صدام

الارهاب و صدام الجهالات

د ناصيف حتّي ،أستاذ جامعي ورئيس سابق لبعثات جامعة الدول العربية في العديد من عواصم الدول الغربية.

إحدى أهم المخاطر التي تواجه عالمنا اليوم الذي يصفه البعض بالقرية الكونية ولو أنّ الأفضل وصفه بالمدينة الكونية ، كون القرية عادة تتسم الحياة فيها بالسكون والتناغم المجتمعي فيما المدينة تمثل الضجيج والتوتر والاختلاف، وتشهد انتشار الأصوليات من دينية وقومية وعرقية وغيرها. وتلك الأصوليات جاءت نتيجة لانتعاش الهويات الأصلية التي بعضها عابرا للدولة الوطنية في انتماءاته،وذلك على حساب الهويات الوطنية الجامعة وعلى حساب القيم العالمية المشتركة.
أسباب عديدة تقف وراء ذلك كله منها : الفشل في بناء أو في صيانة هوية وطنية مشتركة، أو نتيجة لسياسات التهميش والإقصاء التي قد تصل إلى حد الإلغاء، مما يعزّز من ردود فعل تقوم على الانطواء والانعزال والتقوقع والقطيعة، ثم العداء والخوف المطلق من الآخر المختلف في الوطن أو في الدين أو في العرق؛ ومن رحم هذه العوامل تتولّد مشاعر تؤدي إلى شيطنة الآخر وتحميله كافة المسئولية عمّا آلت إليه أوضاع الجماعة التي ينتمي إليها هذا الشخص الخائف في قيمه والمخيف في سلوكياته إزاء تلك المسببات ومن بينها الاقتصادية التي قد لا يكون الطرف الآخر المصنف عدو بالمطلق مسئولاً عنها،ومع ذلك يحمل تلك المسئولية: إنها ثقافة التعميم والاختزال والتبسيط،.
و ما يساهم في انتشار هذه الأصوليات أيضًا أنماط معينة من التعليم والتثقيف تساهم في شحن النفوس باتجاه البحث عن العدو وهو الآخر المختلف في الهوية الوطنية أو الدينية أو العرقية وتحميله كافة المسئولية فيما آلت إليه أوضاع الجماعة التي يريد أن يعبر عنها بشكل وحيد أصحاب تلك الأصوليات، أصوليات تعبر عن ذاتها عبر إيديولوجيات تبسيطية كلية تقيم الجدران في وجه « الآخر ». إيديولوجيات متطرفة تدعو للجهاد والقتال ضد الآخر المختلف. تقوم على ثنائيات قاتلة والغائية واختزالية بين الخير والشر، « النحن » و »الهم ». نراها في حركات إرهابية مثل داعش والقاعدة ومتفرعاتهما. ونراها أيضًا في حركات عنصرية في الغرب كانت إحدى جرائمها الأخيرة مذبحة المسجدين في نيوزيلندا.
فالانقسام والصراع المفتوح الذي يحمله ذلك الانقسام معولم في سلوكياته. أوضاع اقتصادية عالمية وإقليمية ووطنية تفرز بين مستفيد ومهمّش وصراعات إستراتيجية وسياسية ونزاعات مختلفة قائمة على ترابط الداخلي بالخارجي كما نرى بشكل خاص في المنطقة العربية وتغيرات بيئية مناخية خطيرة أيضًا في تداعياتها المجتمعية والأمنية كما نرى في أفريقيا كلها تدفع نحو الهجرات واللجوء فترفع من حدة المخاوف والصدامات هنا وهناك.
ليس صحيحًا أو دقيقًا الحديث عن صدام الحضارات حسب مقولة صامويل هانتغتون وما يجري هو صدام باسم الحضارات بين أطراف أصولية إلغائية للآخر تدعي أو تصادر التحدث باسم حضارة أو ثقافة أو دين أو عرق معين. والتسليم بهذا المنطق الاختزالي التبسيطي التعميمي للحديث عن صدام الحضارات ليس غير دقيق وغير صحيح فسحب بل إنه يصب موضوعيًا وعمليًا في خدمة خطاب الكراهية والإلغاء والخوف والتخويف من الآخر. نحن في حقيقة الأمر كما قال أكثر من كاتب نعيش في « صدام الفوبيات » أو المخاوف وصدام « الجهالات والأصوليات » التي تريد مصادره التحدث باسم الهوية التي تنتمي إليها أطرافها المتصادمة.
إن مواجهة هذا التحدي في جذوره هو الأساس ويتطلب مقاربة شاملة مترابطة الأبعاد من ثقافي واجتماعي وديني وتعليمي وتاريخي وسياسي واقتصادي لتحديد موضوعي وعلمي للمسببات التي توظف في التعبئة والاستقطاب لإنتاج هذا الفكر الإلغائي ولإقصائي والصّدامي مع الآخر المختلف.
إن ّالصدام في حقيقة الأمر يبدأ أو يجب أن يكون ضمن كل فضاء حضاري، ديني، وطني، بين من يؤمن بأن الاختلاف لا يعني الإلغاء وأن التنوع لا يعني اللامساواة وأن هنالك أسبابا موضوعية وراء ظروف معينة ضاغطة ليست حتمية قائمة خارج الزمان والمكان بل يمكن معالجتها أيًا كانت صعوباتها.
إن هذه المقاربة القائمة على الانفتاح واعتماد منطق النقد الذاتي لمنظومة القيم والتعليم والثقافة بغية تخليصها من تلك الشوائب أو التعليلات والتفسيرات « الحتمية » القاتلة هو المدخل الواقعي والسليم والصحيح لمواجهة ناجحة لهذا التحدي العالمي الذي لمصلحة الجميع مواجهته والتغلب إليه.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer