النص الحرفي لمحاضرة السفير صلاح الدين عبد الله « حول انضمام تونس إلى...

النص الحرفي لمحاضرة السفير صلاح الدين عبد الله « حول انضمام تونس إلى جامعة الدول العربية » على منبر الجمعية التونسية لقدماء السفراء و القناصل العامين

0
PARTAGER

النص الحرفي لمحاضرة السفير صلاح الدين عبد الله
« حول انضمام تونس إلى جامعة الدول العربية »
على منبر الجمعية التونسية لقدماء السفراء و القناصل العامين
يوم السبت 24 سبتمبر 2016
بمقر الأرشيف الوطني بتونس

ليس القصد من تناول موضوع انضمام تونس للجامعة العربية و مارافقه من تأزم العلاقات مع القاهرة إثارة لمسألة طواها الزمن لتترك مكانها لعلاقات تونسية مصرة هادئة و صافية و لكنه توثيق لفترة من تاريخ تونس الحديث شهدت مباشرة بعد الاستقلال تطورات لاحقة و أحداثا هامة كان للدبلوماسية التونسية دور في متابعتها و التأثير فيها بصورة أو بأخرى في وقت لم تكتمل فيه بعد مقومات السيادة الوطنية و تعددت خلاله الواجهات و المواجهات و كانت البلاد معرضة فيه للاحتلال من جديد بسبب وقوفها إلى جانب الثورة الجزائرية.
في حين عمت الأفراح بعودة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى أرض الوطن في غرة جوان 1955 و حصول تونس على الحكم الذاتي برزت إلى السطح في نفس الوقت تقريبا خلافات عميقة بين الزعيمين بورقيبة و بن يوسف حول ما إذا كانت الاتفاقيات التونسية الفرنسية المبرمة إثر خطاب منداس فرانس في 31 جويلية في قرطاج خطوة إلى الوراء أم إنجاز على طريق تركيز السيادة التونسية و منطلقا حسب سياسة المراحل نحو الاستقلال التام. و اتخذ الخلاف منحى خطيرا باللجوء إلى العنف و حصول اغتيالات مما كان يهدد باندلاع حرب أهلية. و ما راعنا إلا و الخصومة نفضي إلى انفراط العقد و تكريس الانقسام بين الديوان السياسي وبين أميته العام الزعيم صالح بن يوسف.
ودون الدخول في التفاصيل مما هو معروف لدى الجميع دعا بن يوسف إلى مواصلة الكفاح قبل أن يلجأ إلى مصر.
هذا في عجالة ما ميًز تلك الحقبة من الزمن في صلة بخلاف كانت له تداعيات على علاقات تونس بمصر مما نشرع في بسطه من هذه الزاوية دون غيرها و في القاهرة لم تمر بضعة أشهر على وصول الزعيم بن يوسف حتى قامت الثورة في 23 جويلية 1952 فسمح له ذلك بالتعرف على جمال عبد الناصر و ربط خيوط اتصال معه و مع رفاقه مما فتح له آفاقا واسعة للنشاط. و يظهر ذلك جليا في مؤتمر صفاقس حيث لم يخف الشيخ الباقوري وزير الأوقاف المصري و أحمد سعيد مدير إذاعة صوت العرب ميولهما بل كان هذا الصحفي لا يتردد في إثارة حماس من يلتقيه من التونسيين أثناء جولات في البلاد و تشجيعهم على رفض الاتفاقيات.
بداية لنتعرف على أسباب عززوف تونس عن الانتساب للجامعة العربية و هي التي استبشرت بتأسيسها و احتفلت في 22 مارس 1947 بالذكرى الأولى لقيامها-و تعود بي الذاكرة في هذا الصدد إلى الاجتمتع الكبير الذي انعقد في ساحة قمبتا(شارع محمد الخامس حاليا) و كنت حضرته و أنا طالب في المعهد الصادقي و مازالت ترن في أذني خطب الأستاذ محمود المسعدي و الشيخ الفاضل بن عاشور و غيرهما في ذلك الجمع المشهود.
صحيح أن الرئيس الحبيب بورقيبة عرفالجتمعة عن كثب خلال فترة لجوءه إلى مصر و خبر أساليب عملها و تحسس نقاط ضعفها و خرج من ذلك بانطباع سيئ و كثيرا ما كان يردد قولة عبد الرحمان عزام عندما كان يدعوه للاهتمام بالقضية التونسية : »سنفعل ذلك عندما ننتهي من حل القضية الفلسطينية »…
و الواقع أن الجامعة ليس لها إرادة بذاتها بل هي تعكس إرادة الدول الأعضاء و قد كانت عاجزة عن الاستجابة لآمال الشعوب العربية نتيجة تدني الوسائل المتاحة و تفشي التخاذل و الفساد في ذلك الوقت و لكنها بقيت تمثل الأداة الوحيدة للتعاون العربي.
ومع >لك فمما لاشك فيه أن عديد الأسباب اجتمعت لتأجيل الانضمام إلى الجامعة مباشرة بعد الاستقلال. فلم يكن من السهل تطبيق وثيقة 20 مارس 1956 على أرض الواقع مما كان يستدعي جهودا مضنية لتجسيد السيادة التونسية و بناء المؤسسات الوطنية و تحقيق الجلاء و الدفاع عن الحدود في وقت كانت فيه القوات الفرنسية تنتهك حرمة التراب التونسي لملاحقة الثوار الجزائريين و لكن قد لا يكون ذلك و غيره المبرر الوحيد لعدم إيلاء الاهتمام لموضوع العلاقات مع الجامعة العربية بعد عام ونصف من الاستقلال. فواضح أن ما كان يلقاهالزعيم صالح بن يوسف في مصر من سند مادي و سياسي و دعائي أثر في تأخير القرار المناسب في هذا الشأن. و عندما قدم السيد عبد الجبار الجومرد وزير الخارجية العراقي إلى تونس في 22 أوت 1958 يستحث الحكومة على الالتحاق بالجامعة لم تتأخر في ذلك أملا في فتح الباب لحل العقدة.
وسبقت ذلك دعوة مصر لحضور الاحتفالات بعيد الجلاء في القاهرة فأوفد الرئيس بورقيبة المرحوم الباهي الأدغم التهنئة بهذا الحدث معبرا في نفس الوقت عن أمله في أن يتزصل إلى رفع الالتباس الذي أخذ ينال من جو الثقة بين البلدين. واتفق الطرفان على تبادل التمثيل الدبلوماسي .
وفعلا عُين الدكتور الصادق المقدم سفيرا للجمهورية التونسي في القاهرة و لكن لم يطل به المقام بعد أو تولى مسؤوليته كوزير للخارجية و خلفه المرحوم الطيب السحباني مواصلا مساعيه لمدة تسعة أشهر دون تغيير يذكر و عندما استدعي في أفريل 1958 إلى تونس للتشاور و كان تعبيرا عن عدم الرضا على التسويف المتكرر الذي يواجه به الطلب التونسي.
وبما أني توليت بعد سفره المسؤولية كقائم بالأعمال فقد واصلت المساعي مع المسؤولين في وزارة الخارجية. و أتذكر أنه في لقاء مع الدكتور محمود فوزي و هو من هو في مقامه و مكانته أشار لي في هدوء إلى أن بقاء الحال من المحال و أن الطقس الغائم زائل لا محالة ليفسح المجال لطقس القاهرة الجميل.
وبينما نحن في انتظار انقشاع السحب عن سماء القاهرة إذا بالسيد الحبيب الشطي السفير في لبنان يحل بين ظهرانينا ليرأس الوفد التونسي إلى مجلس الجامعة في 11 أكتوبر 1958 وكان الوفد يضمني و يضم السفير سليم بنغازي رئيس قسم إفريقيا و الشرق-و كان المفروض أن يكون السيد الحبيب الشطي سفيرا في دمشق و لكن علاقة الرئيس السوري و حكومته بالزعيم بن يوسف و حرصهم على رعايتها حملت تونس على تحويل وجهته إلى لبنان ليصبح سفيرها هناك عوضا عن دمشق.
أول ما قام به رئيس الوفد تأدية زبارة مجاملة غداة وصوله إلى القاهرة إلى السيد عبد الخالق حسونة الأمين العام للجامعة.
وبعد ذلك رافقته في زيارته للسيد عبد الخالق الطريس سفير المغرب الذي لم يمض عليه وقت طويل في مصر إذ أن المغرب تأخر كذلك في الانضمام إلى الجامعة-و السيدالطريس رئيس حزب الإصلاحفي منطقة الريف و هو حزب قريب من حزب الاستقلال و يتمتع بثقة الملك محمد الخامس في فترة صعبة اجتازت فيها العلاقة بين القصر و منطقة الريف أزمات حادة. و كان من ناحية أخرى قريبا من الرئيس جمال عبد الناصر و له شعبية في القاهرة في تلك الأيام لكرمه و استقبالاته الفخمة و سخائه مع « طائفة المنادين » و غيرهم.
على كل لم يظهر في تعليقه على الزيارة استنكارا أو امتعاضا و لم يتخذ موقفا واضحا يبين عن نواياه عندما يعرض موضوع الخلاف التونسي المصري على أنظاره.
وفعلا اجتمع المجلس من الغد في مقر الجامعة القديم في باب اللوق وسط القاهرة برئاسة سفير المملكة العربية السعودية السيد اسعد الفقيه و كانت القاعة مكتظة بالصحفيين نتيجة ما تناقلته وكالات الأنباء عن اعتزام الوفد التونسي إثارة الخلاف.
وفي جو مكهرب زاده ضيق المكان حرارة و احتقانا أخذ رئيس الوفد التونسي يتحدث عن عروبة تونس و استبشارها بتأسيس الجامعة ووضع آمالها في مؤسسة فعلت الكثير في سبيل نصرة تونس بالنظر إلأى الظروف التي كانت تحياها و الملابسات التي توالت عليها. و انتقل بعد ذلك إلى ذكر منجزات الاستقلال و خاصة في مجال تونسة المصالح الإدارية و الشرطة و الجيش و إصدار العملة الوطنية وتحرير المرأة و غير ذلك قبل أن يشير إلى رفض تونس لأي مس بكرامتها و يطالب الجامعة بعدم مناصرة القوي على الضعيف واجتناب وقوع أعضائها في حب الهيمنة والاستبداد بالرأي و هي إشارة خفيفة و لكنها واضحة.
وفعلا حال انتهاء السيد الحبيب الشطي من قراءة خطابه انبرى له السيد عبد الحميد غالب رئيس وفد الجمهورية العربية المتحدة مستنكرا « إدعاءات لا تستند إلى الحق و إلى العدل » ، وانسحب مع أعضاء وفده. و السيد عبد الحميد غالب من الضباط الأحرار تولى رئاسة المخابرات و كان سفيرا للجمهورية العربية المتحدة في بيروت قبل و بعد نزول قوات المارينز الأمريكية فيها بمقتضى مبدأ إيزنهاور لمواجهة الثورة القائمة ضد الرئيس كميل شمعون، و كان يدعى المندوب السامي بسبب ما له من سلطة ونفوذ على الشارع الإسلامي في مواجهة النظام.
كان الصمت الرهيب مسيطرا على القاعة عندما تولى السيد الحبيب الشطي تلاوة بيان الحكومة التونسية حول مآخذ تونس تصريحا هذه المرة و ليس تلميحا كما كان الأمر في بداية الجلسة –و لم يستمر طويلا في ذلك فقد قاطعه رئيس الجلسة تحاشيا على حد قوله لتأزيم الوضع فاتحا مع ذلك المجال للتعاليق السلبية من طرف بعض الوفود وهي تعاليق لم تتناول لب القضية و إنما اقتصرت في جملتها اعتبار المناسبة فرصة لتبادل التهاني و التراشق بالورود و النظر إلى المستقبل و ليس لاجترار المآخذ- و لم يشذ عن ذلك إلا مندوب السودان الذي كان بلده يشتكي هو الآخر مما تشكو منه تونس من تدخل في شؤونها. و لم ينطق وفد من الوفود المتعرضة بلدانها للاعتداءات و الإهانات ببنت شفة مخيرة مرور العاصفة بسلام.
وما حز في النفوس موقف السفير المغربي الذي تفوه بتعاليق سلبية قيل في الرباط بعدذلك إنه شخصي لا يعبر عن موقف الحكومة.
و كان المتوقع من سفير العراق فائق السامرائي أن يأخذ يعين الاعتبار تلبية تونس لمسعى بلاده بخصوص الانضمام للجامعة و لكن مشاعره القومية التي عرف بها تغلبت على ما يظهر على الاعتبارات الأخرى-و لم يمر وقت طويل قبل أن يتخذ العراق في عهد عبد الكريم قاسم نفسه موقفا معارضا للجمهورية العربية المتحدة لنفس الأسباب التي اشتكت منها تونس.
بعد عودتنا إلى السفارة قدم السيد الحبيب الشطي تقريرا شفويا لتونس عما حصل في الصباح- و كانت التعليمات تقضي بتنظيم ندوة صحفية بحضور مراسلي وكالات الأنباء العربية و الأجنبية بغية كشف الأسباب الكامنة وراء الأزمة. و ما أن أعلن عن ذلك حتى امتلأت القاعة الكبرى في السفارة بالصحفيين المصريين و العرب و الأجانب و غيرهم من رجال المخابرات و أخذ السيد الحبيب الشطي في قراءة بيان الحكومة التونسية الذي لم يتمكن من إتمامها في الجلسة الصباحية. و استعرض فيها التصرفات التي أدت إلى تفجير الجو مبرزا في نفس الوقت وقوف تونس إلى جانب مصر قبيل العدوان الثلاثي و بعده و مذكرة بتدخل تونس للحيلولة دون مرور باخرة إسرائيلية في قنال السويس تحديا لمصر و ذلك خوفا من أن تتطور العملية فتصبح حربا قد لا تكون فيها الغلبة لمصر. كما نوه إلى أن تونس رفضت قبول لاجئين سياسيين مصريين- و المعني بذلك حسبما أتذكر السيد سعيد رمضان والد طارق رمضان و كان هرب بعد حادثة المنشية في الإسكندرية عندما تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال و قبض فيها على عدد من قياديي الإخوان المسلمين و منهم سيد قطب الذي أعدم آنذاك.
وفتح باب النقاش فإذا بالاتهامات و التحرشات تنهال على رئيس الوفد، و منها الاتهامات المبطنة في قالب أسئلة تحول تونس إلى قاعدة لمنظمة الحلف الأطلسي و ارتباطها بالمجموعة الأوروبية الاستعمارية- و الحمد لله أني عشت لأرى مصر تعمل جاهدة لتدعيم علاقاتها بالمجموعة الأوروبية وتعلن عن رغبتها في الترشح لعضوية اتحاد المغرب العري عندما كان هنالك أمل في انطلاقه من جديد. و عندما كذب السيد الحبيب الشطي أن تكون هناك قاعدة للحلف الأطلسي مؤكدا أن ذلك لا أساس له من الصحة صاح السيد أحمد الخطيب و كان عندئذ مندوبا لوكالة الشرق الأوسط – قبل أن يصبح وزيرا للإعلام في الحكومة الأردنية و يعتذر عما صدر عنه في الندوة الصحفية- صاح بكل قواه أسحب كلامك و إلا فإني سأكيل لك الصاع صاعين- و يحضر ني مثال آخر لهذه الرعونة عندما صاح السيد سعد عفرة مدير الاستعلامات و أحد كبار المسؤولين في الدولة تعليقا على تصريحلرئيس الجمهورية التونسي بقوله »بورقيبة كذاب ». و صدرت جريدة الجمهورية من الغد و هي تعرض باللون الأحمر و على عرض الصفحة الأولى هذه البذاءة الرخيصة بكل نخوة و اعتزاز.
بالعودة غلى الندوة الصحفية فقد صدرت من الغد الصحف المصرية بعناوين بالبنط العريض قلبت هذه الحقائق و كيفت تصريحات رئيس الوفد حسب هواها. « لقد شططت يا شطي »
بعد أن جاءتنا التعليمات بالاستعداد لغلق السفارة و تسليم مفاتيحها للسفارة الليبية بعد اتفاق الحكومتين التونسية و الليبية على أن تتولى ليبيا تمثيل المصالح التونسية، زرت القائم بالأعمال الليبي و اتفقنا على أن نسلم له كشفا بالأثاث و المتعلقات الأخرى و كان علينا إذن أن نعد بعض الكشوفات و ليس عندنا خبرة بما ينبغي القيام به في الحالات الاستثنائية. على كل استنجدنا بالطلبة التونسيين و أذكر منهم الأخ البشير حنتوس، و حرقنا كمية كبيرة من التقارير و المراسلات و رتبنا ما كان ينبغي أن نحتفظ به في حقيبة تشحن في الطائرة التي ستقل من الغد إلى تونس أحد موظفي السفارة. و ذهبنا إلى المطار لنرقب شحن العفش حتى نطمئن على سلامة حقيبة الأرشيف. و ما راعنا إلا و حقائب المسافرين يعاد إخراجها واحدة بعد الأخرى إلى أرض المطار بعد أن تم شحنها ثم توضع ثانية في مخزن الطائرة soute à bagages إلا حقيبة الأرشيف فقد بقيت أمام الطائرة لفترة من الزمن قبل أن تشحن هي الأخرى بدون أن نعلم السبب في ذلك. و قد تملكنا الخوف من أن تسطو عليها المخابرات و تكشف عن أسرار هي في الواقع معروفة لديها بسبب بدائية الشفرة التي كنا نستعملها في ذلك العهد.
وعلى ذكر المخابرات فقد ورثنا عن زميلنا حمادي بلوزة و كان مكلفا بالقنصلية شقته بما في ذلك المعينة المنزلية التي كانت تتولى شؤون البيت و إعداد وجبات الطعام و ذات يوم اعترفت لي بأن شخصا اعترض سبيلها و سألها عن محتوى حديثنا أثناء الغداء فقالت لهم بانهم يتكلمون بلهجة لا تفهمها.
وذات يوم عدت إلى البيت حوالي الساعة الرابعة مساء على أن أعود للسفارة على الساعة السادسة.وفعلا أعددت نفسي لذلك و ما أن أمسكت بحزمة المفاتيح حتى شعرت بأنه خف وزنها. واكتشفت أني فقدت مفتاحين يتعلقان بدرجين في مكتبي-كان الأخ مقران بلخواص أعزب فطلبت منه أن يبيت تلك الليلة في مكتبي و من الغد صباحا تركت الفرصة للست زينات لكي تعيد المفتاحين إلى « شك المفاتيح » و حصل ما توقعته و مع أني عنفتها على صنيعها تركتها في العمل لاعتقادي بان من سيعوضها قد يكون أسوا منها.
كنا محاطين في السفارة برجال المخابرات و في داخلها بموظفين من كتاب و سواق و غيرهم ليس لهم أي مهرب من التعامل مع المخابرات. و عندما نخرج إلى الشارع يتبعوننا خاصة في أيام الأزمات يحصون علينا أنفاسنا. و في ذات الوقت لا نعرف كيف نصم آذاننا عن سماع برامج صوت العرب في شوارع القاهرة و أحيائها غصبا عنا و دون سابق إنذار. و لا تسل كيف يتطاول أحمد سعيد على تونس و قادتها بغير حساب فلديه لغة تتقن فن السب و الشتم و لا يجاريها أحد في تلفيق الأكاذيب و الترهات.
لا أريد أن أنهي هذا العرض قبل أن أذكر حادثة طريفة تمثلت في أن السفير المصري كان يطلب مقابلة الوزير سي المنجي سليم من وقت لآخر لبحث المواضيع ذات الاهتمام المشترك و يستقبله الوزير بكل لطف و رحابة صدر ولكني لاحظت أن السفير لا يفتأ و أنا أصحبه إلى باب الوزارة لتوديعه يستوضحني عن المسائل التي وقع إثارتها أثناء المقابلة بما يدل على عدم فهمه اللهجة التونسية و كان علي أن أنبه الوزير لهذه النقطة فأجابني بأن على السفير أن يجتهد في استيعاب اللهجة التونسية و ليس على الوزير أن يتعلم اللهجة المصرية لكي يقوم السفير بمسؤولياته.
مبدأ أيزنهاور
لو تأملنا النشاط اليومي للرئيس الحبيب بورقيبة طيلة الفترة الفاصلة بين مارس 1956و ديسمبر 1958لوجدنا اهتماماته موزعة أساسا بين ثلاثة محاور، المحور الأول خاص بالشؤون التونسية و ما تتطلبه الأوضاع من جهود لتخليص البلاد من مخلفات الاستعمار و المحور الثاني يتعلق بالثورة الجزائرية و أما المحور الثالث فقد خصصه للعلاقات الدولية و من ذلك الوساطة الأنجلوأمريكية إثر أحداث الساقية و تزويد تونس بالسلاح، إضافة إلى ذلك فإنه بقدر ما يندد بالساندة التي يلقاها صالح بن يوسف لدى عبد الناصر فإنه يساند مصر ساعيا إلى إقناع غي ملي رئيس وزراء فرنسا بانعكاسات الحرب على منطقة المغرب العربي و توخي الطرق السلمية لحل الخلاف بين فرنسا و مصر و يندد بالعدوان الثلاثي عليها و يرفض معاملتها بالمثل فيمتنع عن استقبال لاجئين مصريين في تونس.
لكنه يؤيد مبدأ إيزنهاور في حين ترفضه مصلا و للتذكير فإن هذا المبدأ يسمح بموجبه الكونغرس للرئيس الأمريكي بإرسال القوات المسلحة للدفاع عن أي من الحكومات الصديقة في الشرق الأوسط التي تواجه تهديدا مسلحا من قبل أي دولة تدور في فلك الاتحاد السوفيتي و في حالة عدم وجود التهديد السافر بالسلاح فللرئيس الحق في تقديم المساعدات العسكرية و الاقتصادية التي تحتاج إليها تلك الحكومات بغية بناء جهاز دفاعي ذاتي. و فعلا نزلت قوات المارينز في بيروت غداة ثورة 14 تموز في بغداد و اغتيال الأسرة المالكة و نوري السعيد. و كان لبنان آنذاك مسرحا لقلاقل بسبب ترشح كميل شمعون لولاية ثانية كما نزلت القوات البريطانية في عمان خوفا من أن يحل به ما حل بالعراق في وقت كانت إذاعة صوت العرب تنادي صباح مساء بإسقاط الملك حسين (بن زين) و غيره من زعماء المنطقة ممن لا يعترفون بسلطان عبد الناصر.
هذا المبدأ كان يرمي إلى شد أزر الدول العربية التي تواجه محاولات لزعزعة استقرارها و لذلك لم يكن غريبا أن تختلف الرؤى بين بورقيبة و عبد الناصر إذ أن مبدأ إيزنهاور يعني أساسا الجمهورية العربية المتحدة و سلوكها تجاه جاراتها العربية.
استئناف العلاقات التونسية المصرية
في سبتمبر 1961 اجتمع قادة دول عدم الانحياز في بلغراد و لم تمر إلا مدة بسيطة على الحرب على بنزرت وحصلت فيها تونس على إجماع الجمعية العامة للأمم المتحدة فكانت فرصة اغتنمها عبد الناصر و بورقيبة للتصالح و طي صفحة الماضي . و هكذا عادت العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها و آلت السفارة لى السيد أحمد المستيري و سارت العلاقات سيرا عاديا في عهده و انتهى بزيارة عبد الناصر إلى تونس في 15 أكتوبر 1963 بمناسبة جلاء القوات الفرنسية عن بنزرت و ما زلنا نذكر حرترة الاستقبال الشعبي الذي خص به عبد الناصر و بن بلة و الحسن الرضا ولي العهد الليبي و ممثل ملك المغرب عبد الهادي بوطالب بهذه المناسبة تقديرا لتضامن هؤلاء القادة و شعوبهم مع الشعب التونسي.
ثم عين المرحوم حمادي بدرة خلفا للسيد أحمد المستيري و هي فترة زاهرة ازدهرت فيها العلاقات التونسية المصرية و انعقدت فيها قمتان واحدة في الإسكندرية و الأخرى في القاهرة حول تحويل روافد نهر الأردن حضرها الرئيس الحبيب بورقيبة و ألقى فيها خطابا حلل فيه القضية الفلسطينية و طالب فبه الشعب الفلسطيني بأن يتولى الشعب الفلسطيني قضيته بنفسه على أن تقوم الدول العربية بواجب معاضدته و طرح التجربة التونسية كمثال يمكن أن ينسج على منواله ثم جاء الرئيس بورقيبة في زيارة رسمية قل أن حظي فيها رئيس باستقبال أروع مما تم في تلك المناسبة.
و لكن الزيارة انتهت بخلاف حول قطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا الفيدرالية و رفض الرئيس بورقيبة أن يساير فيها عبد الناصر و إضافة إلى شن القاهرة بالمناسبة حملة على تونس بخصوص موقف بورقيبة في أريحا من القضية الفلسطينية بينما حصل برقيبة بوعد من عبد الناصر على عدم التعرض له في مسألة وافق مبدئيا على أنها الطريق الأسلم لحلحلة القضية و قامت مظاهرات طالبية نظمتها المخابرات و انتهت بإضرام النار في محل الإقامة و تعريض حياة السفير إلى الخطر. قطعت العلاقات مرة أخرى على إثر هذه الأحداث و عادت بعد حرب 1967 و استمرت إلى حد الآن على وتيرة طبيعية لم تشبها شائبة.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire