الدبلوماسية

الدبلوماسية وحدودها

رأي

ابوالسعود الحميدي 

  الدبلوماسية هي ممارسة العلاقات الدولية وتصريف شؤون الدولة الخارجية مع الدول الأجنبية. ويعتمد هذا النشاط أساليب للتعامل في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينَ الدول، يقوم على التفاوض وإبرام المعاهدات والاتفاقات. والدبلوماسية التي كان لها في السابق الفضل في القضاء على الحروب والصراعات، أضيف إليها التحرك من أجل إحلال السلام ومناصرة القضايا العادلة في العالم النشاط ضمن مجالات جديدة ليس أقلها العمل المشترك  من أجل القضاء على الآفات والمخاطر ذات البعد الدولي مثل الإرهاب وموجات الهجرة غير المنظمة والتغير المناخي وكذلك التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف من أجل التنمية

إن اتساع نطاق العمل الدبلوماسي لم يصاحبه مع الأسف توسّع لهامش حركة الدبلوماسيين في التعامل مع هذه الملفات المعقّدة، حيث ظل التحرك في المجال الدبلوماسي محكوما بمحددات صارمة تفرضها الإرادة السياسية التي تستمد سلطتها من شرعية الشعب، وتكون بذلك، عن حق، مؤتمنة على سيادته ومجسدة لمصالحه العليا. وإذا كان الهامش المتاح للدبلوماسيين ضيقا، فإنه كثيرا ما  منحهم  فرصة لإبراز قدراتهم على اجتراح المعجزات وتخليص الحرير من الشوك كما يقال. ولكم تابعنا في العقود الماضية مفاوضات معقدة أدارها دبلوماسيون أكفاء وأفضت إلى اتفاقيات ثبتت مع مرور الزمن رغم ما أحاط بظروف إبرامها من شك وتوجّس

ورغم ذلك فإن الأزمات الدبلوماسية والسياسية لم تنقطع وما زال الرأي العام الدولي يهتزّ من حين لآخر وهو يتابع أزمة تطرأ ولا يدري لها مآل مقنع. ومن آخر الأزمات التي نشاهد تطوّراتها المفاجئة أزمة خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي”البريكسيت”

تعقيد الأزمة قد يبدو من الوهلة الأولى ناتجا عن إخفاق الدبلوماسيين والخبراء الاقتصاديين الذين ساعدوهم في صياغة اتفاقية “البريكسيت“، في علاقة بما عبّر عنه البريطانيون من رغبة في مغادرة البيت الأوروبي. ولكن المتأمّل للأوضاع بعمق يكتشف أن منشأ الإشكال هو في الفلسفة التي قادت قادة البلدان الأوروبية عندما وضعوا أسس المشروع الأوروبي، واعتبروا أن المسار نحو الوحدة الأوروبية هو مسار لا رجعة فيه. لم يتوقّعوا أن مسار الوحدة الأوروبية قد يظلم بعض أعضاء الكيان الأوروبي الموحّد ويدفعهم يوما ما إلى طلب الخروج من المنظومة. لم يتوقّعوا أن تتزايد نزعة الاستقلال القومي لدى البلدان الأعضاء التي كانت في زمن بلورة المشروع جنينية، ولم يكونوا يقظين بما فيه الكفاية لتوقّع ظهور التيارات الشعبوية التي ستكون أحد ملاذات الغضب الشعبي من السياسات الأوروبية التي يعتبرون أن تقنيي بروكسال هم من  يسطّرونها ويفرضونها على الحكومات المنتخبة في الفضاء الأوروبي

لو كان لدى القادة الأوروبيين قدر من الواقعية والبراغماتية لاعتبروا أن المشروع الأوروبي هو مطلب شعبي وتتبناه كل التيارات السياسية والاجتماعية في القارة، لكن تركيزه يتطلب ترك الباب مفتوحا أثناء مسيرة تجسيده للأعضاء الذين يريدون تجميد عضويتهم فيه أو التخلف عنه لاختيار موقعهم منه عن روية وبكل وعي. وهذا لم يحصل، وهو سبب الأزمة الحالية في “البريكسيت

وجب الإقرار بأن هذا الخطأ قد وقع فيه عديد السياسيين في عديد البلدان. فالبلاشفة عندما ركّزوا الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وبعد ذلك في أوروبا الشرقية، كانوا يعتبرون أن الاشتراكية هي تجسيد لتقدّم البشرية ولم يجل في خاطرهم يوما أن ينهار النظام الاشتراكي، ولم يعدوا العدة نظريا لتصوّر منظومة سياسية واقتصاد سياسي يهيّئان في يوم ما تحوّل هذه البلدان من الاشتراكية إلى الليبرالية. وهذا التغافل لم يمنع هذا التحوّل ولكن جعله أكثر كلفة اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا

وما قيل عن الأوروبيين والروس السوفيات ينطبق على البلدان الإفريقية والإمريكية اللاتينية والأسيوية التي تشهد تحوّلات كبيرة دون استحضار تصوّرات لتداول سلمي على السلطة يسهّل هذه التحوّلات ويجعلها أقل كلفة

إن الانطباع السائد في الفكر السياسي البشري أن التطوّرات التي يساهم فيها السياسيون ويستفيدون منها يعتبرونها غير قابلة للتراجع والنقض، يحركهم في ذلك تصوّر أن البشرية تسير وفق نسق وحيد وفي اتجاه واحد، وهو خطأ جسيم يجعل الدبلوماسيين هم الأكثر عناء في الدفاع عن هذه الخيارات وفي ترميم الانهيارات الناجمة عنها

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer