السياسة الخارجية التونسية : ماذا فعلنا بثوابتها ؟

السياسة الخارجية التونسية : ماذا فعلنا بثوابتها ؟

0
PARTAGER

السياسة الخارجية يمكن تعريفها بأنّها مجموعة التوجهات التي تحدد طريقة تعامل أي دولة مع الدول الأخرى ومجابهة المستجدات التي تحدث في العالم .والدبلوماسية هي الأدوات التي تستعملها الدولة لتنفيذ تلك التوجهات. والدبلوماسية تحتاج حتى تحقق النجاح الى توجهات واضحة وإلى جهاز تنفيذ ناجع.

وتعتمد السياسة الخارجية أولا على مبادئ أساسية أو ما يعرف بالثوابت التي ترتبط بتاريخ وجغرافية أي بلد وبقراءة واقعية لمصالحه العليا الطويلة الأمد. كما تعتمد على تعامل محكم مع المتغيرات، تعامل يرتبط  بالتصورات التي يمكن أن تكون لأي حكومة حول المصالح القصيرة والمتوسطة الامد دون التفريط في المبادئ الأساسية، فالثوابت قارة ولا يجب أن تتغير بحسب مواقف الحكومات المتعاقبة، على أن المتغيرات يمكن أن تخضع لهذه المواقف. وفي كل الحالات يجب على جهاز التنفيذ أن يكون مهنيا وأن يعطى السياسة الخارجية وجها موحّدا وأن يجعلها فوق التجاذبات الحزبيّة.

على ضوء هذه المقدمة فلننظر إلى ماضي وحاضر السياسة الخارجية التونسية:

تونس ما فتئت تتوفر منذ حصولها على الاستقلال وخلال العقود الأولى على دبلوماسية نشطة بوأتها مكانة مرموقة في الخارج رغم تواضع إمكانياتها المادية ومحدودية رقعتها الجغرافية.  ذلك لأنّ هذه الدبلوماسيّة كانت مسنودة بتوجهات سياسية واضحة وضع أسسها الزعيم الحبيب بورقيبة وسهرت على تنفيذها ثلة من الدبلوماسيين المقتدرين. والسياسة الخارجية التي انتهجتها حكومات الاستقلال الأولى اعتمدت على مجموعة من الثوابت يمكن أن نحصرها في عشر نقاط لازالت تحتفظ بكل أهميتها وهي :

  1. عدم التفريط في حرية القرار الوطني.
  2. التمسك بالشرعية الدولية وبميثاق الأمم المتحدة
  3. الالتزام بتعهدات تونس الدولية.
  4. احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية (ممّا يحتّم الامتناع عن الانضمام لتحالفات تضرب هذا المبدئ).
  5. المساهمة في فض النزاعات الدولية بالطرق السلمية.
  6. مناصرة قضايا الحق والعدل وخاصة القضية الفلسطينية وفق تمشي عقلاني ورصين.
  7. الحرص على سياسة حسن الجوار.
  8. الوفاء للانتماءات الجغرافية والثقافية للبلاد وتوسيع دائرة الصداقات والتعاون خدمة لمصالح تونس الأمنية والاقتصادية ومصالح جالياتها في الخارج.
  9. الالتزام بالاعتدال والاتزان في المواقف.
  10. وفي كل هذا يقع احترام وحدة الموقف لدى القائمين على السياسة الخارجية التونسية لتفادي اعطاء اشارات متضاربة للعالم.

وقد برزت خلال العقود الأخيرة مبادئ جديدة سميت بالمبادئ الكونية ومن بينها احترام حقوق الإنسان وإعطاء الشعوب حرية أكبر في التعبير وفي المشاركة السياسية. وقد جوبهت هذه المبادئ الكونية قبل الثورة بالتردد احيانا وبالصد أحيانا أخرى مما وضع دبلوماسيتنا في مواقف حرجة وخلق تضاربا بين ارتباطاتنا الخارجية من جهة وواقع السياسة الداخلية الرسمية من جهة اخرى. وكنّا ننتظر جميعا أنّ نجاح الثورة التونسية سيجعل بلادنا تتصالح مع المبادئ الكونيّة دون التنكّر لمبادئها الأساسية. وكنّا نعتقد أنّ ذلك سيجعل سياستنا الخارجية تحافظ على المكلسب وتبني على ما أسبغته الثورة على بلادنا من سمعة منقطعة النظير بما ينمّي مصداقيتها ويقوي مناعتها ويعطي دفعا جديدا لاقتصادها.

إلاّ أنّ دخول بلادنا فترة من التذبذب في الحكم بعد الثورة جعل سياستنا الخارجية تتخلى – من حيث تعلم او لا تعلم – عن البعض من ثوابتها تارة بأمس « الثورجية » وتارة أخرى باسم الانتماءات العقائدية او الواقعية إن لم نقل الميول الشخصية. ومن التناقضات التي شهدناها يمكن أن نذكر ما يلى :

  • في حين أن تونس كانت دائما تتفادى المحورية في علاقاتها الخارجية وتتمسك بحرية قرارها الوطني فإنّها أعطت الانطباع بالدخول في سياسة المحاور مع تغيير هذه المحاور بتغيّر الحكومات الى أن وصل بها الأمر إلى الانضمام بصفة فجئيّة لتحالفات عسكريّة غير واضحة المعالم ولم تتأكد في البعض منها مصلحة واضحة لتونس بل وقد تزج بنا في قضايا لا تمت بصلة لأهدافنا الأمنيّة. صحيح أن مقاومة الإرهاب بالنسبة لنا يتطلب منّا صداقات ومساعدات خارجية ولكن هذا لا يتأتى من تجمعات تغلب عليها الهيمنة او النزعة الطائفية ولا كلمة لنا فيها، بل من علاقات ثنائية مع دول الجوار أولا ثم مع الدول الأخرى القادرة على توفير الدعم التكنولوجي واللوجستيكي لبلادنا الى جانب العمل من خلال المنظمات الإقليمية والدولية لمزيد الضغط على التنظيمات الإرهابية لتجفيف منابع تزويدها بالمال والعتاد.
  • في حين أنّ تونس عملت دائما على المساهمة في حل النزاعات بالطرق السلمية وسهرت على تفادي التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وعلى اتباع سياسة خارجية معتدلة، رأيناها تساهم – من حيث تدري او لا تدري – في زعزعة الاستقرار في سوريا وإدخالها في حرب أهلية دامية من دون أن تساعد الشعب السوري على تحسين اوضاعه السياسية. وقد حال تدهور الوضع في ذلك البلد الشقيق الى اليوم دون تطبيع علاقاتنا معه خدمة أولا لمصالحنا ومصالح جاليتنا هناك ثم لمحاولة لعب دور ايجابي في ايجاد الحلول السياسية المنشودة. ويذكّر هذا بالقرار الذي اتخذ منذ أكثر من عقدين – عند احتلال النظام العراقي السابق لدولة عربية أخرى- بمساندة ذلك الاحتلال ظنّا بأن ذلك يتماشى مع ميول الشعب التونسي آنذاك ومشاعره، مما تسبب لبلادنا في حرج مع عدد كبير من الدول العربية والغير عربية دام لسنوات عديدة.
  • في حين أنّ تونس تمسكت دائما بسياسة حسن الجوار رأيناها في ليبيا تنتهج سياسة متقلبة بداية بمساعدة الثوار ضد النظام السابق ثم بمساندة شق ضد شق آخر ثم الترفع عن المفاوضات الرامية لإيجاد حلّ سياسي للأزمة تاركة تلك المفاوضات تتلاعب بها جهات متعددة الى أن وجدنا بلادنا في مجابهة إرهاب قادم من حدودنا الجنوبية بالأساس من دون أن يكون لنا مخاطب في القطر الليبي يساعدنا على مواجهة هذا الخطر. وبعد أن أنتجت المفاوضات « حكومة وفاق وطني »، احتضنت تونس هذه الحكومة آملة أن يقع قبولها من طرف كل المجموعات الليبية الفاعلة وهو ما قد يتحقق او لا يتحقق. وعلى كل حال فإنّه من الثابت أنّ القوى الإرهابية ستبقى مناوئة لهذه الحكومة. وكان الأولى بنا – بمعية دول الجوار الأخرى – أن نضع منذ البداية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة امام مسؤولياته عملا بمبدئ الاعتماد على الشرعية الدولية مع السهر على أن يأخذ هذا المجلس قرارات حازمة يقع تنفيذها بالسرعة اللازمة ودون إعطاء التنظيمات الإرهابية مزيدا من الوقت للانتشار في ذلك البلد وتهديد الدول المجاورة.
  • في حين أن تونس استطاعت لعقود عديدة توسيع دائرة صداقاتها في العالم، أدت جملة من المواقف الانزوائية لبعض الجهات في تونس ما بعد الثورة الى تعطيل هذا التوجه وتضييق امكانيات التواصل والتعاون مع الخارج. ثم لمّا بدأ حكامنا في الاقتناع بضرورة تنويع علاقاتنا الخارجية للخروج بها من البوتقة الضيقة التي وضعتها فيها الحكومات التي سبقت، رأينا التعاون الخارجي يعرف تطورا دون الوصول الى مستوى الانتشار الذي عرفناه في السابق. وكأنّي بأصحاب القرار عندنا لم يقتنعوا  بما فيه الكفاية بدخول العالم في فترة من التعددية القطبية التي تتطلب الخروج من الأنماط التقليدية وإيلاء الفاعلين الجدد مثل روسيا والصين والهند وبعض دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية أهمية أكثر في تعاملاتنا ليس فقط لأسباب اقتصادية ولكن أيضا لأسباب جيوإستراتيجية.
  • في حين كانت الدبلوماسية التونسية تتحدث بصوت واحد وكان جهاز تنفيذها يحظى باحترام الجميع، أصبحت دبلوماسيتنا منذ الثورة يشوبها التضارب بل أصبحنا نرى رؤساء أحزاب سياسية يأخذون مبادرات قد تلقي بظلالها على الدبلوماسية الرسمية وتشكك في مصداقيتها في وقت أصبحت فيها وزارة الشؤون الخارجية عرضة لتقلبات داخلية ولإكراهات خارجية. وأضحى ما يعوز سياستنا الخارجية ودبلوماسيتنا ذلك التوافق الذي كانت تحظى به في الداخل خلال العقود الماضية وهو ما أضر ببلادنا كما حدث ذلك مؤخرا في موضوع تصنيف حزب الله من بين التنظيمات الإرهابية.

————————-

ولا شك أنّ  الحكومة الحالية وكذلك السيد رئيس الجمهورية عملا منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة على تخليص السياسة الخارجية التونسية من البعض من الشوائب التي أضرت بها خلال السنوات السابقة ورأينا رئيس الجمهورية ذو الخبرة المشهود بها في هذا الميدان يؤكد مرار وتكرارا على تمسكه بالثوابت الأساسية لبلادنا وبالمبادئ الكونية التي التزمنا بها منذ الثورة. وفي الحقيقة ما تنكرت دولة لثوابتها ومبادئها إلاّ وفقدت نبراسها وضيعت مصالحها وثقة المجتمع الدولي فيها. وإن التمسك بثوابت السياسة الخارجية التونسية في الماضي خدم بلادنا ومكنها من احترام الجميع ومن تعاون مثمر مع الشرق والغرب، مع الشمال والجنوب على حد السواء. أما الابتعاد عن تلك الثوابت لأي سبب من الأسباب فله تبعات سيئة بلادنا  هي في غنى عنها.

على الحشاني

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire