العرب والتصعيد الأمريكي الإيراني: إلى أين؟

د. ناصيف حتي

اتخذت المواجهة الأميركية العربية مع إيران منحى تصاعدي خطير في حدته ورسائله منذ 8 أيار مع دخول العقوبات الأمريكية مرحلتها الثانية في الذكرى الأولى للإنسحاب الأميركي من الإتفاق النووي وجاء الرد الإيراني بمخالفةً خفيفة لبعض بنود الإتفاق من حيث الإحتفاظ بكمية من اليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة وعدم بيعها في السوق الدولية. ثم جاءت الهجمات « المجهولة المصدر » على الناقلات في خليج عمان والطائرات المسيرة على المنشأت النفطية السعودية حاملة أيضًا رسائل تصعيد. وتوج هذا الأمر بإعلان إيران إعطاء مهلة شهرين حتى الثامن من تموز للأطراف الأخرى في الإتفاق وتحديدًا الأوروبيين حلفاء واشنطن لإنقاذ الإتفاق قبل الذهاب في منحى تصعيدي لا يعرف بعد مداه وحجمه. نشهد لعبة تراشق كلامي وعرض عضلات إعلامية ولا يجب التفاجئ إذا شاهدنا مزيدًا من الرسائل التصعيدية خاصة بالوكالة في مسرح المواجهة الممتد من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان وقطاع غزه الجاهز لتصعيد متبادل مع اسرائيل بسبب صفقة القرن والمواقف المتصادمة بشأنها.
من خلال ذلك كله يمكن إدراج الملاحظات التالية:
أولاً: أن لا قرار بالحرب عند كل من الطرفين الأمريكي والإيراني لأن الحرب تشكل خسارة جسيمة للجميع والدخول في المجهول ولكن علمتنا دروس التاريخ أن كثير من الحروب حصلت نتيجة أخطاء في الحسابات أو تصعيد غير مدروس أو فشل في سياسة « حافة الهاوية » وذلك في إطار سياسة التصعيد لإرباك أو إضعاف الآخر في إحدى مسارح المواجهة.
ثانيًا: لا يمكن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا من قبل. « فالنزول عن الشجرة » كما يقال يستدعي إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه لكل من الطرفين الأمريكي والإيراني وهنا يأتي دور الطرف الثالث الوسيط لتوفير الإخراج المطلوب، خاصة أن واشنطن تربط العودة إلى التفاوض بسلة من الشروط منها إعادة النظر في الإتفاق النووي ومنها أيضًا موضوع الصواريخ البالستية المتوسطة المدى وكذلك الدور الإيراني التدخلي المباشر وعبر وكلاء في دول عديدة في المنطقة.
ثالثًا: أبدى أكثر من طرف خليجي وكذلك سويسرا حيث أودع الرئيس الأمريكي رقم الهاتف « ليتصل به الإيرانيون عندما يودون التفاوض »، الرغبة والإرادة بالمتوسط. وبدأت دبلوماسية « الطرف الثالث » بالتحرك في هذا الخصوص ضمن نطاق كبير من السرية بغية إنجاح هذه العملية غير السهلة خاصة في لحظة الإقلاع وفي خضم الإشتباك المتصاعد.
رابعًا: هنالك دائمًا الخوف من صفقة كبرى في نهاية الأمر فاستراتيجية ترامب كما شاهدنا في ملف كوريا الشمالية، رغم التعقيدات الأكبر في الملف الإيراني، تقوم على التصعيد الكلامي قبل الولوج في التفاوض. صفقة تأتي على حساب العرب نتيجة تفاهمات تدريجية عامة أو بالقطعة قد تحصل بين واشنطن وطهران.
خامسًا: يحصل ذلك في لحظة إرتباك عربي كبير بين الوقوف مع الحليف الإستراتيجي الأمريكي والقبول بشروطه في المنطقة في مواجهة إيران من جهة وربط ذلك بالقبول بصفقة القرن من جهة أخرى وما تمثله من إسقاط للثوابت وللعناصر الأساسية لتسوية القضية الفلسطينية وتحمل تداعيات الولوج في صفقة القرن على كافة الأصعدة الوطنية والأقليمية. الصفقة التي تشكل إسقاط « للمحرمات » التي استقرت منذ نشأة القضية الفلسطينية ومند ولوج باب التسوية السياسية الشاملة. كلها عناصر تقدم « هدايا » للدور الإيراني إذا ما اختار حلفاء واشنطن اللحاق بها في ما تطرحه في هذا الشأن.
سادسًا: سياسة الإستمرار في الجلوس في المقعد الخلفي التي تشكل السياسة العربية حاليًا سيجعل العرب يدفعون ثمن الصدام أو التفاهم الكبير إذا حصل والمطلوب بلورة مبادرة عربية لإخراج المنطقة من السياقات الصدامية الحاصلة حاليًا وعدم الإكتفاء بتسجيل المواقف الدبلوماسية والإعلامية التي لا تقدم ولا تؤخر.
سابعًا: يستدعي ذلك بلورة رؤية شاملة تحدد قواعد التعامل بين كافة الأطراف في المنطقة على اساس احترام « منطق الدولة » وسيادة الدول على أراضيها ورفض كافة إشكال التدخل أيًا كانت المسميات التي تأتي باسمها: بلورة قيام « نظام دولتي » طبيعي في المنطقة للخروج من نظام الفوضى القائم على التدخل وعلى إسقاط منطق الدولة في العلاقات بين الدول لحساب منطق الثورة: المطلوب تعزيز منطق الدولة الوطنية على حساب منطق التحالفات المذهبية والطائفية العابرة للدول والمشرعنة للتدخل الخارجي.
ثامنًا: إن شرط تحقيق ذلك قد يبدأ بتعزيز « دور الوسيط » من طرف كافة الخصوم في المنطقة ويساند ويسهل هذا الأمر قيام مسار حواري مباشر موازٍ وغير رسمي يشارك فيه ممثلون عن الأطراف والقوى المعنية في المنطقة لبلورة أفكار ومقترحات عملية. مقترحات تصلح لإعادة صياغة العلاقات الأقليمية في المثلث العربي الإيراني التركي على اساس مبادئ تقوم على احترام « منطق الدولة » وعدم جواز التدخل وإخراج العنصر العقائدي التدخلي باسم إيديولوجيات وعناوين مختلفة من اللعبة السياسية الأقليمية التي هي في نهاية الأمر صراع نفوذ حول نظام أقليمي عربي مفكك ومكشوف جاذب في حالته هذه لكافة انواع التدخلات.
خلاصة الأمر نحن في الربع ساعة الأخيرة قبل إحتمال حصول الإنفجار الكبير أو سلسلة من الإنفجارات التي تعزز وتكرس الفوضى الأقليمية الجاذبة لمزيد من التدخل والتعقيدات، أو ولوج باب الصفقات بالمفرق أو الصفقة الكبرى على حساب العرب إذا بقي هؤلاء في موقف الإصطفاف ورد الفعل ولم يأخذوا المبادرة لإنقاذ البيت العربي من الحريق. إن هذا الدور مطلوب المبادرة إليه من القوى العربية الفاعلة وهو سيلاقي بالتأكيد دعما من كافة القوى الدولية، غربًا وشرقًا، المتخوفة من تطورات الأوضاع في الأقليم الشرق وسطي وتداعياتها على مصالحها كافةً.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer