اللجنة الدستورية السورية: استراحة محارب أم بداية حل

د. ناصيف حتي

 
أخيراً، بعد حوالي عامين ونيف من الزمن الذي شهد مفاوضات بأشكال مختلفة حول تشكيل وإطلاق اللجنة الدستورية كمدخل وكآلية للتسوية السلمية للازمة السورية، وكانت روسيا وراء تلك الفكرة أساساً، ولدت اللجنة على أيدي المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون. وكانت العقبة الثانية بعد قبول الجميع بلجنة مكونة من ١٥٠ شخصاً تضم خمسين منهم يمثلون السلطات السورية وخمسين المعارضة وخمسين المجتمع المدني، تتعلق باختيار أعضاء المجموعة الأخيرة والتجاذب المباشر وغير المباشر بين الأطراف الإقليمية في هذا المجال. وتنبثق عن هذه اللجنة لجنة مصغرة تضم ٤٥ شخصاً يمثلون المجموعات الثلاث. تقوم هذه بإعداد المقترحات الدستورية التي تقرها الهيئة الموسعة.
وقد وضعت ورقة معايير لعمل اللجنة وبقي ان تتفق على الأهم وهو وسائل الموافقة وتطبيق الإصلاح الدستوري الذي يتفق عليه، في النظام القانوني السوري. وهذا يشكل احد التحديات الرئيسية أمام اللجنة وتحديداً في ما يخص الإشراف الفعلي للأمم المتحدة على الإجراءات التطبيقية وتسليم السلطات السورية بذلك. ويشك البعض في صعوبة الوصول إلى هذه المرحلة اذ يستدعي ذلك أساساً التوافق بين طرفي الصراع على حجم ومدى التغيير. ويقول البعض ان النظام يريد تغييراً تجميلياً، فيما المعارضة تهدف إلى تغيير تحوّلي كامل يشكل قطيعة مع طبيعة النظام القائم حالياً.
ومن الضروري التذكير بوجود اختلافات واسعة بين « المعارضات » السورية حول نظام الغد. كما ان الأكراد أبقيوا خارج اللجنة تجاوباً مع الشروط التركية، كما لم تشارك قوى إسلامية قريبة من تركيا ووجهت سهامها إلى اللجنة ولم تعترض تركيا على ذلك طالما انها مرتاحة إلى « تمثيلها » في اللجنة.
متغيران أساسيان كانا وراء الولادة القيصرية للجنة: أولا، قناعة المعارضة وأصدقائها الخارجيين ان شرط إسقاط النظام لولوج باب التسوية السياسية قد سقط مع عدم خسارة النظام للحرب مع سيطرته على معظم الأراضي السورية رغم انه لم يربح السلام وأنه بالتالي يجب الحوار مع النظام في إطار مظلة دولية لأن التغيير المنشود سيأتي عبر مسار الحوار الدستوري. وثانياً، بالنسبة للنظام حلّت القناعة وفق نصيحة الحلفاء والأصدقاء، ولو بدرجات مختلفة بقبول الحوار مع المعارضة ضمن إطار دولي دون ان يعني ذلك بالطبع ان النظام ملتزم بالذهاب إلى نهاية هذه العملية تجاوباً مع ضغوطات أصدقاء المعارضة.
ومن المفيد التذكير أيضاً ان مشروع الإصلاح الدستوري الذي قدمه الروس في مطلع انطلاق « مسار أستانا » كورقة مقترحات لإطلاق الحوار حمل نقطتين مهمتين، أولهما إنشاء « جمعية المناطق » كتأكيد على أهمية اللامركزية وحديث عن التركيبة الهوياتية المتنوعة للمجتمع السوري وضرورة تمثيل كافة هذه المكونات الهوياتية كمتغيّر أساسي يلامس بعض الشيء نموذج « الديمقراطية التوافقية » اللبناني، دون بالطبع الذهاب بعيداً في التفكير بالنقل عن هذا النموذج.
بيدرسون كان واقعياً جداً وحذراً عندما أعلن ولادة اللجنة وانطلاق أعمالها في هذا الشهر بقوله ان النجاح، إذا ما حصل، فان وضع دستور جديد يمكن ان يساعد في تسوية الخلافات في المجتمع السوري كما يمكن ان يساعد في بناء الثقة وكذلك في فتح الباب أمام عملية سياسية اوسع نطاقاً.
واقعية بيدرسون بأن انطلاقة ناجحة للعملية الدستورية امر غير مؤكد، تدفعنا للتأكيد على وجود سيناريوهات ثلاث:
أولاً: ان تكون ولادة اللجنة بمثابة هدنة أو نوع من الهروب إلى الإمام من قبل كل من الطرفين لعدم تحمّل مسؤولية افشال الحل السياسي إلى ان يستقر توازن جديد للقوى على الأرض في سباق المراهنات بين أطراف الصراع على الإمساك بمزيد من الأوراق للانتصار على الآخر وفرض شروطه لاحقاً.
ثانياً: التحوّل من الصدام الكبير والمفتوح مع بقاء حروب صغيرة في مساحتها وكثافتها ضمن إطار تقطيع الوقت ليحلّ زمن المفاوضات المرتبط بما أشرنا اليه سابقاً من الإمساك بالأرض وانتصار حلفاء احد الطرفين وفرض شروطه من الخارج.
ثالثاً: انطلاق عملية الحل السياسي ولو ببطء عبر بوابة اللجنة الدستورية من خلال توافق « الخارج » – أي أصدقاء الطرفين-. لذلك دعا بيدرسون لإنشاء منتدى إقليمي دولي موسّع يدعم ويواكب المفاوضات السورية السورية. منتدى يضم دول المجموعة المصغرة لسورية ودول عملية أستانا، التي قد لا تنضم في لجنة واحدة بداية بسبب الصدام الاميركي العربي مع إيران، ولكن يمكن ايجاد صيغة في البداية بواسطة الأمم المتحدة ودول وسيطة ضمن المجموعتين لبناء جسور وتفاهمات تحتضن وتدعم التسوية السلمية في سوريا.
وكما نذكر دائماً بالنظر إلى التجربة اللبنانية التي وضعت حداً للحرب اللبنانية بأن « الطائف » الداخلي (الحوار الوطني اللبناني في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية) قد استدعى وجود « طائف » خارجي (تفاهم بين القوى المؤثرة حينذاك في لبنان) على ولوج باب التسوية قبل ان يغرق المركب بالجميع.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer