الأوروبيَّة

القمة العربيّة الأوروبيَّة التي طال انتظارها

منذ عقود أربع ونصف من الزمن، غداة « حرب تشرين » العربية الاسرائيلية عام 1973 انطلق الحوار العربي الأوروبي بين جامعة الدول العربيّة والجماعة الأوروبيَّة حينذاك. المبادرة الأوروبيّة لإطلاق الحوار كان وراءها فرنسا. انطلق الحوار في آليات مختلفة وحقق دون شك بعض الإنجازات التي لم تكن بمستوى الطموحات ثم استمر بشكل متقطع وبقوة الواقع بعد أن فقد قوة الدفع ونشأت أطر « حوار متوسطية » أوروبية مع بعض العرب ودول أخرى مثل الشراكة الأورومتوسطية المعروفة بعملية برشلونة التي تحولت إلى الإتحاد من أجل المتوسط، الذي ولد في عام 2008 كوريث لتلك الشراكة.

المبادرة الأوروبية أيضًا هذه المرة لعقد « القمة الأولى » بين الطرفين كان محركها الرئيسي موضوعي الإرهاب والهجرة غير الشرعية خاصةً من بوابتها الليبية وتداعياتها على أوروبا وبالطبع إزدياد القلق والمخاوف من حالة الفوضى والنزاعات المتعددة الأسباب والمتشابكة والمتداخلة في الأقليم العربي والشاملة كلها لتداعيات سلبية ولو بأوقاتٍ وأشكالٍ مختلفة على استقرار وازدهار « الجار الأوروبي »، اعترفت فديريكا موغرني الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للإتحاد الأوروبي « بالمفارقة الكبرى » وقوامها عدم حصول قمة مع أقرب شريك وهم العرب من حيث الجغرافيا والتاريخ والثقافة، كما تذكر فيما عقدت وتعقد أوروبا القمم مع منظمات أقليمية وقوى دولية مختلفة بشكل دوري.

والمفارقة التي لا تخفى على أحد أن القمة ستعقد في ظل تحديات جمة تواجه عملية البناء الأوربي وتهدد مسيرة هذا البناء. فأوروبا تشهد إنتشار حركات شعبوية مناهضة للفكرة الأوروبية وانتخابات البرلمان الأوروبي في مطلع أيار القادم ستعكس طبيعة الخارطة السياسية الجديدة في أوروبا. هذه الحركات وكذلك حالة « المقاومة المتزايدة » للبناء الأوروبي تقتات على الأزمات الإقتصادية الحادة والتي ازدادت حدةً وعلى الكلفة الباهظة للتوسيع السريع للبيت الأوروبي بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وكذلك لتداعيات الهجرة والإرهاب والمخاوف « والفوبيات » التي تثيرها هذه في المجتمعات الأوروبية سواءً على مستوى الهوية أو على المستوى المعيشة. هذه التيارات الشعبوية تقتات على عناوين تعكس المخاوف الحقيقية عند المواطن الأوروبي لكنها لا تحمل أجوبة على هذه المخاوف بل تساهم في إضعاف فكرة البناء والتعاون الأوروبي. على الضفة الأخرى من المتوسط يعيش العالم العربي ما وصفناه أكثر من مرة في نظام فوضى أقليمية مفتوحة على إحتمالاتٍ عديدة، تشهد كافة أنواع الحروب والصراعات التي تهدد مجتمعاته ودوله. والمفارقة الكبرى أن الإتحاد الأوروبي غائب بالفعل عن القيام بأي دور فعال في النقاط الساخنة والمشتعلة في المنطقة وعلى حدوده من اليمن إلى سوريا إلى ليبيا إلى الأزمة المتفجرة والمواجهة المفتوحة بين « الحلف الأميركي العربي » وإيران كما انعكس ذلك أخيرًا في « مؤتمر وارسو » وتصاعد حدة تلك المواجهة. كذلك فإن عدم رمي أوروبا كجماعة بثقلها في تلك المواجهة بسبب خلافات في الموقف مع هذا « الحلف » من الإتفاق النووي مع إيران ومن كيفية التعامل مع السياسات الإيرانية في المنطقة، ترك دون شك نتائج سلبية على علاقاتها مع عدد من الأطراف العربية الفاعلة في تلك المواجهة.

الإجتماع الوزاري العربي الأوروبي التحضيري الذي انعقد في مطلع هذا الشهر في بروكسل عكس وجود خلافات وقراءات مختلفة للأولويات ولكيفية التعامل معها: الخلافات بالطبع حول كيفية بلورة صيغ عملية للتعامل مع هذه القضايا. أضف أن هنالك أولويات مختلفة بالفعل ضمن كل مجموعة حول أجندة التعاون التي يفترض أن تتبلور عن القمة: خلاف ليس حول المبادئ والإعلانات العامة بل في المقاربات العملية لعدد من الملفات الشائكة والضاغطة ولو بأشكال مختلفة على الدول العربية والأوروبية وحسب الأولويات الفعلية لكل دولة. فإذا كان الجميع متفق على أن التعاون أكثر من ضروري ولمصلحة الكل بقي التحدي أمام القمة في بلورة قواعد وآليات وبرامج وأهداف عملية لهذا التعاون المشترك وتوفير الدعم الفعلي له لينطلق ويستمر. القمة المنتظرة أكثر من ضرورة وسيكون مستوى المشاركة وصدور خطة عمل متكاملة وشاملة وليس فقط إعلانًا عامًا يعكس النوايا الطيبة والطموحات المشتركة هما المؤشران الرئيسيان على النتائج الفعلية للقمة وعلى حصول إنطلاقة فعلية طال انتظارها لتعاون عربي أوروبي متعدد الأطراف ومتعدد الأبعاد ومفيد لا بل ضروري للجميع وداعم لكل أنواع التعاون الوطني الثنائي القائم أو القادم.

د. ناصيف حتي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer