السياسة الخارجية لدى الحبيب بورقيبة دبلوماسية البراغماتية و النظرة الاستشرافية ...

السياسة الخارجية لدى الحبيب بورقيبة دبلوماسية البراغماتية و النظرة الاستشرافية الثوابت و المتغيرات

0
PARTAGER

بمناسبة الذكرى 16 لوفاة الرئيس الحبيب بورقيبة نورد فيما يلي مقالا مقتضبا عن الخطوط الكبرى للسياسة الخارجية في المنظور البورقيبي

رغم أنه درس العلوم السياسية إلى جانب الحقوق في باريس لم يُعرف عن بورقيبة اهتمامه بالشؤون الدولية خلال إقامته في العاصمة الفرنسية عدا مشاركته في الحراك الجاري هناك في بداية العشرينات عند صعود الفكر الاشتراكي و انتصار الثورة البولشيفية و حتى بعد عودته إلى تونس وانخراطه في العمل السياسي و الصحفي  فقد انصب اهتمامه على الشؤون الداخلية دون غيرها و كان ينتقد بشدة تصرفات المستعمرين تجاه التونسيين في حياتهم اليومية دون أن يشير إلى القوى الخارجية  باعتبار أنه كان يقاوم الاستعمار الفرنسي لا فرنسا بلد حقوق الإنسان و الأنوار.

أول مبادرة دبلوماسية للحبيب بورقيبة  كانت  في الرسالة التي وجهها للدكتور الحبيب ثامر و كان آنذاك رئيس الحزب الحر الدستوري الجديد بالنيابة و ذلك في 10 أوت 1942 من برج سان نيكولا الذي نقل له في ماي 1940 عندما بدأت الحرب العالمية الثانية و قد كان حينئذ سجينا لدى المستعمر الفرنسي إثر أحداث افريل 1938. في هذه الرسالة نبه الحبيب بورقيبة من خطورة الوقوف إلى جانب المحور داعيا القوى الوطنية إلى مساندة الحلفاء و كتب بالحرف الواحد: » إن ألمانيا لن تنتصر في الحرب و لا يمكن لها ان تنتصر فبين العملاقين الروسي و الأنغلوساكسوني الذين يحتلان البحار و الذين يملكان إمكانيات صناعية لا حصر لها فإن ألمانيا سيقع سحقها. و إني أعطيكم الأمر لكم و للمناضلين للدخول في علاقة مع الفرنسيين المقربين من الجنرال ديغول لتوحيد عملنا السري. يجب أن تكون مساندتنا غير مشروطة إنها قضية حياة أو موت بالنسبة لتونس ».

إن هذا الموقف لم يكن قائما على خيار إيديولوجي بل كان يعبر عن براغماتية عُرفت  بها الدبلوماسية البورقيبية كما أنه جاء ليُبرز بعد نظر زعيم الحركة الوطنية لا في الكفاح الداخلي بل في القضايا الدولية. بعد أن وضعت الحرب أوزارها وجد بورقيبة نفسه في صف المنتصرين و قد تدعمت علاقته بفضل ذلك مع العالم الحر و في مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ازداد تمسكا بهذه العلاقة بعد قيام منظمة الأمم المتحدة التي اتخذت من نيويورك مقرا لها و قد أحس الزعيم بحدسه الثاقب أن تونس البلد الصغير يمكنه أن يعول على هذه المنظمة التي تمثل الشرعية الدولية لدعم المطالب المشروعة للشعب التونسي. وقد تحول  إلى كبرى المدن الأمريكية عام 1946 أي سنة واحدة بعد إنشاء المنتظم الأممي للتعريف بالقضية التونسية.

كان ذلك بعد عام واحد من انتقاله خلسة إلى مصر عبر الأراضي الليبية في أفريل 1945 ليطلب من جامعة الدول العربية التي أُنشئت في تلك السنة أن تضع القضية التونسية في جدول أعمالها و كان ذلك من منطلق اعتبار البعد العربي لتونس البعد الأساسي في علاقاتها مع الخارج و رغم الرد الذي تلقاه من الأمين العام للجامعة آنذاك  عبد الرحمان عزام باشا من أن  الجامعة منشغلة بالقضية الفلسطينية و أنه عندما تفرغ منها فستهتم بالشأن التونسي فإن التوجه للجامعة العربية يقيم الدليل على حرص زعيم الحركة الوطنية على إعطاء الأولوية للعلاقات الطبيعية مع المحيط العربي. و من القاهرة تحول بورقيبة إلى سوريا و لبنان أولا ثم إلى المملكة العربية السعودية حيث التقى في الرياض بالملك عبد العزيز آل سعود  الذي مده بالدعم المادي و المعنوي لمواصلة الكفاح. و منها تأتي العلاقة الاستراتيجية التي ربطها مع المملكة السعودية و التي تدعمت بشكل واضح خاصة في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز و إخوته من بعده.

الحبيب بورقيبة انتهز وجوده في القاهرة و كانت من كبريات العواصم في العالم لزيارة عديد البلدان شرقا و غربا حيث وصل به الترحال إلى أندونسيا و باكستان التي ربط مع زعمائهما علاقات وطيدة تترجمت من خلال مساندة هذين البلدين للقضية التونسية في المجتمع الدولي الذي بدا في التشكل حينئذ.

البلد الكبير الوحيد الذي لم يزره الحبيب بورقيبة و كان يُذكر ضيوفه بذلك سنين طويلة بعد الاستقلال هو الاتحاد السوفيتي السابق و قد رفض القيام بزيارة رسمية تلبية لدعوة تلقاها من القيادة السوفيتية متعللا بأن الرجل الأول في البلد و هو الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد بريجنيف لن يكون في استقباله و قد ذكر المرحوم محمود المستيري و كان سفيرا في موسكو أنه لما جاء ليؤكد أمامه أهمية الزيارة أن بورقيبة قال له إن الاتحاد السوفييتي إن آجلا أو عاجلا سوف يسقط كقصر من الورق لأنه مبني على إيديولوجية آيلة للانهيار من الداخل و يذكر أنه استغرب من هذا التحليل الذي بينت الأيام صوابه. و هذا الموقف المبدئي لم يمنع رئيس الدولة من أن يربط علاقات جيدة مع الاتحاد السوفييتي و مع بقية الدول المنضوية في فلكه.

 كان  الحبيب بورقيبة حريصا حرصا شديدا على استقلالية القرار التونسي من ذلك انه كان من مؤسسي حركة عدم الانحياز صحبة عدد من عمالقة القرن العشرين من أمثال رئيس يوغسلافيا السابقة المارشال جوزيف بروز تيتو و الزعيم الهندي جواهر لال نهرو و الرئيس المصري جمال عبد الناصر و لم يكن ذلك مستغربا منه بالرغم من وقوفه إلى جانب العالم الحر و ربطه علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية  و لما جد الجد و بينت واشنطن عن وقوفها إلى جانب إسرائيل إثر الغارة الإسرائيلية الآثمة على حمام الشط  عام 1985هدد الرئيس بورقيبة بقطع العلاقات مع واشنطن إن هي استخدمت الفيتو في مجلس الأمن ضد القرار التونسي و هو ما جعل  العملاق الأمريكي يتراجع و لا يستخدم حق النقض لأول و آخر مرة مقابل قرار يدين إسرائيل.

من ثوابت الدبلوماسية البورقيبية تقديم الرئيس بورقيبة للواقعية على حساب الإيديولوجيا أو الطوباوية وهو ما يظهر بوضوح في تعامله مع القضية الفلسطينية فهو يعتبر أن احتلال فلسطين هو  دون شك مظلمة القرن العشرين و لكن لا يمكن حل القضية على عدالتها بالشعارات و لا بالتهديد بإلقاء إسرائيل في البحر بل يجب التعامل مع القضية بواقعية و براغماتية  وذلك من خلال تعبئة الفلسطينيين للكفاح من أجل بلادهم دون غيرهم و دفعهم للمطالبة بحقوقهم من خلال الشرعية الدولية بالقبول بقرار التقسيم الذي أنشئت بمقتضاه إسرائيل و ذلك كمرحلة أولى في اتجاه استرجاع كل الحقوق السليبة. و قد قوبل هذا الموقف بالنقد و التجريح من طرف بعض القادة العرب الذي اتهموا بورقيبة بخيانة القضية العربية المركزية و قد بينت الأيام  مرة أخرى صحة التمشي البورقيبي.

مقاومة الاستعمار  في  المغرب العربي و إفريقيا  جنوب الصحراء كان من أولويات  الدبلوماسية البورقيبية بعد الاستقلال مباشرة و قد تمثل ذلك في احتضان الثورة الجزائرية سواء جيش التحرير الوطني على الحدود الغربية أو الحكومة المؤقتة في العاصمة التونسية و قد سخرت تونس كل إمكانياتها المتاحة لمساندة القضية الجزائرية فعليا و دبلوماسيا. و قد كان بناء المغرب العربي هاجسا لدى بورقيبة ولكنه لم يكن يؤمن بالوحدة الفوقية بل بضرورة بناء الوحدة على مراحل و بإقحام الشعوب في التوجه الوحدوي و هو ما أكده صراحة في خطابه الشهير بالبالماريوم أمام الزعيم الليبي معمر القذافي سنة 1971. و لئن استعجل قيام الوحدة من خلال إمضائه على إعلان جربة في جانفي 1974 فسرعان ما تراجع عن ذلك في تناغم تام مع أفكاره.

  كما أن تونس وقفت إلى جانب كل حركات التحرر في إفريقيا جنوب الصحراء و كان في ذلك في أقطار بعيدة عن تونس جغرافيا و حتى ثقافيا مثل أنغولا والموزمبيق  الذين كانا  يرزحان تحت الاستعمار البرتغالي أو إفريقيا الجنوبية التي كانت تعاني من التمييز العنصري و كان ذلك من منطلق موقف مبدئي لمساندة تحرر كل الشعوب التي مازالت تعاني من نير الاستعمار. و كان بورقيبة من مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية بعد القضاء على الاستعمار في القارة السمراء كما كان من المبادرين مع زعماء أفارقة من أمثال الرئيس السنغالي ليوبولد سيدار سنغور والرئيس النيجري حماني ديوري بإنشاء المنظمة الفرنكفونية في نطاق المصالحة مع الثقافة الفرنسية التي أضحت في نظره  ثقافة تتقاسمها كل البلدان المستعملة كليا او جزئيا للغة الفرنسية.

هذه بعض جوانب  من الدبلوماسية البورقييبية التي تعمل تونس حاليا على الاستلهام منها  وقد جعلت السياسة الخارجية التي وضع أسسها الزعيم الحبيب بورقيبة  لتونس صوتا مسموعا و صيتا يتجاوز  حجمها الجغرافي و الديمغرافي.

تونس في 6 أفريل 2016

رؤوف بن رجب

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire