الجوانب الخفيّة

الجوانب الخفيّة لعلاقة تونس بصندوق النقد الدولي

 

كما حرصت تونس على الحصول على تزكية البنك العالمي لإستراتيجيتها التنموية الأولى لمرحلة الستينات وهي الافاق العشرية للتنمية التي تم تمويل مخططاتها التنموية جزئيا عبر قروض من الدول الغربية و المؤسسات المالية الدولية الخاضعة لها.لكن الدول الغربية سرعان ما عمدت الى فك الارتباط بين الصندوق و البنك و الامم المتحدة و تم اعفاء هاتين المؤسستين من الزامية الخضوع لإشراف المجلس الاقتصادي و الاجتماعي ، و اصبحتا تحت الهيمنة المباشرة لدول مجموعة السبع ذات الاغلبية بمجلس الادارة الذي تحول شيئا فشيئا الى اداة لفرض سياسة الانفتاح الاقتصادي وتعميم منظومة اقتصاد السوق على الصعيد الدولي بما يخدم مصالح و نفوذ هذه الدول .

و قد تم استغلال الازمات الاقتصادية التي تمر بها الدول و من بينها تونس  لتكريس هذه السياسة و ذلك بحجة  مساعدة هذه البلدان على إنجاز الاصلاحات الكفيلة بإعادة دفع الدورة الاقتصادية و تجاوز الصعوبات، غير ان تدخلات الصندوق و البنك عادة ما تزيد في تعميق الازمة  التي تدعي حلها كما كان الشأن بالنسبة لتونس سنة 1986 و ايضا بعد الثورة و ذلك رغم اللجوء المبكّر من قبل الحكومات المتعاقبة إلى صندوق النقد الدولي والتزامها بتنفيذ شروطه ومنها إعادة رسملة البنوك العمومية تمهيدا لخوصصتها ومراجعة قانون الاستثمار باتجاه الرفع الكلّي للقيود أمام رؤوس الأموال الأجنبية للنشاط والتملّك في كافة المجالات الاقتصادية وغيرها من الخطوات المنجرّة باتجاه توسيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي  من خلال  اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمّق الجاري التفاوض حوله..

الحصيلة السلبية لبرنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي لسنة 2013

الملاحظ أنه لدى إبرام اتفاق 2013 المصنّف ضمن فئة القروض قصيرة الأمد (stand-by) كانت تقارير صندوق النقد الدولي تتوقع أن يستعيد الاقتصاد التونسي تدريجيا عافيته وتوازناته المالية المختلة وأن ترتفع نسبة النمو لتصل الى 5٪ سنة 2015، بفعل توقع عودة الحركيّة الاقتصادية والاستثمارات الداخلية والخارجية إلى الانتعاشة مجددا، لكن الوقائع والأرقام كذّبت هذه التوقعات بل أن المؤشرات الاقتصادية التونسية شهدت انحدارا كبيرا على كافة المستويات.

كما ارتفعت نسبة التداين الخارجي إلى مستويات قياسية خطيرة بسبب تجاوز تونس لطاقاتها القصوى على الاقتراض على نحو جعلها دولة مصدرة للأموال لفائدة الأطراف المقرضة بحكم تخصيصها لجانب هام من الأموال المقترضة لتسديد القروض القديمة المستحقة أصلا وفائدة.

هذا ومن التبعات الخطيرة غير المعلنة لخضوع تونس إلى وصفات المؤسسات المالية الدولية و الاتحاد الاوروبي ، تفاقم العجز التجاري وتدهور ميزان المدفوعات إلى مستويات قياسية بالتوازي مع تهاوي قيمة العملة الوطنية بصفة متواصلة لأسباب متعددة وخاصة منها تخلّي البنك المركزي عن دوره التعديلي في الحفاظ على قيمة الدينار الذي فقد حوالي 50٪ من قيمته إزاء العملة الأوروبية، وكذلك الشأن قياسا مع الدولار الأمريكي وإن كان بنسبة أقل مما أدّى عمليا إلى ارتفاع جنوني في نسب التضخم للمواد الأساسية التي تناهز حوالي 300٪ منذ 2011. كما أدّى هذا الانهيار في قيمة الدينار إلى ارتفاع مواز في نسبة التداين الخارجي وتضخم كلفة الاقتراض الخارجي بحكم أن تسديد الأقساط المستحقة يتم بالعملة الصعبة.

واللافت للانتباه أن التدحرج المستمر منذ اندلاع الثورة للعملة الوطنية ظل في حكم الأمر الواقع غير المعلن رغم تبعاته الكارثية ويبدو أن ذلك يعزى إلى التزام الحكومات المتعاقبة إزاء الأطراف الدولية المقرضة بعدم التدخل لإيقاف هذا النزيف.

ورغم هذه التبعات الكارثيّة لخضوع تونس لإملاءات صندوق النقد الدولي فإنها بصدد التوقيع على الاتفاق الجديد المشار إليه وهو بقيمة 2،8 مليار دولار ومرتبط بحزمة من الشروط الأكثر إجحافا قياسا بالاتفاقيات السابقة مع الصندوق باعتبار أن هذا القرض مصنّف ضمن ما يسمّى بالآلية الموسعة للإقراض (Mécanisme élargie de crédit).

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer