محمد فريد الشريف

السفير محمد فريد الشريف

شرعت الجمعية التونسية لقدامى السفراء والقناصل العامين في إنجاز ما أعلنت عنه ، خلال مؤتمرها الأخير، في العمل على إثراء الذاكرة الدبلوماسية للبلاد التونسية والحفاظ عليها،وإتاحة الفرص للراغبين في الاستفادة مما يمكن نشره .
وفي هذا السياق تبدأ “الدبلوماسي التونسي الإلكترونية” في نشر لقطات مختارة مما بدأ يتراكم في خزانة الذاكرة من تراث دبلوماسي، متنوع وطريف.وتستهل ذلك مع أحد الرواد الأوائل في هذا الحقل ،وهو السفير محمد فريد الشريف.
والسفيرالشريف ولد بتونس في 6 نوفمبر سنة 1933 ،وبعد ما أنهى المرحلة الثانوية من تعلمه في المدرسة الصا دقية ، في تونس،ا لتحق بجامعة (الصوربون) بباريس ليعود منها محرزا على الدبلوم العالي للفكر السياسي.
وتزامنت عودته،سنة 1956 ، مع حدث وطني تاريخي كبير، هو استعادة البلاد التونسية استقلالها التام ،وشروعها في تأسيس دولتها الحديثة ،بعد حقبة حماية استعمارية فرنسية ،امتدت خمسا وسبعين سنة.
فالتحق الشاب ذو الثلاثة والعشرين ربيعا،،فور العودة ، بوزارة الخارجية،التي أنشئت في ذلك العام ،والتي كان الزعيم الحبيب بورقيبة أول من تولاها،إضافة إلى منصب الوزير الأكبر، في آخر حكومة من العهد الملكي ،وأول جكومة من عهد الاستقلال..
ومن هنا يبدأ الامتياز الذي تكتسيه مسيرة الدبلوماسي التونسي الشاب،محمد فريد الشريف، الذي تهيئ له الآقدار أن يكون ملحقا دبلوماسيا في وزارة سيادة يشرف على تسيير دفتها زعيم البلاد ، في المعركة الفاصلة لتحريرها واستعادة استقلالها وسيادتها ،والرئيس المؤسس للنظام الجمهوري فيها .
وسيكون محمد الشريف وزملاؤه الأوائل ، في هذه الوزارة، حريين بحقهم ،على من يكتب عنهم، أن يطلق عليهم صفة الريادة في الدبلوماسية التونسية،لأنهم كانوا ،على مختلف درجاتهم ومراكزهم،هم البناة الأوائل لصرح عتيد أثبت،وهو يحتفي بسنته الثانية والستين، جدارته،ويشمخ بنجاحاته .
ومن ميزات هؤلاء الرواد أن جميعهم لم يدرسوا الدبلوماسية، ولم يمارسوها، قبل أن ينخرطوا في سلكها المحدث،ولكن أغلبيتهم الساحقة كانت من شباب البلاد المتعلمين ،في المدارس التونسية الحديثة ،وفي بعض الجامعات الغربية ،وخاصة الفرنسية منها،وأن جميعهم وطنيون،وكثيرا منهم ناضلوا في هياكل الحركة الوطنية، وخاصة في تشكيلات الشباب المدرسي والطالبي ،في تونس وخارجها،بل إن البعض منهم سجنوا وأطردوا من الدراسة ،بسبب نشاطهم ضد الاستعمار الفرنسي في تونس.
ولئن اختلفت مسارات هؤلاء الرواد ، وتنوعت أحوالهم ، في مدارج مسؤولياتهم وشعابها،تبعا لمواهبهم، ولما قدر لكل منهم من حظوظ ومن فرص، فقد نال جميعهم فخر الانتساب إلى وزارة سيادة ، في نظام حكم وطني فتي، على راسه قيادة تاريخية استثنائية ،في مناخ نخوةعارمة وطموح بعيد المدى.
وبقدر ما كان المناخ الوطني محركا للهمم، ودافعا لمواجهة التحديات ، كانت رهانات العمل استثنائية ،لأنها كانت ،في اغلبها ،مصيرية وشديدة التعقيد .
فرغم أن الهدف الأكبر للنظام التونسي الفتي كان المسارعة في بناءأسس الدولة، وكسب المعركة المصيرية لتحقيق ما يكفل للشعب عيشا كريما ، فان معارك أخرى كانت تتطلب المواجهة.
فالصراع مع المستعمر السابق كان ما يزال محتدما،على أشده، في قضايا عديدة مرتبطة بتخليص السيادة الوطنية من رواسب المرحلة الاستعمارية.
والجوار المباشر ملتهب بمعركة التحرير في الجزائر الشقيقة.
وفي الوطن العربي تتصارع إرادات زعامات تاريخية وحركات ذات محتويات إيديولوجية وفكرية وسياسية، تسعى لتجاوز الحدود الوطنية ،وتتطلب مواجهتها خوض معارك ظاهرة وخفية.
وفي المستوى الدولي كان المعسكران الغربي والشرقي في أوج سعيهما الشرس للتوسع والهيمنة.والتموقع.
وكان على الدبلومالسية التونسية الناشئة ،في كل هذه المجالات ، نصيب ينبغي أن تنهض به،بالرغم عن ضآلة التجربة و ضعف الإمكانيات البشرية والمادية.
وهذالأمر هو الذي أعطى للدبلوماسية التونسية،في كثير من الأحوال،طبيعة نضالية غالبة على المظهر الدبلوماسي.
وقد ابلت نخبة من هؤلاء الرواد البلاء الحسن ، واكتسبت ، بعد مدة ، أصول العمل الدبلوماسي ،وارتقت فيه المراتب التي جعلت من بعض هؤلاء الرواد مراجع معتمدة ، في تكوين الجيل الثاني من الدبلوماسيين التونسيين ، سواء بالتاطير عند الممارسة، أو بالمحاضرة والتنظير والتدريس في المعهد الدبلوماسي
وفي هذا الإطار تتنزل مسيرة السفير محمد فريد الشريف التي يجد متابعو” الدبلوماسي ” شذرات منها ، باعتبارها إلمامات خاطفة ببعض ما تحدث فيه ، أو نشره، في ما أ صدره من كتب زاخر ة بذكرياته،في فترة طويلة ثرية امتدت ما يزيد عن أربعين عاما ، نهض، خلالها بمهمات كثيرة ، في مختلف قارات العالم ،وفي أوجه متعددة من العمل الدبلوماسي التونسي، وعاصر مسؤولين كبارا، في الداخل والخارج ، كثيرا ما يتحف قراءه ومستمعيه عن جوانب من اقوالهم أو تصرفاتهم في الجد والهزل .
ومهما كتب عن السفير الشريف فإن شخصيته بأبعادها الثقافية الواسعة، والاجتماعية الجذابة، و حافظته الغنية وذاكرته المتقدة،تجعل منه انموذجا يصعب الإلمام ،في مقدمة وجيزة،بمإ يمليه علينا حقه ، جزاه الله خيرا، ومتعه بالهناء والعافية . السفير محمد جنيفان.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer