراراتها داخل البرلمان نظرا لكونها لا تملك سوى أغلبيـــــة برلمانيـة بسيطــــة  (153 مقعـد من جملـة 300 مقعـد) وظلت تعاني من سندان الترويكا ( المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي ) من جهـة ومطرقـة الاحتجاجات الشعبيـة وانتقــادات المعارضـة بزعامـة ائتلاف اليســـار الراديكالي ” سيريزا ” من جهـة أخرى.

خمس سنوات عجاف قضتها اليونان تحت إدارة لجنة الترويكا ظل التوقيت اليوناني خلالهـا معدلا على وقع سياسـة الشـد والجذب تحت شعار ” الدعم المالي مقابل المزيـد من الإصلاحات الهيكليـــــة والإجراءات التقشفيــــة ” وهي معادلـة أصبحت بمرور الوقت واستمرار الأزمـة ، مكلفــــة سياسيا واجتماعيا مما استوجب من القيادة اليونانيـة بذل مساعي مضنيـــة طيلــة هذه السنوات لإقناع الدائنين وخاصـة ألمانيا بأن أي إصلاحات هيكليـة وقرارات تقشفيـة جديـدة قد تؤدي إلى انفجار شعبي وانهيار للاقتصاد الوطني .

إلا أن الأزمـة الاقتصادية الخانقـة ظلت ترمي بظلالهـا على الأوضاع السائـدة بالبلاد ولم تفلح المجهودات المضنيـة التي قامت بها الحكومـة اليونانيـة للخروج من عنق زجاجـة هذه الأزمـة في إقناع الشعب اليوناني بصواب خياراتها أو على الأقل التخفيف من حجم التحركات الشعبيـة والإضرابات وتليين مواقف المعارضـة خاصـة وأن الإجراءات التقشفية زادت في تعميــق الأزمــة وأثقلت كاهل المواطن اليوناني وذلك من خلال:

  • ارتفاع كبير في مستوى الفقـــــر ونسبـة البطالـــة (1.5 مليون عاطل عن العمل).
  • تقهقرالقدرة الشرائيـــة للمواطنين.
  • تخفيض الرواتب وجرايات التقاعـد (40 % في بعض الحالات).
  • تسريح عدد كبير من الموظفين والعملــــة.
  • هبوط الناتج القومي من 240 إلى 190 مليار يورو.
  • ارتفاع إجمالي الدين العام من 126% للناتج القومي اليوناني إلى 176%.
  • هجرة حوالي 300 ألف من الشباب اليوناني إلى الخارج.

هذا الإخفاق الذريـــع في إجراء إصلاحات جذريـــة ناجعـة وتحقيـــق الانتعاشة المرجـوة من خلال سياسـة التقشف المفروضـة، أدى إلى انســـداد الأمل وانعدام ثقــة المواطن في قدرة الحكومــة (ائتلاف ثنائـــي بين حزب يمينـــــــي ” الديمقراطيـة الجديــدة ” وحــــزب «الباسوك” الاشتراكي) على إيجـــــاد الحلول الملائمـة لهذه الأزمـة ودفع بالشعب اليونانــــــي مدعـوما بالمعارضـــة إلى الدعــوة إلى تغييــــرها.

وكانت الفرصـة مواتيـــة خلال عمليـــة ترشيح رئيس جمهوريـة جديـــد بعد أن انتهت مدة الرئيس المباشر حيث فشل الوزير الأول اليميني أنطونيس ساماراس طيلـــة ثلاث دورات في انتخاب مرشحــه مما اضطره كما يقتضيـه القانون حل البرلمان في شهر ديسمبر 2014 والدعـوة لإجراء انتخابات برلمانيـــة سابقــــة لأوانهـــا تم تنظيمهـــا خلال شهر جانفي 2015 وأسفرت عن فوز حزب الائتلاف الراديكالي اليساري (سيريزا) بقيادة السيد ألكسيس تسيبراس لأول مرة منذ سنـــة 1974.

مباشرة بعـد تولي اليسار الراديكالي السلطـــة انطلقت المفاوضات بين الحكومة اليونانية الجديدة والترويكـــا من أجل إيجاد حل جذري للأزمة الاقتصادية اليونانية وكان المطلب الأساسي اليوناني هو إعادة جدولة الديون المتضخمة نتيجة الفوائد المرتفعة وشطب جزء منها لتصبح قابله للســــداد. في المقابل وافق الجانب الأوروبي على تمديد اتفاقيـــة الدين لأربعة أشهر حتى يوم 30 جوان 2015 لتأمين السيولة النقديـة لليونان وفي انتظار ما ستؤول إليـه المفاوضات النهائية. بعد مرور خمسة أشهر فشلت المفاوضات ولم تفلح محاولات التقريب بين الجانبين حيث لم يقع التطرق إلى موضوع جدولة الديون كما كانت تأمل اليونان وظلت هناك نقاط خلاف أساسيـــة بينهما حول شروط الطرف الدائن لخفض الجرايات والرواتب ورفع سن التقاعد وخفض النفقات الدفاعية وإلغاء الاتفاقات الجماعية بين أرباب العمل ورفع ضريبة الاستهلاك في الجزر اليونانية المقابلة للشواطئ التركية من 13% إلى 23%.

في خضم هذه المفاوضات وفي وقت لم تنتهي فيـه بعـد آجال اتفاقية الدين التى تم تمديد آجالها لمدة أربعة أشهر لصالح اليونان، فاجأ رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس الجميع بدعـوة الشعب اليوناني لإجراء استفتاء حول قبول أو رفض خطـة الإنقاذ وعرض هذا الاقتراح على البرلمان الذي صوت لصالح إجراء الاستفتاء بـنتيجـة 178 صوتا من أصل 300.

كانت الإجابة الأوروبية على الموقف اليوناني مباشرة وقاسية حيث اعتبر رئيس منطقة الأورو أن المحادثات بشأن حزمة الإنقاذ كانت مستمرة حتى يوم الجمعة 26 جوان 2015 حين أعلنت اليونان الاستفتاء على تلك الخطـــة وهـو ما يُعد خرقاً للمفاوضات والشروط بين اليونان ودول الاتحاد. وعلى هذا الأساس أصدر البنك المركزي الأوروبي قرارا يقضي بقطع السيولة المالية على اليونان أربعـــة أيام قبل انتهاء صلاحية برنامج الدعم في 30/6/2015. وكان الهدف من هذا القرار ممارسة ضغط على الحكومة اليونانية بهدف إلغاء الاستفتاء والتصويت بـنعم في أحسن الأحوال والقبول باقتراح السيد جان كلود يونكر، رئيس المفوضيــة الأوروبية المقدم في اللحظة الأخيرة قبل انقضاء مدة ســــداد القرض المستحق من طرف صندوق النقد الدولي بمبلغ 1.5 مليار أورو.

وقد أدى قرار قطع السيولة إلى إجبار الحكومة اليونانية على إغلاق البنوك لمدة أسبوع كامل وفرض رقابة على حركة رؤوس الأموال والعمليات البنكيـــة حيث لم يعد بإمكان المواطن اليوناني وباقي المقيمين الأجانب سحب سوى 60 أورو يوميا من حساباتهم البنكيـة وإخضاع عمليات التحويل إلى الخارج لموافقـة مسبقــــة من قبل لجنـة أحدثت للغرض من قبل وزارة الماليــــة مما أدى إلى شلل جزئي في قطاعات النقـــــد والتجارة والصناعة والسياحة التي تشكل العمود الفقـــري للاقتصاد اليوناني.

في المقابل عرضت الحكومة اليونانيـة اقتراحا مضادا يقضي بتمديـد الاتفاق لمـدة سنتين دون تقديم أي وعود حول إلغاء الاستفتاء أو التأثير على نتيجتــه إلا أن هذا الاقتراح جوبه برفض قاطع من الدائنين مما دفع بالسيد تسيبراس إلى المضي قدما في قراره وتنظيم الاستفتاء في يوم 5 جويليـــة 2015.

كان السؤال المطروح على الناخبين هو التصويت بـنعم أو لا على خطـة التقشف الأوروبيـــة ولكن سرعان ما انقلب الأمر إلى تصويت لصالح أو ضد البقاء صلب الإتحاد الأوروبي أوروبا وانطلقت على هذا الأساس حملـة كبيرة وشرسـة بين المعارضـــة مسنودة بوسائل الإعلام الدعمة لها وبالضغوطات الأوروبيـة من جهـة وبين السلطـة والأطراف المساندة لها من جهـــة أخرى .

وقد كانت المعارضـة والإتحاد الأوروبي يأملان في إسقاط حكومـة تسيبراس اليسارية من خلال التأثير على نتيجـة الاستفتـــاء وترشيح كفـة المناصرين للبقاء. فيما كان الوزير الأول تسيبراس يطمح في كسب رهان الاستفتاء لاستعماله كورقـة ضغط في مفاوضاتـــه مع لجنـــة الترويكـــا.

وعلى الرغم من حــــدة الحملـــة التي شنتها المعارضـــة قبل عمليــــــة التصويت خاصة من طرف الحـــــزب اليمينــــي ” الديمقراطيـة الجديــدة ” والإعلام الموالي لـه ودعم أوروبي معلن وغيـــر متستر، فقد جاءت نتيجـــة الاستفتاء لصالح الوزير الأول ألكسيس تسيبراس حيث صوت اليونانيون بنسبـة 61.24 % ضد خطة التقشف.

بعـد إعلان نتيجـــة الاستفتاء تسارعت التطورات السياسية بشكل عزز من موقف وشرعيــــة الوزير الأول اليوناني ألكسيس تسيبراس ليس فقط داخل اليونان وحزبــــه وإنما أيضا على الصعيد الأوروبي حيث سجل ما يلي:

  • تغيير في موقف الإتحاد الأوروبي من خلال عدد من الرسائل والتصريحات الإيجابيـة تضمنت بعض الثناء على الوزير الأول اليوناني والتأكيد على استمرار ثقتهم فيـه كمفاوض جــدي.
  • استقالة وزير الماليــــة اليوناني يانيس فاروفاكيس الذي كان يترأس فريق المفاوضين اليونانيين ومن أبرز الملوحين بفرضيـة الخروج من منطقة الأورو والعودة إلى استعمال العملـة الوطنيـة الدراخما وتعويضـــه بقيــــــادي آخر من الحزب معروف بتوازنــــه ونزعتـــه التوافقيـــة وهو السيد أوكليدس تصاكالوطوس. وشكل هـذا التغيير في حد ذاتـــه رسـالـــة إيجابيـة من قبل اليونان نظـــرا لأن الطرف الأوروبي لم تكن لديـه هو الآخر رغبـــة في مواصلــة الوزير المستقيل ترأس فريق المفاوضين اليونانيين والمشاركـة في جلسات التفاوض المرتقبـــــة بسبب مواقفــه الحادة والمتشددة.
  • تقليص نفوذ عدد من الشخصيات الفاعلـــة داخل حزب سيريزا من بينها رئيسة البرلمان اليوناني السيدة” Zoé Konstantopoúlou ” المعروفة بمواقفها المناهضـة لخطـة الإنقاذ ودعوتها للتوقف عن دفع الديون اليونانيـــة باعتبار أنها ديونا غير شرعيـة لم تكن في صالح الشعب. علما بأن رئيسة البرلمان أحدثت لجنـة تدقيــق حول ديـــون اليونان وأصدرت في أعقاب أشغالها في شهر جوان 2015 تقريرا أكدت فيـه أن اليونان غير قادر وغير ملزم بتسديـــد ديونـــه المتراكمـــة منذ سنة 2010 وأن الجزء الأكبر من الديون المستحقــة للترويكا (85 %) هي ديـون كريهـــة وغير شرعيـــة وغير قانونيــــة.
  • استقالة رئيس حزب ” الديمقراطية الجديدة ” أنطونيس ساماراس لمساهمته في تعميق الانقسام داخل حزبه على خلفية تزعمـه حملــــة لتشجيع اليونانيين ودفعهم للتصويت لصالح خطـة التقشف والإنقاذ وإخفاقــه المدوي في تحقيـــــق ذلك.
  • حصول الوزير الأول ألكسيس تسيبراس على مباركة أحزاب المعارضة بعد اجتماع رؤساء الأحزاب السياسية اليونانية للمرة الأولى منذ العام 2012 وذلك لإبرام اتفاقية مقبولة شعبيا مع الدائنين.

بعد ذلك توجـه السيد تسيبراس إلى العاصمة البلجيكية يوم الثلاثاء 7 جويليـــة 2015 حاملاً معــه بعض المُقترحات والمطالب لوزراء المالية في منطقة الأورو لحل تلك الأزمة ومنها بالخصوص:

  • اقتراح إلغاء نحو 30% من ديون اليونان البالغة 323 مليار أورو.
  • منح اليونـــــــان إعفاءً ســــداد الديون لمدة 20 سنــة.
  • ضمان سيولة نقديــــة للنظام المالي اليوناني.
  • مقابل القيام بإصلاحات ذات مصداقية تـــؤدي إلى أقل نسبة ركـود وتحقيــــق برنامج نمو اقتصادي وعدالـــة اجتماعية.

وحسب الخبراء فإن هناك أمرين لم يتوقعهما الوزير الأول اليوناني ألكسيس تسيبراس عنـــد قراره الدعـــوة لإجراء استفتاء:

*الأول أن البنوك أصبحت بعد خمس سنوات محصنة من عواقب الأزمة اليونانية بدليل أن الأسواق العالمية والبورصات لم تتأثر جديا كما كان هو نفسه يتنبأ بذلك خصوصا بعد أن أعلنت اليونان عدم قدرتها على سداد القرض المطلوب للدائنين. ويعــــود سبب استقرار الأسواق إلى أن الأوروبيين استطاعوا نقل الديون من كاهل البنوك الخاصة إلى كاهل دافعي الضرائب اليونانيين والأوروبيين.

* الثاني هو عدم تردد البنك المركزي الأوروبي في اتخاذ قرار بقطع السيولـــــة النقدية على اليونان قبل انقضاء صلاحية برنامج الدعم الأوروبي مما وضع اليونان أمام مأزق فقدان السيولـة خاصـة وأنه ليس لديهــا الحق بطباعة عملة الأورو.

ورغم أن الطرف الأوروبي كان على وعي تام بأن هذه المفاوضات قد تشكل الفرصة الأخيرة لتجنيب اليونان خطر الإفلاس التام وأن تبعــد عن الإتحاد الأوروبي شبح الانفلات، فإنه رفض مسألـة شطب جزء من الديون وأصر على أن أي اقتــــراح للحكومة اليونانيـــة يجب أن يعتمد على البرنامج المقــــدم من قبل رئيس المفوضية الأوروبية قبل الاستفتاء اليوناني مع بعض التعديلات الطفيفة.

خطـــة الانقاذ الثالثة (أوت 2015)

بعد مفاوضات مضنيـة أدرك خلالها الطرفان انه ليس أمامهما سوى التوصل إلى حل يحافظ على وحدة الإتحاد الأوروبي ويساهم في حل الأزمـة اليونانيـة ولو بعـد حين ، توصلت الحكومة اليونانية في 14 أوت 2015 الي اتفاق مع مجموعة الدائنين يقضي بحصول اليونان علي حزمة جديدة من المساعدات مقابل موافقة البرلمان اليوناني علي شروط تقشفيــــة قاسية كان حزب سيريزا ( اليسار الراديكالي ) الفائز في انتخابات جانفي 2015 يرفضها بشـدة وبنى برنامجـه الانتخابي على أساسها وحاول الوزير الأول اليوناني تجنب إقرارها منـــذ توليــــه السلطـة في  جانفي 2015 .

وعلى هذا الأساس أصدر وزراء خارجية دول منطقة الأورو بيانا أكدوا فيـــه على أن العناصر الضرورية باتت متوفرة لبدء الإجراءات ذات الصلة على المستويات الوطنية لإقرار خطـة إنقاذ ثالثـــة تتضمن قرضا جديــدا تكفلت بتقديمــــه ” آلية الاستقرار الأوروبيـــة ” دون مشاركـــة صندوق النقد الدولي الذي لم يكن مقتنعا بنجاعـة منح قروض جديـدة لحل الأزمـة بل كان من المساندين  لفكرة شطب جزء من ديون اليونان .

وقد بلغ القرض الجديـد 86 مليار أورو سيتم صرف الجزء الأول منها وقيمته 26 مليار أورو بشكل فوري موزعـة كالتالي:

  • 13 مليار أورو لتسديــد الديون العاجلـــة المستحقـة من قبل الإتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.
  • 10 مليار أورو لإعادة رسملة البنوك التي تضررت بشدة نتيجة لتقلبات الأسواق والضغوط المالية الناتجة عن تخلف اليونان عن سداد دفعة من ديونها في نهاية جوان 2015.
  • 3 مليار أورو لخزينـة الدولة اليونانيـة لتمويل الميزانيـة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2015.

في المقابل تعهدت حكومـة الوزير الأول اليوناني بالمصادقـة على الإجراءات التقشفيـة الإضافيـةالتاليـــــة:

  • الترفيع في الأداء على القيمـة المضافـة.
  • إصلاح المنظومة الجبائيــــة.
  • إصلاح منظومـة التقاعــــد.
  • ضمان استقلالية الجهاز المكلف بالإحصائيات.
  • احترام أحكام كافة المعاهدات الأوروبيـة.
  • سن مجلــــة الإجراءات المدنيـــــة.
  • تطبيق التوجيـــه الأوروبي الخاص بتعبئـة وإنقاذ البنوك.

ورغم عدم اقتناعه بهذه الإجراءات التقشفيـة التي تتناقض مع ما كان ينــــادي به في السابق، فقد وافق الوزير الأول اليوناني عليها عن مضض لتجنيب بلاده ” كارثـة ” كما صرح بذلك و قام بعرضها على البرلمان اليوناني الذي صادق عليها يوم 16 جويليـــة 2015 مما أدى إلى انشقاق داخل حزبـــه قادته بعض الشخصيات المناهضـة لهذا الاتفـــــاق وصوتت ضـده خلال الجلسـة البرلمانيـــة.

وعلى إثر هذا الانشقاق قرر الوزير الأول اليوناني الدعـوة لانتخابات تشريعيـة جديدة سابقـة لأوانها تم بالفعل تنظيمها يوم 20 سبتمبر 2015 وفـــاز فيها بأغلبيــــة الأصوات مما زاد في تعزيـــــز موقعـــة وشرعيتـــه وقام بتشكيل حكومـة جديـدة ضمن ائتلاف ثنائـــــي مع حزب ” الديمقراطيون المستقـــــــلون ” ذو التوجـه اليميني وذلك حتى يضمن أغلبيـــة في البرلمان ويستطيع مواصلـــة تنفيـــذ ما تعهـــد بـه. وتم على هذا الأساس:

  • المصادقة خلال شهر أكتوبر 2015 على برنامج تقشف أول يقضي بالترفيع في سن التقاعد إلى 67 سنة والاقتطاع من جرايات التقاعد الخاصة بالموظفين بنسبة 10 %.
  • المصادقة خلال شهر ماي 2016 على برنامج تقشف ثاني يقضي بإجراء تخفيضات إضافية في جرايات التقاعــد والترفيع في نسبــة الأداء على القيمـة المضافـــة من 23 إلى 24 %.

نهايـــــة الأزمــــــة: بين الترحيب و التشكيك 

بعد ثمانيـة أعوام من معاناة غير مسبوقـة كادت أن تعصف باليونان وعرضت منطقـــة الأورو إلى أعمـــق أزمــــة في تاريخها واضطرتها لضخ ما يقارب 300 مليار أورو لفائدة اليونان ضمن  ثلاث خطط إنقاذ ( 2010-2012-2015 ) ، أعلن وزراء ماليـة دول منطقـة الأورو في اختتام اجتماعهم بلوكسمبورغ في 22 جوان 2018 أنهم توصلوا إلى اتفـــــاق وصف بالتاريخي يقضي بتمديــد آجال تسديــــد الديـــــون اليونانيـة المستحقـــة إلى 10 سنوات إضافيـــة أي من 2022 إلى 2032 ووضع حــــد لأزمـة الديـــــون اليونانيـــة وضمان خروج اليونـــــــان من مرحلــة الإنقــاذ والوصايــــة وعودتها التدريجيـــة إلى الأســـواق العالميـــة بدايـة من يوم 20 أوت 2018 .كما يقضى الاتفاق بتقديم آخر دفعـــة من القروض المبرمجـة في خطة الإنقاذ الثالثـــة بقيمـة 15 مليار أورو لتسهيــــل عمليـــة خروج اليونان من الأزمـــة والعودة إلى الأسواق الماليـة العالميـــة ( 5.5 مليار مخصصة لخدمة الدَّين و9.5 مليار لـشبكـــــة أمان ماليـــــة )  وأكثر من 24 مليار أورو للأشهـــــر 22 التي ستلي خروج اليونان من البرنامج وذلك مقابل استكمال خطة  التقشف على شكل مزيد من الضرائب والتخفيضات في جرايات التقاعـد خلال سنــة  2019 وتوسيع قاعـدة الضرائب خلال سنة 2020 .

أول المرحبين بهذا الاتفاق كان بطبيعــة الحال الوزير الأول اليوناني ألكسيس تسيبراس، الذي ألقى خطابا مساء نفس اليوم في ساحـة البرلمـــــان وسط العاصمـة أثينا أشــــاد فيـه بهذا الحدث التاريخي وأكد على الاستمرار في النهج الجدي قائلا ” يجب ألا نعود إلى يونان الأمس حيث كان الفساد معمَّماً والنفقات بلا حدود ” واعدا المواطنين بأن نهج التقشف سيُعوَّض شيئاً فشيئاً بالعدالة الاجتماعية وسيتم خفض الضرائب في 2019 وعودة تدريجية للدولة ألاجتماعية والاتفاقيات المشتركة ورفع الحد الأدنى للأجور.

ومن اللافت أن الوزير الأول اليوناني كان يرتدي ربطة عنــق للمرة الأولى بعد أن كان يرفض وضعها كما يقول طالما أن بلاده لاتزال تحت رحمة الدائنين إلا أنه سرعان ما عاد ونزعها بعد نهاية الخطاب معلنا بأن بلاده انتصرت في معركـة ولم تكسب الحرب وأنه لن يرتدي رابطة عنق إلا عند إحراز نصر جديــــــد.

كما ألقى الوزير الأول اليوناني خطابا يوم 20 أوت 2018 أكد فيــه أن اليونان استعادت حق تقرير مصير ثروتها ومستقبلها بنفسها بعد تضحيــــــات مؤلمة وحالـة طوارئ مستمرة دامت 8 سنوات تجاوزت خلالها ملحمة “الأوديسة في العصر الحديث”. وقد تم بث الخطاب بشكل مباشر على القنوات التلفزيونيـة من جزيرة إنطاكي اليونانية في دلالة رمزية مرتبطة بالمحــــن التي واجهها الإغريق خلال رحلة إيليس بطل ملحمة هوميروس للعودة إلى هذه الجزيـرة.

من جانبـه أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بـهذا الاتفاق الذي أعتبره يشكل انطلاقة جديدة لهذا ” البلد الصديق الذي تدعمه فرنسا كثيراً ورأى فيـــه دليلاً على أنه ” رغم الصعوبات فإن أوروبا تتقدم “.

بدوره رحب المفوض الأوروبي للاقتصاد والمالية السيد بيير موسكو فيسي، بهذا الاتفـــــاق وأكد أن أزمة اليونان تنتهــــي هذه الليلة واصفا ذلك باليوم العظيم والتاريخي لليونان. كما أكـــد أنه رغم خروج اليونان من برنامج المساعدات المالية بأعلــى مستوى من الديون الحكومية بين دول الاتحاد الأوروبي (180 %من الناتج المحلي الإجمالي) فإنـه على ثقـــة في أن القرارات التي اتخذتها المجموعة الأوروبية بشأن تنفيذ سلسلة من التدابير ستخفف إلى حد كبير من عبء الديون على اليونان وتضمن استقراره.

أما رئيس مجلس حكام الآليــة الأوروبية للاستقرار التي رعت برنامج الإنقاذ الأخير، فقد صرح في بيان لــه أنها للمرة الأولى منذ مطلع 2010 تقف اليونان على قدميها وأن ذلك يأتي نتيجة لجهد استثنائي بذله الشعب اليوناني والتعاون الجيد من قبل الحكومة اليونانيــــة الحالية وجهود الشركاء الأوروبيين الذين وافقوا على منح قروض وإعادة هيكلــــة الديون.

كما رحبت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لا غارد بهذا الاتفــاق وأشارت إلى أن الصندوق الذي ساهم مالياً في خطتي الإنقاذ الأولى والثانيـــة لن يشارك في الخطـة الثالثة لكنه سيبقى ضالعاً في مراقبة ما بعد برنامج الخروج.

في المقابل لم يخلو هذا الاتفاق من تشكيك حيث حذر البعض من الإفراط في التفاؤل قائلين إن احترام التزامات الموازنة الواردة في الاتفاق سيتطلب تطبيق قواعد صارمة جـــــداً يصعب تحقيقهـــا وتزيـد في معاناة الشعب اليوناني إضافـة لذلك ستبقى اليونان خاضعة لمراقبة مشددة من الجهات الدائنة حتى 2022.

من أبرز المنتقدين كان السيد يانيس فاروفاكيس وزير المالية السابق في الحكومـة الأولى للسيد ألكسيس تسيبراس حيث صرح بأنه لم يتم إنقاذ اليونان أبـــــدا مثل ما هو الشأن بالنسبـة للبرتغال وايرلندا وإيطاليا وإسبانيا وأن العمليـة كانت عبارة على خطط لإنقاذ بنوك فرنسية وألمانية في المقام الأول.

علما بأن السيد فاروقاكن يعـد من أشد المعارضين لسياسات التقشف ودعا إلى مغادرة منطقـــة الأورو والعودة إلى العملـة الوطنيـــة الدراخما كحل بديل للخروج من الأزمـة اليونانيـــة في صورة عدم موافقـة الترويكا على المقترحات اليونانيـة ولم يتردد في تقديم استقالته من منصبـــه في شهــــر جويليــة 2015 احتجاجا على مصادقـة البرلمان اليوناني على خطـة الإنقاذ الثالثـــة التى كان يعتبرها شكلا من أشكال الوصايـة على اليونان. وقد نشر خلال سنة 2017 كتابا تحت عنوان” Conversations entre adultes”  ضمن قراءة نقديـة للأزمـة اليونانيـة والحلول التي فرضتها الترويكا على اليونان حيث أشار إلى أهم المعطيات التاليـة :

  • أن اليونان كان في حالة إفلاس منذ سنة 2009 وهو ما تم تأكيده من قبل صندوق النقد الدولي في أكثر من مناسبة وفي منشور داخلي تم تسريبـه إلى الصحافة عام 2017.
  • الهدف الحقيقـــــي من برامج الإنقــــــاذ الثلاثة التى فرضت على اليونان هـو إنقاذ البنوك الفرنسية والألمانيـة وتحميل عمليـــــة تسديدهـــا على كاهــل المواطن اليوناني والأوروبي. علما بأن هذا الاتهام سبـــــق وأن أطلقه السيد إريك توسان ، عضو لجنة تقصي الحقيقة حول الديون العموميـة اليونانيـة منذ أفريل 2010 وعضو المجلس الدولي للمنتدى الاجتماعي العالمي ورئيس فرع لجنة إلغاء الديون على بلدان العالم الثالث في بلجيكا، حيث أعلن أن قرار صندوق النقد الدولي في 9 أيار 2010 القاضي بتقديم قرض بقيمــــة 30 مليار يورو لليونان كان يهدف في المقام الأول إلى إخراج البنوك الفرنسية والألمانية من المشاكل.
  • لم يكن هناك قناعـــة لدى الجميع بما في ذلك المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي وألمانيا وفرنسا، بأن التقشف يشكل سياسة ناجعــــــة لتقليص الديــــون وإنعاش الاقتصاد.
  • ليس هناك ديمقراطية حقيقيـــة داخل الإتحاد الأوروبي نظرا لأن ألمانيا هي من تتحكم في أي قرار صادر عن الاتحاد.

ويمكن تلخيص جملـــة الانتقادات التى وجهها المشككون في نجاعــة خطط الإنقاذ الثلاثـة (2010 – 2012 – 2015) والاتفاق الأخير ليوم 22 جوان 2018 في أهم العناصر التاليـة:

  • على الرغم من حصول اليونان على حوالي 300 مليار يورو من المساعــدات خلال برامج الإنقاذ الثلاثــــة، فقد ارتفعت نسبـة الدين العام إلى 180% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك أكثر مما كانت عليـــه في بدايـــة الأزمــــة.
  • ستظل اليونان تحت المراقبـــة إلى سنة 2032 حيث أعلن الأوروبيون أنهم سيستعرضون وضع الديون اليونانية عام 2032 ويتفقون إذا لزم الأمر على إجراءات تخفيف جديدة.
  • تقلص الاقتصاد اليوناني منذ سنة 2010 بنسبة 25%.
  • ارتفاع نسبة البطالـــة إلى أكثر من 20% وبين الشباب فوق 40 %.
  • تخفيض المرتبات وجرايات التقاعد وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية.
  • الترفيع في الضرائب ونسبة الأداء على القيمـة المضافـــة.
  • إقرار اقتطاعات جديدة في جرايات المتقاعدين خلال سنة 2019 وتوسيع قاعدة الضرائب في عام 2020.
  • هجرة مئات الآلاف من الكفاءات والأيدي العاملة إلى الخارج.
  • تنفيذ برنامج خصخصة واسع النطاق من إمدادات الكهرباء إلى البنية التحتية والمطارات والمرافئ والخدمات العامة مثل المستشفيات والمدارس والنقل العام.
  • عدم توظيف المساعدات والقروض لتمويل مشاريع استثمارية وبنية تحتيــــة بل استعملت بالخصوص لتسديد القروض السابقة وإنقـــاذ القطاع المالي الأوروبي بشكل مباشر أوغير مباشر. ووفقا لإحصاءات تحالف مؤسسات جوبيلــــى الهادف لرفع الوعي بتأثيرات الديون السلبية على الاقتصاد فإن نسبة 92 % من هذه الأموال ذهبت لمؤسسات التمويل الدولية والبنوك و8% فقط استفادت منها الحكومة اليونانية.
  • تخصيص حوالي 47 مليار أورو من هذه الأموال لإعادة رسملة أكبر أربعة بنوك يونانية على أساس الحجة القائلة بأن إنقاذ البنوك الخاصة بدلا من تأميمها وتنظيفها كان ضروريا للاقتصاد في حين أن مجموعة من صناديق الوقاية الدولية مثل بولسون والمستثمرين الأجانب الآخرين تمكنوا من شراء 74% من ملكية الأسهم لتلك البنوك التي تم إعادة تمويلها مقابل 5.1 مليار أورو فقط وتم منع المستثمرين اليونانيين من الاستثمار فيها.
  • مطالبـــة الحكومة اليونانية بتحقيق دخل أعلــــــى بشكل دائم من النفقات وبالتالي تحقيــــق فائض في الميزانيـــــة الأساسية باستثناء نفقات خدمة الديون بنسبـة 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2022 وبنسبة 2% حتى عام 2060 وهـو أمـــــر صعب المنال بالنسبــة لدولـة كاليونان قضت 8 سنوات في أزمـــة حادة. وحسب صندوق النقد الدولى فإن اليونان مطالبـــة بتحقيــق فائض أولى بنحو 7.2% لمدة عقـــــد من الزمن حتى يتسنى لها الوفاء بالتزاماتها وهو الأمر الذي يستحيل تحقيقه في ظل العجز في ميــــزان الدفوعات وارتفاع أسعار الفائدة والانكماش الاقتصادي.

في المقابل ورغم وجاهـــة وجدية العناصر التي اعتمدها فريــــق المنتقديـــــن لاتفاق 22 جوان 2018 والمعارضون من الناحيـة المبدئية لسياسيـــة التقشف وخطط الإنقاذ الثلاثـــة، فإنـــه لا يمكــن لأحـــد أن ينكــــر النجاح النسبـــــي الذي حققــــه الوزير الأول اليونانــــي السيد ألكسيس تسيبراس، رئيس الحزب اليساري الراديكالي (سيريزا) منذ توليـــه السلطـــة في شهر جانفي 2015.

  • أول نجاحاتـــه أنه استطاع أن يوظف شعارات حزبـــه المناهضة للتقشف لوصـول حزب يساري راديكالي إلى السلطـــة لأول مرة منذ سنة 1974 رغم أن استطلاعـــات الرأي حول نوايا التصويت لم تكن تعطيــه سوى نسبـــــــة 4 بالمائة.
  • النجاح أيضا في سياســـة التحصن بالشعب وإرساء مفهوم جديــد للمشاركـة الشعبيـــة يقوم على مبدأ ألا تقتصر الانتخابات على اختيار الحزب الذي سيحكم وإنما أيضا اختيار برنامجــــه الاقتصادي. وفي هذا السياق لم يتردد في تنظيم استفتاء وانتخابات تشريعيـــة سابقـة لأوانها في نفس السنــة التي فاز فيها بالانتخابات التشريعيـــة واستطاع مع هذا كلـــه بأن يفوز حزبـــه بها ويكسب التحـدي.
  • استطاع أن يدير مفاوضاتـــه مع الدائنين بأحسن ما لديـه من وسائـــل وبكل ما توفر لديــه من أوراق ضغط معتمـدا في ذلك على شرعيـــة شعبيـــة واسعـــة والتلويح بحل بديل يرتكز على التوقف عن دفع الديون والخروج من منطقـة الأورو. كما لم يتردد في المطالبـة بديون اليونان من جراء الاحتلال النازي وذلك للضغط على ألمانيا التي تمتلك أهم خيوط هذه المفاوضات وسلطـــة القرار فيها.
  • النجاح في وضع حـد للأزمــــة وضمان عودة البلاد إلى الأسواق العالميــة بعـد ثلاث سنوات فقط من توليـــه السلطــة ويكون بذلك قد أوفى بأهم وعـــد أطلقـــه خلال حملتـــه الانتخابية ولم يدخر أي جهـــد من أجل تحقيقـــه رغم الشروط المجحفــة والإجراءات التقشفيـــة المؤلمــة التى فرضت على بلاده منذ بدايــة الأزمـــة في سنة 2010.
  • الحصول على إعادة جدولة ديــون اليونان وخصوصا إطالة أمد سدادها مما سيجعلهــا قادرة على تغطية احتياجاتها المالية حتى نهاية 2022 وسيسمح لها بعدم الاقتراض من الأسواق إلا في الأوقات المناسبة. كما سيتيح لها ذلك أن تموّل نفسها في الأسواق بعد سنوات من الانكماش الحاد و3 برامج مساعدات.
  • تحقيـــق نسب نمــو إيجابيـــة خلال 2017 (1.4%) و2018 (1.9% ) ويتوقع أن ترتفع هذه النسبـة إلى نحـو 2.3%  سنة
  • تسجيــل فائض في الميزانيـــــة باستثناء دفعات الديون بنسبـــة 4% في 2016 و2017 بعد عجــــز بلغ 15.1% عام 2009.
  • تراجع مؤشر البطالة إلى 20% بعدما بلغ نسبـــة 27.5 % خلال عام 2013.
  • تحقيق نجاحات كبيرة في القطاع السياحي وتوفير مداخيـــل ضخمـــة.
  • الترفيع في علامة الدين السيادي اليوناني من قبل وكالات التصنيف العالميـة مثل وكالــة ” فيتـــش للتصنيف المالي ” و وكالـة “ستاندرد اند بورز غلوبال ” بما ساعـــد على استعادة الثقـــة التدريجيـــة للمستثمرين والدائنين .

في المقابل لا بد من القول إنه لم يكن بمقــــدور السيد ألكسيس تسيبراس وحــده تحقيــــــق هذه النجاحات لو لم تكن هناك أيضا رغبــة بل ضرورة لدى قـــادة الإتحـــــاد الأوروبي لوضع حـــد لهذه الأزمــة ولو مقابل شروط تقشفيــــة مجحفـــة وذلك بعد أن أثارت هذه الأزمـــة مخاوف متصاعدة حول مستقبل الاتحاد الأوربي عموما ومنطقـة الأورو بشكل خاص وهددت باندلاع أزمة مالية عالمية جديـدة قد تفوق في حدتهـا الأزمة العالمية لسنـــة 2008.

فهل يمكن تكرار التجربـــة اليونانيـــة في تونس ?

قد لا يختلف اثنان على أن مظاهر وعوارض الأزمـــة التونسيـــة تشبه إلى حد بعيـــــد تلك التى شهدتها اليونان طيلـــة 8 سنوات سيما من ناحية العجــــــز والوضع المالي الهش والتراجع المثير للناتج المحلي ونسبة الديون المرتفعة مقارنةً بالناتج المحلي والعجز الكبير الحاصل في الحساب الجاري والبطالـــة وسوء الإدارة وانتشار الفساد والتهرب الضريبي والأسواق الموازيــة والاحتجاجات الشعبيـة وهجرة الأدمغـــة. إلا أن ذلك لا يعنــــي أن السيناريو الذي واجهتـــه اليونان يمكن تكراره بنفس الشكل والأسلوب في تونس في ظل غياب المقومـــــات الموضوعيـــة والذاتيـــة ومنها بالخصوص:

  • انتماء اليونان إلى الإتحاد الأوروبي ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم الذي لم تتردد هياكلــه في ضخ حوالي 300 مليار أورو لفائدة اليونان من أجل مساعدتـه على الخروج من هــذه الأزمـــة والحفاظ على وحـــدة الاتحاد الأوروبي ومنطقــة الأورو.
  • عـدم وجـود مشكلــــة سعر العملــــة بالنسبـــة لديون اليونان التي تنتمي إلى دول منطقـة الأورو في حين أن ديون بلادنا ووارداتها تتأثر بشكل مباشر وكبير بأي ارتفاع في قيمــة سعر الأورو.
  • لم يحدث أي تغيير دراماتيكي في النظام السياسي باليونان التى تعـد مهدا للديمقراطيـــة في حين أن بلادنا شهدت ثورة منذ سبعة سنوات وتعيش حاليا مرحلـــة انتقال ديمقراطي بكل صعوباتها وإكراهاتهــا الموضوعيـــة.
  • رغم حـدة التجاذبات السياسيــــة بين الأحزاب اليونانيـــة إلا أنها تخضع لضوابط لا يمكن لأحـد تجاوزها وإلى خطوط حمر من غير المسموح توظيفها على حساب مصالح البلاد العليا مهما كان الهدف الانتخابي المنشـود.
  • عدم تعرض اليونان لعمليات إرهابيـــة كبرى كتلك التى واجهتها بلادنا وأثرت بشكل كبير على أوضاعنا الاقتصادية والسياحيــــة.
  • وجـود اختلاف في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للبلدين رغم اعتمادهما على السياحـة.

ختاما يمكن القول أنه رغم وجــود فــوارق بين الواقعين التونسي واليوناني ، فإنه حــري بنا أن نتعلم من دروس الأزمــة اليونانيـــة وغيرها من الأزمات المماثلــة التى برهنت على عدم نجاعــــة أداتين قام عليهما الاقتصاد العالمي وهمـا ” الديون الدافعة للنمـــو” و” الدائن كملاذ أخير للمدينين ” ووضعت نقطـــة استفهام حول نظرية التقشف كوسيلة وحيـدة يمكن التعويل عليها لســــداد الديون وتقليص العجز وجذب الأموال الأجنبية مهما كان شكل الحوافز الممنوحة وأدت إلى القناعـــة بضرورة تخطى نظريات دفع النمو بالدين ومعاملة العجز فى الموازنة العامة كظاهرة محاسبية .  وبالتالي يجدر بنا البحث عن أفضل السبل للسيطــرة على عجز الموازنــــة والدين العام ليس من خلال الاعتماد فقط على سياســة تقشف تؤدى إلى تباطؤ أو انكماش اقتصادي أو تضخم جامح وعـــدم التردد في استنباط الطرق المثلى والجريئـــة لإدارة المفاوضات مع الدائنين بما يخدم مصلحــة بلادنا ويضمن استقلاليـــــة قرارها بعيـــدا على كل الإملاءات.

ورغم أن بلادنا لا تزال بعيدة نسبيا عن دائرة الخطـــر ولم تبلغ مستوى العجز والإفلاس الذي وصلتــه اليونان خلال أزمتها الماليــة الخانقــة ،فإنــه بات من الملح والضروري الإسراع بوضع إستراتيجية حقيقــية لإصلاح القطاعـــــات الاقتصادية تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية وتضمن الدعم الشعبــــي المسبــق لها في ظــل حوكمـــة رشيـــدة وشفافـــة لإدارة الموازنة العامـة والأموال العموميـــة والشأن العام وعدم التهــاون في محاربـــة كل أشكال الفساد وتحقيق الاستقـــرار الأمنـــي ونبــــذ الاحتقــــان السياسي وإعـــلاء مصلحــة البلاد فوق أي مصلحـة أخرى من جهة وتوظيف كل وسائل وورقات الضغط المتوفرة لدينا لضمان أحسن الظروف الملائمــة لإدارة مفاوضاتنا مع الأطراف الدائنـــة بكل نجاعـــة واقتدار وتجنيــــد دبلوماسيتنا لتحقيــــق ذلك من جهـة أخرى .

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer