الدبلوماسية التونسية والإنحراف عن المسار التأسيسي

بقلم : الهاشمي نويرة

أسرّ لي ذات يوم الرئيس الرّاحل الباجي قايد السبسي بأنّ مناعة تونس تجد جذورها الأساسية في تنوّع وثراء تاريخها ووضوح مسارها التاريخي فهي كما ذكر لي « سهلة القراءة » وغير مستعصية على من يُريد فَهْمَ ومتابعة تاريخ الشعوب التي تميل إلى الإستقرار .
ومعنى هذا الكلام ومغزاه أنّ تونس إكتسبت مناعتها بالأساس من خليط حضاري ميّز تاريخها على مدى العصور ولَم تُكْتب فيه الغلبة الدائمة والمستمرّة لأيّ حضارة مرّت من هنا ( تونس ) بما في ذلك حضارتنا العربية الإسلامية .
وإن محاولات المرور بقوّة (كما يُقالُ باللّسان الفرنسي Le passage en force )
لفرض نمط سلوكي معيّن على التونسيين منذ أن كانوا شتاتا في الداخل باءت كلّها بالفشل ،
تماما كما أنّ كلّ هذه المحاولات تقريبا صاحبتها بعض السلوكيات المتطرّفة والتي أصبحت تُعرف الآن – وعلى سبيل التَشَبُّهِ – بالثورية .
إنّ تونس « سهلة القراءة  » لأصحاب العقل السّلبم ، وأعتقد أنّ الرّاحل الباحي قايد السبسي إستلف هذا المفهوم من معلّمه الأوّل الزعيم الحبيب بورقيبة لأنّ « السّهولة » بالمعنى البورقيبي تعني القُدْرَةَ المنهجية على فَهْمِ الواقع كما هو حتّى يَسْهُلَ التعاطي معه وحتّى تكون الحلول لأزماته معقولة ومقبولة من العموم ،
والمفهوم يستوجب عقلا سويّا وله القدرة على التمييز والحسم دون إحداث جراحات في الجسم التونسي وهذا هو أساس الفكر الإصلاحي البورقيبي الذي لم يبتدعه الزعيم بل هو قرأه في صفحات تاريخ تونس الذي هو بالأساس تاريخ إصلاحات والثورات فيه هي فواصل قصيرة .
إنّ هذا يدفعنا إلى الإعتراف بأنّ مناعة تونس هي من ثراء مخزونها الحضاري ولكنّ هذه المناعة تتغذّى كذلك وعلى مدى العصور من حركات الإصلاح المستمرّة والتي مكّنتها من التأقلم الحضاري وتجنّب الهزّات والتحوّلات العنيفة والدموية والتي بقيت استثناءات تؤكّد القاعدة ،
وللإستدلال على ذلك نشير إلى الإصلاحات التي رافقت بدايات دولة الإستقلال وهي إصلاحات ذات طبيعة تشريعية وإجتماعية وحضارية وتعليمية .
تونس إذن كانت على مدى تاريخها « سهلة القراءة » ، فكيف إستحالت مجالا صعب الفَهْمِ ومستعصيا على أصحاب العقل السّليم ؟!
ولعلّ أكثر الأمثلة المعبّرة عن هذا التعسّر و »الإستعصاء »المعرفي هو التخبّط البيّن في المجال الدبلوماسي وفِي السياسة الخارجية لتونس .
وقد يظنّ البعض أنّ السياسة الخارجية الحالية بدأت بالإنحراف عن ثوابتها بعد 14 جانفي 2011 ولكنّ المتمعّن في سيرورة خطّ هذه السياسة يُعاين أنّها حادت عن مسارها وثوابتها منذ فترة حُكْمِ الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الذي كان دوما يلخّص السياسة الخارجية لتونس بكونها « لا نُدْخُلْ في عَرْكَة ،، لا نِتْزَعَّمْ » ، وهو فيما نرى ونعتقد تلخيص يبسّط إلى أبعد حدّ ثوابت السياسة الخارجية لتونس .
ومعلوم أنّ الدارج هو أنّ مبدأ عدم التدخّل في الشّؤون الداخلية للدول واحترام استقلالها وسيادتها والنأي بتونس عن سياسة المحاور والدفاع عن استقلال تونس ومناعتها هي الثوابت التي بُنِيَتْ عليها الدبلوماسية والسياسة الخارجية لتونس ،
ولكنّ المتابع الدقيق يُمكنه الإستنتاج بسهولة أن هذه الثوابت تستوجب بعض التدقيقات الأساسية والتي دونها لا يُمكن فَهْمَ الفلسفة التي إنبنت عليها السياسة الخارجية التونسية ؛
أوّلا ، لا بدّ من التذكير بأنّ مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول واحترام استقلالها هو إلتزامٌ يفرضه القانون والمواثيق الدولية وبالتالي ، فإنّ الأصحّ هو القول بأنّ تونس تحترم في سياستها الخارجية مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية « على جَوْرِها » في بعض الأحيان وذلك على حدّ قول الزعيم بورقيبة بمناسبة حديثه عن قرار التقسيم .
ثانيا ، إنّ سياسة تونس الخارجية حدّدتها
– ومنذ مرحلة التحرّر الوطني – المصلحة المباشرة لبلدنا وهي تميّزت ببرغماتية لافتة ولكنّها سهلة الفهم والقراءة ،
وهو ما يدفعنا إلى القول بأنّ الذي حرّك على مدى أحقاب السياسة الخارجية لتونس هو بالأساس مصلحتها الوطنية والمحافظة على استقلالها ومناعتها لأنّ هذا الإستقلال كانت ضريبته غالية جدّا على الوطن والمواطن .
ثالثا ، إنّ القول بأنّه من ثوابت السياسة الخارجية لتونس هو عدم الدخول في سياسة المحاور قولٌ يستوجب التدقيق هو الآخر ذلك أنّ « الحياد » التونسي في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية كان نوعا من الحياد البراغماتي والتكتيكي في بعض الأحيان وكان إلى ذلك غائبا تماما في أحيان أخرى .
وقصّة تونس مع الحياد ومع المحاور بدأت مبكّرا ، فبورقيبة طالب الشّعب التونسي عدم مساندة القوات النازية في تونس إبّان الحرب العالمية الثانية وقد كان هذا الموقف سببا في فتح باب الأمم المتحدة أمام القضية التونسية ،
وبورقيبة أيضا كان من رُوادِ حركة عدم الإنحياز عندما ترسّخ لديه الوعي بأنّ « العالم مهدّد من طرف الفودكا والكوكاكولا  » في إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والإتّحاد السوفياتي سابقا وقد ورد كلام الزعيم هذا في حوار شهير له بداية السبعينات ،
ومع الأفضلية في التعامل بين مختلف الأحلاف والمحاور كان خطّ الزعيم بورقيبة واضحا ، الأصل في الأشياء هو المحافظة على استقلال تونس في إتّجاه تصوّر ليبيرالي حداثي غابت عنه مع الأسف المسألة الديمقراطية ،
وبدرجة أقلّ محاولة بناء الدولة على أُسُسٍ تميّزها عن محيطها الجغرافي والحضاري وهو ما دفعه إلى التصادم مع تصوّرات أخرى مختلفة معه ومنها التيّارات اليسارية والعروبية ، وهو لعمري تَمَوْقُعٌ سياسي بعيدا عن الحياد الجافّ.
إنّ سياسة تونس الخارجية برغماتية ومعقّدة ومرتبطة أساسا بوضعها الداخلي ولكنّها تبقى « سهلة القراءة » وغير مستعصية الفهم عن صاحب العقل السّليم .
وإنّه القول بأنّ تونس « لا تُدْخُلْ في عَرْكَة ولا تِتْزَعَّمْ » قد يجانب الصواب والشّواهد على ذلك كثيرة ، فهي أسّست ونسّقت مع المغرب والحزائر لمعركة التحرّر من الإستعمار منذ تأسيس مكتب المغرب العربي في القاهرة وتونس كانت من مؤسّسي حركة عدم الإنحياز في مؤتمر قمّتها ببلغراد سنة 1961 وهي فكرة سبقت استقلال تونس وكان روادها
جوزيف بروز تيتو من يوغسلافيا السابقة وجمال عبد الناصر من مصر وكواني نكروما من غانا وجواهر لال نهرو من الهند وأحمد سوكارنو من أندونيسيا .
وقد لعبت تونس والزعيم الحبيب بورقيبة لاحقا عديد الأدوار الهامّة في مسار هذه الحركة التي كانت سندا أساسيًا لعديد الشّعوب في تقرير مصيرها وكانت من أهمّ الآليات التي استعملتها مجموعة دول عدم الإنحياز في الأمم المتّحدة .
ونستنتج من كلّ ما تقدّم أنّ تونس دخلت معارك وتزعّمتها عند الإقتضاء وهو ما يعني أنّ حيادها في مجال العلاقات الدولية كان نسبيا وحرّكته المصالح التونسية لاغير ، ولكنّه حيادٌ سَهْلُ التعقّل والقراءة .
لماذا استعصى الأمْرُ الآن ؟!
إنّ المتتبّع لمسار السياسة الخارجية التونسية يلاحظ بوضوح أنّ ما عابها منذ 2011 وإلى الآن هو أنّ الحكومات المتعاقبة خرجت بتونس من الحياد المُؤَسَّسِ على أجندة الوطن وانحرفت به وأخضعته لأجندات خارجية أغلبها في تضارب مع مصالح تونس الإستراتيجية وهو ما استدعى ويستدعي التقييم والتقويم .
إنّ ماجرى ويجري هو إنحراف بثابتة أساسية من ثوابت السياسة الخارجية لدولة الإستقلال وهي أنّ المحدّد دوما يحب أن يكون مصلحة تونس وبأنّ الحياد هو فَرْضٌ عند الإقتضاء تماما كما الإنحياز ولكن شريطة توضيح ما فيه مصلحة تونس ،
وأمّا الإنحراف الأخطر هو ما نشهده الآن من تخبّط يَنِمُّ عن عدم استقرار تحرّكه نوازع شعبوية لا علاقة له بالفكر السياسي الذي إنبنت عليه السياسة الخارجية لتونس وهو فِكْرٌ يَقودُ ولا يُقادُ .
إنّ عمل النّخبة التأطيري والتوجيهي خلال المراحل الإنتقالية التي تعيشها المجتمعات هو أساسي ولا يحطّ مطلقا من قيمة الشّعوب فلكلّ دوره وهذا هو الدّور المنوط بعهدة النّخب وهو ما يُعطي للعمل السياسي معناه ومغزاه وفِي غياب ذلك يذوب المعنى وتعمّ الفوضى .

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer