المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية: نحو انطلاقة جديدة قوية

بقلم: محمد إبراهيم الحصايري
من المُفْتَرَضِ، في خضمّ التطوّرات التي تشهدها تونس، والتحوّلات التي تعرفها المنطقة والعالم في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية والعسكرية، أن يكثّف المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أنشطته من أجل الإسهام في توضيح الرؤى، ورسم معالم الطريق إلى الغد المأمول، حتى يتم التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية الماثلة تعاملا رشيدا سديدا.
وانطلاقا من أنّ المعهد أنشئ سنة 1993، أي منذ ما يربو على ربع قرن من الزمن، فإنّه من المُفْتَرَضِ أيضا، على الأقلّ نظريّا، أن يكون قد راكم من التجارب والمكاسب، وقد رسّخ من آليات العمل وتقاليده، ما يمكّنه من الاضطلاع بهذه المهمّة على الوجه المطلوب، غير أنّ حالة عدم الاستقرار، لكي لا أقول حالة الاضطراب التي مرّ بها خلال السنوات التسع الأخيرة تقتضي الإقرار بأنّه بات، اليوم، في هذه المرحلة الجديدة من مسار بلادنا الانتقالي المتعسّر، في حاجة ماسّة إلى انطلاقة جديدة قويّة تمكّن من تطويره وتدعيمه حتى تتسنّى له، في ظل رئاسات ثلاث جديدة، وربما، عن قريب، حكومة جديدة أيضا، مواكبة متطلّبات العصر والإلمام بمتغيّراته وتلبية احتياجات بلادنا من الدراسات والبحوث التي تساعد القيادات السياسية والدوائر الحكومية وصنّاع القرار في مختلف المجالات على الاهتداء إلى سواء السبيل في معالجة الأمور.
وإسهاما في تهيئة الظروف الملائمة لانطلاقة المعهد الجديدة القويّة المنشودة، رأيت، كخبير تعاون معه خلال السنوات الأخيرة، أن أوجّه الدعوة إلى رئاسة الجمهورية، باعتبارها جهة الإشراف عليه، وإلى إدارته العامة الجديدة بجملة من المقترحات التي أعتقد أنها يمكن أن تساعد على تعزيز عمله وعلى تقوية إشعاعه.
إن الوظيفة الكبرى التي يضطلع بها المعهد هي إعداد البحوث والدراسات التي تتعلق باستقراء الواقع، واستشراف المستقبل، واقتراح الخيارات الممكنة للتعاطي مع مختلف التطورات الداخلية والخارجية لا سيما في دوائر انتمائنا الأقرب فالأقرب، مع الحرص الدائم على ربط هذه الخيارات بأهداف الدولة وتطلّعاتها التي هي أصلا نابعة أو يجب أن تكون نابعة من احتياجات المجتمع وانتظاراته.
أما عن كيفيّة الاضطلاع بهذه الوظيفة، فإنّها تتمثل، إجمالا، في الاعتماد على فرق العمل التي تعمل في صلبه، والتي تتألّف عادة من خبراء ومختصين من مختلف الميادين التي يهتم المعهد تلقائيا، أو يُكَلَّفُ بدراستها.
وفي رأيي، فإنّ تطوير هذه الوظيفة وتوسيع نطاقها واثراءها يمكن أن يتم عن طريق:
1/ فيما يتعلق بِفِرَقِ العمل، سيكون من المستحسن أن تكون فِرَقًا قارّة، لا من حيث تركيبتها التي يمكن أن تتغيّر بالزيادة أو النقصان أو التبديل وفقا للاحتياجات، وإنّما من حيث المهام التي تُناط بعهدتها، والملفّات التي يُعهد لها بمتابعتها باستمرار ودون انقطاع.
2/ الحفاظ على فريق العمل المتخصّص في الشؤون الجيو-سياسية، والعمل على توسيعه وتعزيز تركيبته حتى يتمكّن، إلى جانب مواصلة الاهتمام بسبل تعزيز موقع بلادنا على الصعيدين الإقليمي والدولي، من إيلاء العناية اللاّزمة للدّراسات الآسيوية، بالنظر إلى التّنامي المُتَسارع الذي تعرفه منزلة القارة الآسيوية على السّاحة الدولية، وللدراسات الإفريقية بالنظر إلى اهتمامنا المُتزايد بتعزيز حضورها الاقتصادي في ربوع إفريقيا.
3/ إيلاء العناية اللاّزمة لنشر الوعي العلمي لدى الرأي العام بالقضايا الاستراتيجية في بلادنا وفي المنطقة والعالم، وذلك من خلال التعاون مع مختلف وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وتعزيز التفاعل، بكافة الأدوات المتاحة التقليدية منها والحديثة، مع الأحزاب والهيئات السياسية وتنظيمات المجتمع المدني والدوائر العلمية والثقافية وغيرها…
4/ إيلاء اهتمام خاصّ للتقدّم السريع الذي تعرفه تكنولوجيا المعلومات وما لذلك من تأثير على تغيير وجه العالم، وذلك من خلال تخصيص فريق عمل قارّ يُعْنَى بهذا القطاع وآفاق تطوّره من أجل وضع أو تعديل السياسات العامة لمواكبة مستجدّاته لا سيما في مجال التكوين والتشغيل والمهن المستقبلية.
5/ تنظيم دورات تدريبية وبرامج تأهيل لإعداد الكفاءات البحثية وقيادات العمل الاستراتيجي على أن يستعين المعهد ببعضها، وأن يضع بعضها الأخر تحت تصرف أجهزة الدولة.
6/ العمل على بناء شبكة علاقات تعاون وشراكة بين المعهد وبين الجامعات ومراكز البحوث والدراسات في الداخل، وبينه وبين المعاهد المُمَاثلة في الخارج، من أجل تبادل الخبرات والتجارب والتعاون على إنجاز بعض البحوث والدراسات عن السياسات التي يقترح انتهاجها في مجالات مُحَدَّدَة.
7/ الالتزام بقواعد الدقّة والموضوعية والشفافية في دراسة القضايا حتى يتمّ تشخيص حقيقتها بما فيها من سلبيّات وإيجابيّات بالاعتماد على أساليب علمية واضحة تبتعد عن الأهواء والمزاجية والاعتبارات الذاتية أو السياسية وتقترح الحلول العلمية والعملية التي يمكن للمجتمع أن يستفيد منها وان يهتدي بها.
8/ العمل على تحرير المعهد من عاهات البيروقراطية، وتخليصه من روتين العمل الإداري المُثَبِّط للعزائم.
ولكلّ ما تقدَّم، فإنّ المُؤَمَّلَ أن يتمّ، في أقرب وقت، تدعيم المعهد مادّيا وبشريّا بتمكينه، ولو بالتّدريج من بنية تحتيّة مناسبة، ومن الاستعانة بالعدد الملائم من الخبراء والمستشارين ذوي الكفاءة والخبرة وبما يمكنه من الوفاء بمتطلبات المهام المناطة بعهدته.
وغنيّ عن البيان، في الختام، أن نؤكد، من جديد، أن للمعهد أهمّية كبرى في خدمة أهداف ومصالح الدولة الحيويّة، من خلال مواكبة الأحداث والمستجدّات على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية وتوفير الدراسات الاستراتيجية اللازمة للتعامل معها، ولتمكين البلاد من تثمين موقعها الاستراتيجي ومزاياها ونقاط قوتها في مواجهة التحديات القائمة والقادمة…
م.ا.ح
تونس في 27/01/2020

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer