الجوانب الخفيّة

الجوانب الخفيّة لعلاقة تونس بصندوق النقد الدولي

 

آفاق العلاقات بين تونس وصندوق النقد الدولي

لابد من التذكير أن هذه الحصيلة القائمة لعلاقات تونس بصندوق النقد الدولي والبنك العالمي هي نتيجة حتميّة للتوجهات والخيارات الاقتصادية الانفتاحية التي فرضت على تونس في أعقاب الأزمة الاقتصادية وأزمة المديونية لمنتصف الثمانينات التي أدت إلى خضوع تونس لأول مرّة سنة 1986 إلى ما يسمّى ببرنامج الإصلاحات الهيكليّة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

ودون الخوض في تفاصيل هذا البرنامج، فإنه يلتقي من حيث مضامينه وأهدافه المعلنة و الخفية ـ وهي التقليص من العجز واستعادة التوازنات المالية الكبرى ومعالجة المديونية وإنعاش الدورة الاقتصادية المعطلة ومقاومة البطالة… مع اتفاق 2013 الموقع بعد الثورة والاتفاق الحالي المزمع توقيعه الذي يهدف في حقيقة الأمر إلى مزيد تكريس انخراط تونس في منظومة اقتصاد السوق والعولمة الاقتصادية التي تم إقرارها وترسيخها كخيارات إستراتيجيّة من قبل النظام السابق من خلال الإنخراط في منظمة التجارة العالمية سنة 1994 ثم منطقة التبادل الحر للسلع الصناعية سنة 1995 مع الإتحاد الأوروبي التي مهدت لاتفاق التبادل الحر الشامل والمعمّق الجاري التفاوض بشأنه حاليا.

وقد حرص الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع بعد الثورة إلى التحرك بسرعة لضمان استمرارية هذه السياسات وذلك من خلال الوعود والحوافز المقدمة إلى تونس وبلدان «الربيع العربي» خلال قمة دوفيل لمجموعة السبع المنعقدة في ماي 2011 بمنحها برنامج ضخم للتمويلات بشروط ميسرة وتمكينها من استرداد أموالها المنهوبة. لكنه تم التنكّر لهذه الوعود رغم التزام تونس بنفس الخيارات الاقتصادية للنظام السابق واستمرارها في تسديد الديون القذرة المتخلّدة بذمته مما ساهم في إنهيار الوضع الاقتصادي والمالي لتونس واستفحال أزمة المديونية الخارجية إلى مستويات خطيرة أدت إلى خضوعها مجددا منذ    2013 إلى البرامج والقروض المشروطة لصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك العالمي.

وبالتالي فإن الخروج من هذه الحلقة المفرغة من التبعيّة للخارج وارتهان سيادة القرار الوطني إلى المؤسسات المالية الدولية الخاضعة للهيمنة الغربية، يقتضي مراجعة جذرية للسياسة الاقتصادية والخيارات الدبلوماسية ذات الصلة بمنظومة اقتصاد السوق خاصة منها الأطر والاتفاقيات المنظمة لعلاقات تونس مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى.

ويجدر التذكير بالإعلان الصادر مؤخرا عن وزارة الخارجية التونسية بخصوص إقرار آلية جديدة للتعاون بين تونس ومجموعة السبع تعني بتوفير دعم استثنائي إلى تونس يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون، وذلك بهدف تأمين المساعدات الكفيلة بجعل تونس قادرة علي رفع التحديات الاقتصادية والمالية الصعبة التي تواجهها.

ولعله من المفيد أن تسعى تونس إلى توسيع دائرة اهتمامات هذه الآلية الجديدة باتجاه تحويلها إلى هيكل قار للتشاور السياسي  والعمل المشترك الهادف إلى وضع أطر استراتيجية جديدة للتعاون القائمة على مراعاة خصوصية الأوضاع الاقتصادية لتونس والسعي الجدّي لمساعدتها على الخروج من أزمتها المالية والاقتصادية والتخلص من مديونيتها الخانقة واستعادة حرّية تحديد خياراتها وأولوياتها التنموية، باعتبارها من الشروط الضرورية لإرساء شراكة حقيقية وشاملة بين تونس وشركائها الاستراتيجيين الرئيسيين ترتكز على إرساء فضاء متوسطي مشترك للسلم والأمن والاستقرار والتنمية المتبادلة.

أحمد بن مصطفى

سفير سابق

 

 

 

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer