السيادة

السيادة : مقوّماتها و أركانها

أوَّل من استعمل مُصطلح السيادة بمفهومه المُتعارف اليوم هو الفيلسوف و المُفكّر والمؤرّخ الفرنسي Jean Bodin في كتابه الصادر أواخر القرن السادس عشر تحت عنوان Les six livres de la république، و ذلك بعد نهاية الحرب الطائفية و الدينية التي عاشتها فرنسا وانتهت بمذبحة ليلة الـ Saint Barthélémy سنة 1572. و كان هدفُه من إصدار هذا المُؤَلَّف هو إنقاذ المملكة (Sauver le Royaume) و إعادة الهيبة و السلطان لدولتها من خلال تثبيت وتدعيم سيادة حاكمها، الملك Charles IX. ثمَّ جاء  بعد حوالي القرنين   J.J. Rousseau وأصدر كتابه الشهير  Du Contrat Social ليتحدَّث فيه عن سيادة الأمَّة و سيادة الإرادة العامَّة، ثمَّ اعتمدت الثورة الفرنسية هذه النظرية و جعلت منها مبدءًا كونيًا ، فنصَّ إعلان حقوق الإنسان و المواطن على أنَّ “الأًمَّة هي مصدر كل سيادة” :

Le principe de toute souveraineté réside essentiellement dans la Nation. Nul corps, nul individu ne peut exercer d’autorité qui n’en émane expressément

كيف يُمكن التعريف بالسيادة و بمفاهيمها ؟ ما هي ثوابتها و خصائصها ؟ ما هي أصنافها ؟ ما هو تأثير العولمة عليها ؟

1 – التعريف بالسيادة و بمفاهيمها

لغةً و اصطلاحًا، “السيادة” هي أن تمتلك “الدولة” السلطة  العليا و الهيمنة المُطلقة والتحكُّم الكامل على/ و في أرضها و رعاياها و مؤسساتها و خياراتها و مواقفها، و أن تكون مستقلةً عن أيّ سلطان آخر سواءً كان داخليا أو خارجيا، و أن تكون لها الكلمة العليا و الوحيدة في جميع ما تقوم به من أعمال، و أن لا تعلو عليها أية سلطة أو أي هيكل أو كيان آخر.

السيادة هي كذلك و وجوبًا أن تكون السلطة نابعة من الشعب، و أن تكون نظامًا تمثيليا لكافَّة شرائح المواطنين دون تمييز. و قد كانَ قديمًا و لفترة طويلة يُعتقدُ أنَّها، أي السيادة، ممنوحة من الإله وحده.

السيادة هي أن تكون سلطةُ الدولة منبعَ كافة السلطات الأخرى داخل تراب البلاد، مهما كان نوعها و مجالها و حجمها.

مفهومُ السيادة و مصطلحُها مرتبطان إذن بالدولة وحدها، و لا يُمكن تجزئتُها أو اقتسامُها، إذ أنَّ السلطات داخل البلد الواحد لا تتقاسم السيادة، و إنَّما تتقاسم الاختصاص.

يتبيَّنُ من خلال ما سبق أنَّ مفهوم السيادة يشمل في ذات الوقت “سيادة الدولة” والسيادة في الدولة”، أي، من ناحية، السلطة السياسية المنوطة بعهدة الدولة بصفتها كيانًا يتحكَّم في أرضٍ وفي شعبٍ، و من ناحية أخرى، النفوذ الموكول إلى صاحب السيادة الفعلي في الدولة (الحاكم)، ثمَّ تطوَّر المفهوم، و خاصَّة بعد ظهور مبادئ الديمقراطية و حقوق الإنسان منذ نهاية القرن الثامن عشر، فأصبح من المُسلَّم به أنَّ السيادة الوطنية لا تعني السلطة على الناس وعلى أفكارهم و خياراتهم بحسب أهواء مُتولِّي أمرِهم (الحاكم)، بل هي تعني التركيز على عمل المؤسسات و استبعاد النزعة الفردية للحكم و احترام حقوق الإنسان الفرد و حقوق الأقلّيات الإثنية و العرقية والدينية، كما تعني البحث عن أنجع السُبُل للتنمية الشاملة على جميع اللأصعدة بصفة عادلة.

ثمَّ أتى ميثاق الأمم المتَّحدة ليُكرِّس مبدأ السيادة و يجعلَ منه ركنًا من أركان قوانينه وممارساته، فنصَّ على أنَّ جميع الدول الأعضاء مُتساوية في الواجبات والحقوق :

 Chapitre I, Article 2, alinéa1er : L’Organisation (des Nations Unies) est fondée sur le principe de l’égalité souveraine de tous ses membres. 

على أنَّ بعض الخروق و الاستثناءات قد وُجدت على أرض الواقع، على مستوى مجلس الأمن بالخصوص.

و منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، أصبحت السيادة الوطنية في مفاهيمها السالفة الذكر محلَّ جدلٍ ونقاشِ عميقين، و ذلك إثر ظهور ماسُمّيَ و  يُسمَّى بـ “نظام العولمة”، و هو ما سيتمُّ التعرُّض إليه في نهاية هذا المقال.

2 – ثوابت السيادة و خصائصها

عدَّدَ الباحثون و الأخصّاَئيون ما لا يقلُّ عن 7 خصائص للسيادة، فذكروا :

1 – أنَّ السيادة دستورية و قانونية، أي أنَّها مُدَوَّنة و مُوَثَّقة في نصوص مُلزمة لجميع السُكَّان، قادةً و رعيةَ، المُتواجدين داخل البلاد أو خارجها، إذ يكادُ لا يخلو دستورٌ من الدساتير  المُعتمدة في جميع دول العالم من التنصيص بلغة صريحة على السيادة (الدستور التونسي ينصُّ في فصله الأوَّل على أنَّ “تونس دولة حرَّة، مستقلَّة، ذات سيادة، الإسلامُ دينُها ، و العربيةُ لُغنُها و الجمهوريةُ نظامُها”، و في فصله الثالث على أنَّ “الشعب هو صاحب السيادة و مصدر السلطات، يُمارسُها بواسطة مُمثّليه المُنتخبين أو عبر الاستفتاء”

2 – أنَّ السيادة سامية و شاملة، أي أنَّها لا تستثني أحدًا أو مجموعةً أو طائفةً من السُكَّان والمُقيمين من غير رعاياها، باستثناء طبعًا الدبلوماسيين و موظَّفي و عملة الهيئات و المنظمات الدولية، و هي تستوجب الطاعة و احترام القانون من الجميع،

3 – أنَّ السيادة مُطلقة و عامَّة، بمعنى أنْ لا سُلطة و لا هيئة أعلى منها داخليًا و خارجيًا. و هذه رُبّما هي أعلى و أدق خصائص السيادة و مُميّزاتها إذ منها تتفرَّعُ السيادات الأخرى،

4 – أنَّ السيادة دائمة و مُستمرَّة، أي أنَّها لا تخُصُّ جيلاً أو فترةً أو زمنًا دون ما سبق و دون ما سيلي، و هي تدوم بدوام الدولة و تزول بزوالها، فالحكومات و الهياكل تتغيَّر، و الدولة تبقى،

5 – أنَّ السيادة غير قابلة للتصرُّف و الاجتهاد و لا يُمكن التنازُل عنها جزئيًا أو كلِّيًا أو تجزئتُها، وذلك ما يعني أنَّه لا توجدُ في الدولة الواحدة سوى سيادةٍ واحدة، و ليس للنظام الفدرالي، على سبيل الذكر، أيُّ تأثيرٍ على هذه الخاصّية، اعتبارًا بأنَّ السيادة قائمةٌ بذاتها و تشمل كافة الأقاليم و الولايات و المُقاطعات، كما أنَّ نظام “الحُكم المحلّي” (قانون الجماعات المحلّية)، المُتحدّث عنه في بلادنا منذ مدَّة، لا يتضارب هو الآخر مع هذه الخاصّية حسب واضعيه، الذين يُؤكّدون أنَّ الذين يعتقدون أنَّه سيؤدّي إلى تفكيك الدولة و تجزئة سيادتها و زوال وحدتها مُخطؤون.

6 – أنَّ السيادة مُهيكلة و مُراقبة، إذ أنَّها تخضع لضوابط و حدود يفرِضُها القانون و يسهرُ على احترامها مُمثّلو السُكَّان – السلطة التشريعية – و كذلك الساهرون على مراقبة القوانين والتشريعات و تطبيقها – المجلس أو الهيئة الدستوري(ة) و السلطة القضائية –.

7 – أنَّ السيادة لا تتناقض مع ما تتمتَّعُ به من استقلالية و حياد بعضُ الهيئات و أغلبُ المُنظَّمات و الجمعيات، و حتَّى بعض المُؤسسات (مثل البنك المركزي). فهذه الهياكل على تنوُّعها واختلاف مهامِّها و صيغِها لا يُمكن لها أن تنشط خارج القانون، أي أن تتهرَّب من سلطة الدولة و أن لا تحترم سيادتَها، و إن كان لدينا بعض الأمثلة التي تُبيِّنُ عكس ذلك، و هي حالات نادرة و شاذّة، و الشاذ يُحفظ و لا يُقاسُ عليه.

في سياق الحديث عن الصبغة الشمولية للسيادة، تجدر الإشارة إلى أنَّ للسيادة تقسيمات متباينة، و لكنها في ذات الوقت متكاملة، إذ هي تشمل السيادة الداخلية (التي تمَّ التعرّض إليها في ما سبق من هذا المقال)، و السيادة الخارجية (التي أُشر إليها دون تعمُّق و تحليل). والسيادة الخارجية (التي يكثُر الحديث عنها في بلادِنا منذ مُدَّة) تعني عدم خضوع الدولة لأيّةِ جهةٍ أو سلطةٍ خارجية أو  دولة أجنبية أو هيئة دولية، أي تمتّعَها باستقلالها و بحق تقرير مصيرها و بحرّية قرارها و سيادة مواقفها.

3 – أصناف السيادة

تُعتبر الدولة كاملةَ السيادة إذا كانت تتمتَّعُ بكامل مقوّمات سياستها و خياراتها في الداخل و مع الخارج، و إذا كانت لها الحرّية المُطلقة في إقامة علاقات (أو عدم إقامتها أو تجميدها أو قطعها) مع كافة الدول الأخرى و مع المنظمات الجهوية و الإقليمية و القارّية و الدولية على اختلاف أنواعها. و من خلال إلقاء نظرة سريعة على تاريخ الأمم والشعوب، يُمكن تصنيف الدول ناقصة السيادة (مقارنةً بالدول كاملة السيادة) إلى خمسة أصناف، بعضها لا يزال قائمًا إلى اليوم وبعضها الآخر اضمحَلَّ أو انتهى العمل به. و هذه الأصناف هي :

1 – الدول التابعة، أي الدّول التي خضعت خلال فترة من تاريخها إلى سلطة دول أخرى في مجالي العلاقات الخارجية و الأمن – و في بعض الأحيان في كامل أو مُعظمِ صلاحياتها الداخلية الأخرى أيضًا – و هو ما كانت عليه الدول و الإيالات التابعة للسلطنة العثمانية (صربيا، رومانيا، بلغاريا، تونس، طرابلس، الجزائر، مصر،…)،

2 – الدول المحمية، أي التي وُضعت لفترة ما تحت حماية دولة أخرى، إمَّا بمقتضى اتفاقية دولية (كحماية فرنسا لإمارة Monaco و حماية إيطاليا لجمهورية San Marino)،  أو بمقتضى اتفاقية ثنائية، و هي اتّفاقيات غالبًا ما تكون مفروضة (كحماية فرنسا لتونس و المغرب و حماية بريطانيا لبعض إمارات و دول الخليج)،

3 – الدول الموضوعة تحت الانتداب، و هو نظام ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ليُطَبَّقَ مؤقَّتًا من قبل الدول المنتصرة على الدويلات أو الأقاليم و الأراضي التي انفصلت عن السلطنة العثمانية (مثل العراق و شرقي الأردن و فلسطين) أو التي تحرَّرت من الاحتلال من طرف إحدى القوى المُنهزمة،

4 – الدول تحت الوصاية، أي الدول و الأقاليم التي كانت تحت نظام الانتداب و الأقاليم التي تمَّ اقتطاعُها من الدول المنهزمة خلال الحرب العالمية الثانية (مثل الصومال، ليبيا، إيريتريا) لتُوضع تحت نظام جديد مؤقَّت بإشراف المُنتظم الأممي،

5 – الدول المُحايدة، أي التي اختارت عدم المشاركة في الحروب و النزاعات، حتى تلك التي تدور رحاها غير بعيد عن حدودها، كما اختارت عدم الدخول في أحلاف أو معاهدات (مثل سويسرا و النمسا)، و هي في الحقيقة دول ليست ناقصة السيادة بأتمِّ معنى الكلمة، اعتبارًا بأنَّها اختارت التخلّي عن بعض حقوقها طوعًا.

و يُمكن أن نظيف إلى هذه الأصناف “الأوطان” التي لم يتحدَّد مصيرُها إلى حدِّ الساعة، و التي ليست لها سيادة و لم يُعترف بها عالميًا و بالإجماع كدولة (مثل فلسطين)، كما يُمكن أن نُظيف بعض الأنظمة التي هي في ظاهرِها و قانونيا (de jure) مُستقلَّة و ذات سياسة، و في باطنها و في الواقع (de facto) مُنتمية إلى إحدى الأصناف الخمسة المذكورة آنفًا.

بالنظر إلى هذا التصنيف، يُمكن أن نلقي نظرة سريعة على تاريخ بلادنا (وهنا يُستحسن استعمال كلمة “بلاد” و اجتناب كلمة “دولة” لأنَّ الأنظمة التي قامت في هذه الرقعة من الأرض، تونس، اختلفت و تباينت من حيثُ مدلولُها و أركانُها) لنرى كيف كانت السلطة فيها و إلى أي مدًى كانت لها سيادة.

سيقتصر الحديث عن هذه المسألة على الفترة من تاريخ الفتح (أو الغزو) العربي الإسلامي إلى اليوم، أي من أواسط القرن السابع إلى بداية القرن الواحد و العشرين. خلال كامل هذه الفترة (14 قرنًا، تحديدًا 1370 سنة) مرَّت البلاد بردَهاتٍ كانت لها فيها دولة ذات سيادة و أخرى لم تكن لها فيها دولة و لم تكن صاحبة قرارها كُلِّيًا أو جزئيًا. و لاختزال هذه المُدَّة من هذا المنظور، يُمكنُ الوقوف على المعطيات التاريخية التالية :

1 – عاشت إفريقية (تونس حاليا) في تبعية كُلّية أو جزئية، دائمة أو محدودة زمنيًا، لفترة فاقت السبعة قرون (735 سنة) تُجاه الخلافة الراشدة، فالخلافة الأموية بدمشق، فالخلافة العباسية ببغداد، فالخلافة الفاطمية بالقاهرة، فالدولة الموحدية بالمغرب، ثم الباب العالي في إسطنبول،

2 – استُعمرت البلاد استعمارًا تامًّا في ثلاث مناسبات متباعدة لمدّة 76 سنة (النورمان 12 سنة، و الموحدون 47 سنة، و العثمانيون / عهد الباشاوات 17 سنة)،

3 – عاشت البلاد فترتي حماية خلال 76 سنة (سنة واحدة تحت الحماية الأسبانية و 75 تحت الحماية الفرنسية)،

4 – عرفت البلاد فترات استقلال متقطّعة، فكانت لها سيادة (تامَّة أو منقوصة حسبما يراه كل محلّل و كلّ مُطَّلع) لمدّة 5 قرون ( 3 قرون و نصف / 342 سنة تحديدًا خلال العهد الحفصي، و62 سنة تحت الخلافة الفاطمية بالمهدية و 62 سنة خلال السنوات الأخيرة من فترة حُكم آخر البايات الحسينين و على كامل فترة العهد الجمهوري / من 1956 إلى اليوم)، و أخيرًا 15 سنة خلال فترات انفراد بعض الثوار أو الثائرين من أبنائها بالحكم.

4 – السيادة و العولمة

مُصطلح “العولمة”، الذي هو ترجمة لكلمة Globalization الانقليزية، ثُمَّ تُرجم إلى الفرنسية فأصبح   Globalisation أو Mondialisation ، يعني في الأصل “تعميم الشيء و اكتسابه الصبغة العالمية و توسيع دائرته ليشمل العالم كلِّه”. و “العولمة” بهذا المعنى تعني أنَّ الاقتصاد و التجارة و الاتّصال، و عمومًا جميع أوجه الحياة و جميع مجالات النشاط، لم تعُد لها حدود جغرافية، و هي تعني كذلك أنَّ التكتّلات الكبرى (كالاتحاد الأوروبي، و الاتّحادات القارّية الأخرى، و منظَّمة التجارة الدولية، و المؤسسات المالية و المصرفية الدولية، و الشركات العملاقة و متعددة الجنسيات ، و كذلك أغلب الدول العظمى، و في مقدّمتها الولايات المُتَّحدة منذ نهاية القُطبية الثُّنائية، أصبحت في وضعية شبه أعلى و شبه أسمى من الدول و من الأنظمة القائمة، أي أنَّها أضحت لا تُقيمُ وزنًا للسياسات الوطنية، فنتج عن ذلك أنْ صارت سلطة الدول، أي سيادتُها كما تمَّ التعريف بها في ما سبق، محدودة، أو هي على الأقل غير مُطلقة و غير سامية وغير شاملة و غير كاملة و غير مُستمرَّة (إشارة إلى الخصائص المذكورة آنفًا باستعمال نفس النعوت)، كما أضحى القرار الوطني (في البداية في المجالات الاقتصادية والتجارية فحسب، لكنَّه اليوم أصبح يطالُ المجالات السياسية) غير مستقل و غير سيادي. و هذا التقويض و هذا التآكُل، اللذان أخذا طريقًا ليس فيها رجعة، لم يمسَّا جانب العلاقات الخارجية من مكوّنات السيادة الوطنية فحسب، بل هُما بدءا يتسلَّطان على السياسة الداخلية للدول، وبالخصوص الضعيفة و المتوسّطة منها. و قد كانت أولى الذرائع لانتهاك سيادة الدول في إطار “العولمة” ما سُمّْي “مبدأ التدخُّل الإنساني” (Intervention humanitaire)، ثمَّ “حقّ التدخُّل” (droit d’ingérence) الذي تطوَّر ليُصبح “واجب التدخُّل” (Devoir d’ingérence)، و هو ما أدَّى في النهاية إلى مراجعة و تعديل مفهوم “سيادة الدولة” بتعلَّة الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها، كما أدَّى إلى تسييس التحرّكات الإنسانية و مواقف المساندة و التعاطف، لاستعمالها ذريعةً للضغط على بعض الدول و الأنظمة دون غيرها.

هذا الطرح يجرُّ حتمًا إلى التساؤل : هل أنَّ نظام “العولمة” أدَّى اليوم إلى إرساء “سوق حرّة” للأفكار و المواقف و الخيارات، و أسقط بذلك الحواجز و الدروع التي كانت عديد الدول تحتمي بها بتعلَّة صيانة حرّية قرارها و الذود عن سيادتها ؟ و هل أدخلت العولمة ارتباكًا على مراكز القرار الوطنية، فأصبحت تُخضِعُ الدول و الأنظمة إلى قواعد عمل جديدة و نُظمِ إشراف ورقابة و تفتيش فوق– وطنية (supranationales)، و ذلك من خلال تزايد جماعات الضغط “العابرة للقارَّات” و عجز الدول على السيطرة على مكوّنات سيادتها و دعائمها ؟

ختامًا، و بناءً على ما سبقت الإشارة إليه، يحقُّ لأيٍّ كان أن يتساءل اليوم، و بكلّ هدوءٍ ورصانة، هل أنَّ أركان السيادة و خصائصها بمفهومها الداخلي و الخارجي متوفّرة في مجموعة البلدان التي ننتمي إليها ؟ و هل أنَّ قرارات هذه المجموعة، التي تخصّ الشأن الداخلي والبعض من المواقف على صعيد العلاقات الدبلوماسية، مستقلّة و سيادية كما تُريدها قياداتُها وشعوبها ؟ هل أنَّ العولمة و نوعية العلاقات الجيوستراتيجية التي أصبحت تقودُ العالم اليوم هي الوحيدة المُتسبّبة في تقلُّص سيادة الدول ؟ أم أنَّ هناك ضغوطًا و إكراهات أخرى مُسلَّطة و لا طائل لأيٍّ كان للتصدّي إليها أو للتهرُّب منها.

عبد الوهاب الجمل

21 جويلية 2018

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer