الشرق الأوسط

الشرق الأوسط : كيف الخروج من الفوضى والحرب ؟

د. ناصيف حتي

يعيش الشرق الأوسط على صفيح ساخن عنوانه المواجهة الأمريكية العربية مع إيران التي فجّرها الانسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي مع إيران. وتوخياً للدقة فالدول العربية الحليفة لواشنطن « الأعضاء » في هذه المواجهة ليست منخرطة بالدرجة ذاتها لإعتبارات عديدة ومختلفة مع التأكيد على خلافها مع السياسة الإيرانية في المنطقة. يمكن الحديث عن « ثلاثية المواجهة » التي تقوم على عدم الإكتفاء بالإتفاق النووي بإعتباره ورقة قوية مريحة ومربحة في يد إيران لا يضمن عدم دخولها لاحقاً إلى نادي القوى النووية، ووقف تطوير إيران للصواريخ البالستية المتوسطة المدى وأخيراً الدور الإيراني التدخّلي في المنطقة. الدور الذي يقوم على منطق الثورة على حساب منطق الدولة في مسرح المواجهة الممتد من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا بشأن خاص.

وللتذكير فإن حلفاء واشنطن الأوروبيين متمسكين بالاتفاق ولو أن لهم العديد من الخلافات مع السياسة الإيرانية. يحاولون إحتواء الحريق ومنع تمدّده كما تدلّ على ذلك السياسة الفرنسية التي تعكس وتحمل الموقف الأوروبي بهذا الخصوص

الرئيس الأمريكي يطمأن إيران أنه لا يهدف إلى تغيير النظام بل تغيير سياساته ويدعو إيران إلى التفاوض حسب الآجندة التي وضعها عند الخروج من الإتفاق

نحن اليوم أمام سيناريوات ثلاث هي أولاً التفاوض الساخن على الأرض كما هو حاصل :

تفاوض التصعيد السياسي والدبلوماسي والإقتصادي وكذلك التصعيد العسكري بالوكالة : تصعيد بين حلفاء الطرفين من دول وقوى مقاتلة ومتقاتلة أساساً في « مسرح » المواجهة ونقاطه المشتعلة والمترابطة : إنه سيناريو إزدياد حدّة المواجهة وسخونتها للإمساك بأكبر عدد ممكن من الأوراق بإنتظار من سيصرخ أولاً في معركة عض الأصابع للانتقال إلى التفاوض حول الطاولة

إنه السيناريو الثاني المؤجل بالطبع وذات الموعد المفتوح في الزمان والذي تعمل له الوساطات التفاوضية عبر دور المسهل والمطمأن. إنه الدور الذي تقوم به أطراف عربية وغربية بشكل كلي أو جزئي لمفاوضات غير مباشرة في المرحلة الأولى بين واشنطن وطهران

ثالث هذه السيناريوات وهو سيناريو مستبعد كقرار سياسي لأحد طرفي الصراع ولو أنه قد يحصل عبر خطأ في الحسابات : إنه سيناريو الإنزلاق نحو المواجهة المباشرة أو الحريق الكبير الذي يطال الجميع

إن المطلوب لتلافي هذا الوضع الخطير « التفكير خارج الصندوق » إستناداً إلى تجارب دولية ناجحة حصلت في ظروف مشابهة بعض الشيء لما تعيشه المنطقة

المطلوب الابتعاد عن لعبة المصالحات التقليدية التي تكون بمثابة هدنة تستند إلى لحظة توازن قوى معينة. هدنة تبقى ضرورية ولكنها لا تتناول المسببات العديدة والعميقة وراء عدم الإستقرار والحروب المختلفة في منطقة لها قابلية خاصة لذلك بسبب ظروفها المجتمعية والاستراتيجية الراهنة

المطلوب مبادرة تنطلق بالطبع من ضوء أخضر لقوى عربية أساسية حتى تستطيع أن تجد طريقها إلى التطبيق لاحقاً. مبادرة يمكن وصفها  » بالمسار الثاني » : مسار تفاوضي غير رسمي يقوم على مشاركة شخصيات قريبة لمواقع القرار في دولها للولوج في حوار حول استكشاف وبلورة قواعد وأسس وأعراف لسلوكيات الدول في المنطقة. قواعد تقوم على ما يعرف « بمنطق وستفاليا » (نسبة إلى إتفاقية واستفاليا الأوروبية عام 1648) التي تقوم على تكريس منطق الدولة وإسقاط منطق التدخل تحت عناوين أخرى. منطق يقوم على إحترام الاختلاف وإدارته والبناء على المشترك. ويهدف ذلك إلى إقامة نظام إقليمي دولتي على قاعدة المبادئ المتفق عليها وليس الإستمرار في نظام فوضى إقليمية قائم على التدخل في شؤون الآخر بإسم ايديولوجيات كبرى تخدم مصالح القوى الحاملة لهذه الايدولوجيات. إن التوصل في المسار الثاني إلى بلورة قواعد من هذا النوع يسمح لتأسيس منظمة أمن وتعاون تضمّ الدول العربية وإيران وتركيا لا تشكل بديلاً عن المنظمات القائمة بل داعمة لها. نظام يشبه « مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي » الذي ولد عام 1975 والمعروف بمؤتمر هلسنكي والذي جمع الدول المتخاصمة من شرقية وغربية بعيداً عن منطق الحروب الايديولوجية

المطلوب مبادرة عربية فكرية سياسية لاطلاق هذا المسار الثاني الذي يجب أن يضم أيضاً وبالطبع شخصيات ايرانية وتركية إلى جانب شخصيات عربي : إنه مدخل أكثر من ضروري رغم التحديات الكبيرة والعديدة أمامه للولوج إلى عملية بناء نظام إقليمي طبيعي في المنطقة لمصلحة جميع دولها

ملاحظة : كاتب هذه السطور دعا في مقالة مشتركة منذ خمس سنوات مع كاتب ايراني هو السيد حسين موسفيان إلى إنشاء مؤتمر للأمن والتعاون في الشرق الأوسط (صحيفة الشرق الأوسط 10 حزيران /يونيو 2014

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer