السيادة الوطنية و السياسة الخارجية التونسية

بقلم علي الحشاني، سفير سابق

الاضطرابات التي يشهدها العالم هذه الأيام بسبب جائحة الكورونا بثت الشكوك في عدد من المسلمات ومنها تلك التي تتعلق بمفهوم السيادة الوطنية. فالعولمة الليبرالية المتوحشة التي كانت سائدة من قبل نسبت هذا المفهوم بجعلها العالم مجرد قرية تتحدد فيها طرق انسياب السلع والأموال ووسائل الإنتاج وحتى توجهات السياسية الخارجية بطرق لا ضابط لها إلا الربحية القصوى. واليوم اكتشفت الكثير من الدول أنها فقدت السيطرة على جانب كبير من قرارها الاقتصادي والسياسي وستسعى لاسترجاع ذلك في المستقبل وهو ما جعل الكثيرين يعتقدون بأن المجموعة الدولية مقدمة على فترة من انكماش كل دولة على نفسها أو على المناطق القريبة منها.

تونس تدخل هه الفترة الجديدة في تاريخ الإنسانية وأوضاعها السياسية والاقتصادية في حالة ارتباك ومكانتها في العالم مهتزة وهو ما قد يجعل تثبيت سيادتها الوطنية حاضرا ومستقبلا صعب المنال. ولا شك أن قيام الحكومة التونسية بالنظر في التوجهات الاستراتيجية لبلادنا يأتي في الوقت المناسب للتأكد من اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي البقاء على حافة الطريق في هذا العالم المقبل على تحولات عميقة وذلك حماية لسيادتنا ومستقبل شعبنا.

وحتى نجعل العالم يقر بسيادتنا في مثل هذه الأوضاع وجب، إلى جانب حسن اتخاذ القرارات القطاعية، أن تكون سياستنا الخارجية متناغمة مع تلك القرارات وداعمة لها كما وجب أن تكون مواقفنا من بؤر التوتر في الدول المحيطة بنا وكذلك علاقاتنا بمجالات انتماءاتنا الجغرافية أخذة بعين الاعتبار الاتجاهات الجديدة المنتظرة بعد عهد العولمة. والمعلوم أنه وبحكم دستور الجمهورية التونسية الحالي يعود لرئيس الجمهورية وله وحده ضبط التوجهات العامة في مجال العلاقات الخارجية إلا أنه يعود لوزير الشؤون الخارجية، وهو العضو في الحكومة، وكذلك لدوائر الوزارة في الداخل والخارج تنفيذ تلك التوجهات. كما أنه لوزارات ومؤسسات أخرى في الدولة حكومية وغير حكومية أدوار محددة تلعبها لمساندة تلك التوجهات الرئاسية ودعم تنفيذها من طرف السلط المخولة لذلك. فهل تجري الأمور بالطريقة المثلى في هذا المجال؟

يلاحظ أنه بالنسبة لصلاحية تحديد التوجهات العامة للسياسة الخارجية التونسية برزت بوادر تنازع مأتاها محاولة إعطاء المؤسسة التشريعية نفسها جانبا من تلك الصلاحية وهو ما أحدث لغطا قد يكون أضر بالبلاد. وهو لغط وجب وضع حد له بالتزام كل طرف بدوره. علما بأن ما يطلق عليه بتعبير الدبلوماسية البرلمانية رغم تجذره في الديمقراطيات المشابهة لديمقراطيتنا لا يتعدى قنوات محدودة وهي العلاقات مع البرلمانات الأخرى والمجموعات والاتحادات التابعة لها، ثم العلاقات البروتوكولية الصرفة وأخيرا العمل التشريعي والرقابي الذي يتولاه المجلس على أجهزة الدولة بما فيها وزارة الشؤون الخارجية.

أما تنفيذ السياسة الخارجية التونسية فإنه يشكو من هنات عديدة لعل وزير الخارجية كشف عن عدد منها في حديثه مؤخرا أمام اللجنة المختصة بمجلس نواب الشعب. وهي هنات يعود البعض منها إلى ضعف الإمكانيات المالية والبشرية المخصصة لهذه الوزارة وهو ما يجعل مجال تغطيتها لدول العالم التي يجب أن تدخل في نطاق أولوياتنا في الفترة القادمة ضيق جدا، ويعود البعض الأخر إلى تضارب المسؤوليات في العمل الخارجي وفقدان التنسيق بين مختلف المتدخلين في هذا العمل. لهذا وجب أن تدخل الاستراتيجية الحكومية القادمة مسألة الرفع التدريجي في اعتمادات وزارة الشؤون الخارجية من بين أولوياتها، كما يتحتم إزالة التضارب في المهام بأن تعطى هذه الوزارة مسؤولية الإشراف على كل ما يتعلق بالعلاقات مع الخارج وذلك بالرجوع إلى ما كان عليه الحال في السابق بجعلها شاملة لمصالح التعاون الدولي والاهتمام بأحوال التونسيين بالخارج.

وحتى تنتفع البلاد من كل القدرات المتوفرة في ميادين العمل الخارجي مع الحفاظ على وحدة توجهات السياسة الخارجية التونسية وأطر تنفيذها بما يحمي مصالح البلاد وسيادتها في عالم ما بعد الجائحة، قد يكون من المفيد إنشاء ألية للتشاور بين المصالح المكلفة بتنفيذ السياسة الخارجية التونسية أي الدبلوماسية الرسمية ،وتلك المعنية بقطاعات معينة والتي يطلق عليها مجازا أسماء مختلفة كالدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والسياحية والرياضية إلى جانب الدبلوماسية الشعبية أي المتعلقة بالأحزاب والجمعيات .ويمكن أن يشمل هذا التشاور أيضا المنظمات الوطنية والغير حكومية النشطة على المستوى الخارجي.و يكون الغرض من هذه الألية التشاورية والتي يمكن أن توضع تحت إشراف السيد رئيس الحكومة أو السيد وزير الشؤون الخارجية التنسيق وتمكين المشاركين من الاطلاع على أهم توجهات السياسة الخارجية التونسية وأهدافها ومراميها وبرامج تنفيذها مع تبيان الطرق المطلوبة لمساندتها من طرف كل المشاركين.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer