العمل العربي

العمل العربي المشترك والتضامن العربي

عبارات العمل العربي المشترك والتضامن العربي كانت كثيرا ما تتردد في الأدبيات الديبلوماسية والإعلامية في سنوات 1970 وما بعدها. وكثيرا ما ترافق هذه العبارات انعقاد اجتماعات ومؤتمرات العمل العربي المشترك ومنظماته المتخصصة ولجانه الفنية، وأهمها على الإطلاق مؤسسة القمة العربية التي أصبحت سنوية منذ بداية ثمانينات القرن الماضي.
وقد أفضى هذا الزخم الديبلوماسي إلى صياغة أطر نظرية وتوجّهات استراتيجية تحرص على تطوير العمل العربي المشترك وتدفع أنساقه.والتأمت عناصر هذه الديناميكية في ما بات يعرف بالنظام الاقليمي العربي، الذي أصبحت له قوانين سيره وقواعد عمله.
وقد اكتسب النظام العربي فاعليته من خلال ثلاثة عناصر هي أولا: قدرته على التطور تكيّفا مع المستجدات الاقليمية والدولية من ذلك تطوير معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية التي تم توقيعها بالقاهرة في جوان 1950 إلى استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك حتى عام 2000 التي تم إقرارها في القمة العربية بعمان في نوفمبر 1980، والتي قامت على مبدإ تحييد العمل الاقتصادي المشترك عن الصراعات السياسية. وثانيا: استيعاب التحولات التي تطرأ على أوضاع الدول العربية من نيلها الاستقلال (بلدان المغرب العربي في الخمسينات والستينات والبلدان الخليجية في بداية السبعينات)، إلى انتظامها في تجمعات اقليمية ( مجلس التعاون الخليجي، واتحاد المغرب العربي)، وثالثا: الاندماج في المنظومة الدولية والدخول في برامج تعاون وشراكة مع الهيئات الأممية ومنها بالذات منظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الاسلامي (التي أصبحت لاحقا منظمة التعاون الاسلامي) وكذلك منظمة الوحدة الإفريقية (التي أصبحت الإتحاد الإفريقي).
بطبيعة الحال، العمل العربي المشترك واجه تعثّرات عديدة، ووصلت الأمور في السنوات الأخيرة إلى حد انهيار دول ودخول شعوب في حروب أهلية، وتراجع طموح الشعوب والنخب في تحقيق التنمية المنشودة والحفاظ على الاستقرار والسيادة الوطنية، فما بالك بضمان حد أدنى من التعاون المشترك.
أسباب هذه التطورات عديدة ولكن أحدها يتمثّل في تلاشي فكرة التضامن العربي لدى الشعوب ولدى النخب، وهي الفكرة التي كانت قائمة أيام نضال الشعوب من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية. الشعب الجزائري لقي في تضامن الشعوب العربية الشقيقة سندا في نضاله ضد المستعمر، وقبله الشعبان التونسي والمغربي ولاحقا تضامن العرب مع الشعوب الخليجية في نضالها لنيل الاستقلال وبناء دولها بعد تحررها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدعم الذي لقيه الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال الصهيوني. وكانت القاعدة في كل هذه المراحل تقوم على مؤازرة الشعوب الطامحة إلى الاستقلال والسيادة الوطنية وبناء الدولة الحديثة دون تدخّل لتوجيه نضالها تحت أي ظرف.
وقد كان التضامن العربي الذي هو الأرضية المشتركة بين جهود الدول على الصعيدين الديبلوماسي والعملي وجهود الشعوب في مواقفها اليومية وتفاعلها التلقائي وجهود الجمعيات والتنظيمات الشعبية في حراكها الميداني ونشاطها الدولي، هو الحاضن لكل التعبيرات المكرسة للتعاون القومي والعمل العربي المشترك. ولكن التطورات الأخيرة التي جعلت من الجميع يتدخّلون في شأن الجميع هي التي جعلت سياسة المحاور البغيضة تجتث روح التضامن وتفتح لتنافر المواقف وتقلبات الأمزجة نوافذ تتغذّى منها الصراعات في كل بلد.
إذا كان العمل العربي المشترك تفعيلا لآليات وهياكل وهو من اختصاص المسؤولين والموظفين وإطارات المؤسسات المعنية ، فإن التضامن العربي هو الروح التي يتشرّبها المواطن العربي والمناضل القومي من أجل أن يتطور العمل العربي المشترك ويبلغ مداه ويحقق غاياته. ولعل هذا التكامل هو الغائب الأكبر في معادلة الأوضاع العربية الراهنة.

أبوالسعود الحميدي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer