النص الكامل لمحاضرة السفير صلاح الدين عبدالله تونس وحركات التحرير الإفريقية

النص الكامل لمحاضرة السفير صلاح الدين عبدالله تونس وحركات التحرير الإفريقية

0
PARTAGER

من أهمّ المتغيّرات التي تمخّضت عن الحرب العالمية الثانية تداعي النظام الاستعماري في آسيا بداية من اختلال التوازنات السياسية فيها وفي المستعمرات نفسها. وكان للأحداث التي شهدتها هذه الساحة، ومن أهمّها مؤتمر باندونغ وهزيمة الجيش الفرنسي في « ديان بيان فو »، أثرها في دفع مسيرة الحرية في القارة الإفريقية.
وكان لتونس سبق في الكفاح منذ بداية القرن العشرين وصولا إلى قيام الثورة في 18 جانفي 1952. ولا شكّ أنّ النخبة الإفريقية كانت تتابع تطوّرات الموقف في تونس وفي المغرب العربي بصفة عامة في وقت كانت أوطانها تعتبر أجزاء من الممتلكات الفرنسية. وبدأت باريس تُبدي بعض التفتح المدروس، فشرعت تسند خططا سياسية لشخصيات إفريقية تدور في فلكها وهكذا برزت أسماء مثل سنغور ومويبو كيتا وهماني ديوري وهي تشغل خططا سياسية محدودة المسؤوليات. ومن الطبيعي أن يكون لهؤلاء طموحات وهم يتابعون ما يجري في بلادنا.
وكما كان سنغور يدعو وزراءه بعد توليه رئاسة الجمهورية في السنغال إلى التأسي بالتجربة التونسية، فقد كان هو وغيره يحرصون على مواكبة ما يجري في شمال القارة بالنظر لتأثيراته المباشرة على الوضع في بلدانهم. فقد استقلت تونس والمغرب بينما تتواصل الحرب في الجزائر حتى آل الأمر إلى سقوط الجمهورية الرابعة إثر العدوان على ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958. وبالرغم من الخسائر التي لحقت بالمواطنين التونسيين، فقد حقّقت تونس انتصارا هامّا بإقحامها العامل الأمريكي والبريطاني في علاقتها مع فرنسا ولم تعد بذلك محكومة بثنائية كانت الطرف الأضعف فيها. وهو ما ترجمه الموقف الحازم الذي وقفه الرئيس ايزنهاور في رسالة شديدة اللهجة بعث بها إلى الرئيس الفرنسي René Coty إثر الحادثة، وهو ما أفضى في مجلس الأمن إلى تعيين مرفي وبيلي وسيطين بين تونس وفرنسا في قضية الحال وما تبع ذلك من تزويد تونس بما كانت تحتاج إليه من سلاح وذخيرة.
كانت قيادة الجيش الفرنسي في الجزائر تُعدّ العدة لاجتياح التراب التونسي في عملية معروفة باسم المحراث الكبير la grande charrue حتّى توقف المدد الذي كانت تقدّمه تونس للثورة الجزائرية وتقطع ما توفّره للثوار من منطلق وملاذ وما تسمح به من مرور العتاد إلى قواعد جيش التحرير. وبالرغم من هشاشة الاستقلال الذي لم يمر عليه وقت طويل ومن الأخطار المحدقة بحرمة التراب التونسي، لم تتوان تونس عن القيام بواجبها تجاه الأشقاء الجزائريين إيمانا منها بأنّ الحرية كلّ لا يتجزّأ وأنّ استقلالها سيبقى مهدّدا ما دام الاستعمار جاثما على التراب الجزائري وهو مبدأ التزمت به تونس تجاه كافة قضايا التحرير سواء منها في العالم العربي أوفي إفريقيا.
وأذكر على سبيل الطرفة زيارة قام بها إلى تونس سنة 1961 على ما أعتقد شقيق الإمام غالب بن علي في عمان مصحوبا بأمير الجبل الأخضر. وكانا يرتديان لباسا تقليديا فضفاضا وعمامة مناسبة للمقام وهو ما زاد من ضخامة الأمير مع لحية طويلة كثة مخضبة… واستُجيب لطلبهما، فصاحبتهما لمقابلة الرئيس بورقيبة وبعد أن عرض رئيس الوفد تطوّرات كفاح الشعب العمّاني في سبيل الاستقلال طلب مدّه بمساعدة يقوى بها على مواجهة العدوّ. وعندما انتهى من حديثه عبّر له الرئيس عن استعداد تونس لتقديم ما تسمح به إمكانياتها من عون مادي وسند سياسي بل وأن تضع على ذمّة الحركة الوطنية العمانية مقرّ بعثتها لدى الأمم المتحدة. وكانت دورة الجمعية العامة على أبواب الانعقاد وذلك حتى يستقرّ فيها المبعوث العمّاني وينطلق في اتصالاته مدعوما بالسفير الطيب سليم. ثمّ توقف قليلا ونظر إلى زائريه طويلا جائلا ببصره من أعلى رأسيهما إلى أخمص قدميهما مما كان له ولاشكّ وقع الصاعقة عليهما « أتعتقدان أن أحدا سيعيركما اهتمامه ويقتنع بقضيتكما وأنتما تواجهانه بهذا الهندام وهذه اللحى ». ودارت الأيام فساهمت تونس في إعادة استتباب الأمن في عمان في بداية السبعينات بصفتها عضوا في اللجنة الخماسية المعنية بالأمر بالجامعة العربية عندما كنت مبعوثا قارّا لديها.
كانت الحرب في الجزائر في أوجها عندما قرّر الجنرال ديغول تطبيق مشروع الاتحاد الفرنسي l’Union Française على المستعمرات الإفريقية. وهو إطار يمنحها صيغة من الحكم المباشر مع ارتباطها بالمركز في نطاق ما سيطلق عليه فيما بعد « la France Afrique ».
وبالمناسبة فقد نبّه الزعيم الحبيب بورقيبة السياسي الجزائري فرحات عباس في رسالة بعث بها إليه في 29 جويلية 1946 إلى خطورة مشروع الاتحاد الفرنسي ممّا يدعو إلى رفضه لما يحمله من تبعات.
نظّمت باريس استفتاء خيّرت فيه منظوريها الأفارقة بين الاستقلال والانضمام إلى الاتحاد الفرنسي فخيّرت كلها الخيار الثاني ما عدا غينيا كوناكري التي اختارت الاستقلال بديلا عنه. وثارت ثائرة الحكومة الفرنسية فسحبت بين عشية وضحاها كافة موظفيها وأوقفت كلّ مساعداتها وعملت على منع انضمام هذا البلد إلى حظيرة الأمم المتحدة. اجتمعت مجموعة الدول الإفريقية المستقلة الثمانية على مستوى سفرائها في نيويورك وهي تونس وليبيا والمغرب والسودان ومصر وغانا وليبريا وأثيوبيا في غرّة أكتوبر 1958 للنظر في الأمر. وعبّر مندوب تونس عن استعداد الوفد التونسي لتبنّي ملف انضمام غينيا للمنتظم الأممي أمام مجلس الأمن بمساعدة فرنسا إن أمكن ذلك. وفي ردّه على ادعاء الوفد الفرنسي بأنّه على الأمم المتحدة انتظار اتخاذ قرار في الموضوع إلى حين عقد اتفاقات بشأن تحويل السلطات إلى الحكومة الغينية، ذكر بأنّ انضمام تونس تمّ قبل التوقيع على نصوص من هذا القبيل مقلّلا بذلك من مصداقية الموقف الفرنسي الذي كان يؤكّد على اختلاف الوضع بين غينيا من ناحية وبين تونس والمغرب وكمبوديا واللاوس التي هي دول كانت تتمتّع بنظام ملكي وإدارة عريقة من ناحية أخرى.
وفي خضم المشاورات التي كانت الأمم المتحدة مسرحا لها في هذا الشأن أوفد الرئيس الحبيب بورقيبة وفدا برئاسة المرحوم محمد المصمودي وعضوية نواب في المجلس التأسيسي وموظفين سامين وقيادات نقابية إلى العاصمة الغينية كوناكري، وهي مبادرة كانت ترمي إلى شدّ أزر الرئيس سيكوتوري في سعيه من أجل تركيز الاستقلال. وحسب ما علمنا فإنّ ديالوتلي، مندوب غينيا لدى الأمم المتحدة، عرض الخطاب الذي كان يزمع إلقاءه أمام الجمعية العامة بعد أن وقع تجاوز الاعتراض الفرنسي وكانت فرنسا احتفظت بصوتها، بينما حصل طلب الانضمام على تأييد بقية أعضاء مجلس الأمن. قلتُ عرض ديالوتلي خطابه على السفير المنجي سليم للاستئناس بملاحظاته وهو الذي كان حائزا على احترام الجميع بالنظر إلى خصاله الشخصية والسياسية، إضافة إلى ما كان يحمله لإفريقيا والأفارقة من عطف كبير. وأذكر في هذا الصدد ما كان يردده أمامنا مازحا من أن لون بشرته أبيض لكن قلبه أسود.
استقلت غانا وكانت في العهد الاستعماري تحمل اسم « ساحل الذهب » سنة 1957. وأقام الرئيس كوامي نكروما في أواخر فيفري وبداية شهر مارس احتفالات كبرى بهذه المناسبة دعا إليها عددا من الشخصيات العالمية. وكان الرئيس بورقيبة أول من وصل من المدعوين إلى أكرا، وكان آنذاك رئيسا للحكومة ووزيرا للخارجية. وقد تنبّأ بأن هذا الحدث سيفتح الباب على مصراعيه أمام استقلال البلدان الإفريقية المجاورة. فقد توجه عشية سفره ببيان إلى الشعب قال فيه بالحرف الواحد « إن قيام هذه الدولة المستقلة المكونة من شعب إفريقي أسود يعتبر حدثا عظيما سيكون له أثر عظيم يمتد إلى كافة أنحاء القارة سيما وأجوارها ما زالوا تحت الاستعمار السافر أو المقنّع كالوصاية على الطوغو والكامرون وكل من افريقيا الاستوائية والغربية. ونحن نعتقد أن بريطانيا ستفتح بعملها هذا مشاكل لجميع الدول الاستعمارية في افريقيا ». انتهى الاقتباس.
اتفق الرئيس بورقيبة مع نكروما على عقد أول مؤتمر للبلدان الافريقية المستقلة الثمانية لمساعدة الحركات التحريرية في افريقيا. وانعقدت هذه القمة في أفريل 1958 فوضعت مبادئ مشتركة بغية تنسيق نضالات الشعوب الافريقية بما يسمح عند اندحار القوى الاستعمارية بتحقيق وحدة القارة. تلك الوحدة التي مثلت الهاجس الأكبر للرئيس الغيني طيلة حياته السياسية.
زار نكروما تونس في 9 جوان 1958 ضمن جولة في البلدان السبعة الأخرى لوضع جهاز قار للتشاور بين حكوماتها، ودعا إلى عقد ندوة لكافة الشعوب الافريقية في ديسمبر من نفس السنة حضرها الزعماء كوندا من روديسيا الشمالية وباتريس لوممبا من الكونغو وطُمبُويا من كينيا، وكانت تونس من بين الحضور الذي بحثوا في الوسائل الكفيلة بالتعجيل باستقلال هذه البلدان.
عدد من هذه القيادات التي كانت مستقرة في لندن بحكم خضوع بلدانها للاستعمار البريطاني كانت تتردد علينا في السفارة للاجتماع بالسفير الطيب سليم والبحث فيما تحتاج إليه من مساعدات. فقد كانت العاصمة البريطانية القناة التي يتم عبرها التنسيق مع هذه الحركات والمنظمات المنتمية إلى مستعمرات انقلترا أو الواقعة تحت تأثيرها مثل نظام الميز العنصري بجنوب افريقيا وما كان يدعو جنود غرب افريقيا أي ناميبيا وهي المؤتمر الوطني الافريقي (ANC) ومنظمة شعب جنوب افريقيا (SWAPO).
كانت سنة 1960 موعدا لكثير من الأحداث الإفريقية سنتوقف عند بعضها :

1. استقلال بلدان افريقيا الغربية والاستوائية، وقد تبنت تونس في شخص المنجي سليم مطالب انضمامها إلى الأمم المتحدة. وكانت بلادنا آنذاك عضوا في مجلس الأمن. وهذه الدول هي الكامرون وجمهورية افريقيا الوسطى ومدغشقر ومالي والنيجر والسنغال والطوغو وفلتا العليا (بركينا فاسو حاليا).

2. مسألة موريتانيا وقد اتخذت فيها تونس موقفا عاكس الطموحات المغربية في ضمّ هذا البلد على أساس العلاقات التاريخية التي كانت تربطه بالعرش المغربي. وكانت نظرية تونس أنّ المهم عدم تعطيل خروج الاستعمار من موريتانيا ثم تحقيق الوحدة مع المغرب إذا كان ذلك استجابة لإرادة الشعبين. ولم ينضم هذا البلد إلى الأمم المتحدة إلا في 27 أكتوبر 1961 بسبب الفيتو السوفياتي اعتبارا للعلاقات التجارية الممتازة التّي كانت تربط الإتحاد السوفيتي بالمغرب خاصّة في التزود بالفسفاط المغربي.
3. أزمة الكنغو التي شاركت تونس في مواجهتها ضمن قوات الأمم المتحدة سواء بالرأي أو عن طريق البعثة السياسية والعسكرية في ليوبلدفيل (كنشاسا حاليا). وكان اللواء الأسمر بوزيان قائدا لقوة تعد 1400 ضابطا وجنديا وصلت في منتصف شهر جويلية 1960 والتحقت بقوة أمميّة حدد مجلس الامن مهمتها بحماية البلاد من التدخل الأجنبي واستئصال المرتزقة الأجانب من كاتنقا حيث ظهرت حركة انفصالية بزعامة Tshombé تهدد وحدة الكنغو. وفيما عدا ذلك لم تكن تونس على علم بما كانت تحيكه المخابرات البلجيكية والأمريكية من خطط للتخلص من باتريس لوممبا.
4. الإعلان الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة وهو الذي وافقت عليه الجمعية الامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1960. ويمكن القول أن هذا الاعلان موضوع القرار رقم 1514 كان بمثابة إسفين دُق في المنظومة الاستعمارية وجعل من المجموعة الإفريقية قوّة سياسية يحسب لها حسابها وسمحت بتعديل الكفة لصالح العالم الثالث. وتمّ ذلك لسنوات قبل أن يتراجع تأثيرها وتتمكن القوى العظمى وإسرائيل من النكوص عن قرارات مثل الصهيونية رديف للعنصرية نتيجة للمتغيرات الدولية.

وفي سنة 1961، أنشأت الجمعية العامة لجنة خاصة من 17 عضوا زاد عدد اعضائها العام الموالي إلى 24 عضوا لمتابعة تنفيذ الاعلان. وقامت هذه اللجنة التي أطلق عليها اسم لجنة تصفية الاستعمار، والتي ترأسها زميلنا المرحوم محمود المستيري، بعمل جليل لم تترك فيه ثغرة للدول الاستعمارية لكي تتهرب من مسؤولياتها.

ما تم في مجلس الوصاية ليس بأقل أهميّة في التعجيل بخلاص البلدان التي اوكلت جمعية الأمم للدول الاستعمارية غداة انهزام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى مرافقتها إلى أن تتحصل على الحكم الذاتي – كان على الدول الافريقية أن تواجه المناورات التي كانت ترمي إلى تأجيل تحرير هذه البلدان أو تنصيب مسؤولين محليين من أنصارها عليها بعد التخلص من قادتها الوطنيين (اغتيال الزعيم الكامروني Felix Moumier) أو تغيير صبغتها الافريقية بتهجير الهنود إليها فتكون بلدانا متعددة الأعراق وتفقد بذلك خصوصيتها وفي هذا الباب تميز نشاط السفير الهندي جحا. وفي النهاية تحقق تحرير هذه البلدان ولم يبق لمجلس الوصاية أي دور فتم إلغاؤه.

في نوفمبر 2007، زارني السفير البرتغالي السابق جوزي مانويل دوارتي دي خيزوس بتوصية من صديق مشترك وكان يعد كتابا حول أدوارد مندلان، زعيم حركة Frelimo في الموزمبيق وهو الذي اغتالته المخابرات البرتغالية على الأرجح سنة 1967. وكانت الغاية من زيارته التدقيق (في علاقة مندلان بتونس وتبنيه الخيارات الاستراتيجية التونسية. تعرّف على الزعيم النقابي المرحوم أحمد التليلي في حفل اقامه الأخ المرحوم عبد الكريم موسى، القائم بالأعمال في الرباط آنذاك. وذلك بمناسبة انعقاد المؤتمر النقابي لعموم افريقيا في الدار البيضاء سنة 1961. ونشأت بين الرجلين علاقة توطدت في بون حيث نُقل الدبلوماسي البرتغالي وحيث كان سي أحمد التليلي مكلفا باسم الحزب بالتنسيق في مجال التعاون مع حزب SPD وخاصة مع زعيميه Ollenhaur et Wishnewsky – وعندما كانا يلتقيان يستعرضان امكانيات الحل السياسي للحرب التي اتسعت في أنغولا والتي تشير كل الدلائل بقرب اندلاعها في الموزمبيق. وكان أكثر ما يخشاه سي أحمد التليلي حسب هذا المصدر هو أن يتمكن الاتحاد السوفيتي من بسط هيمنته على افريقيا اذا لم تتخذ الخطوات للحيلولة دون ذلك وأن الحرب الاستعمارية لن يكون لها من نتيجة سوى اضفاء الشرعية على الحركات المتطرفة – وكان من رأيه أنّ من مصلحة البرتغال البحث عن تسوية سياسية مع روبرتو هلدن وادواردو مندلان.

وفي أحد اللقاءات مع الدبلوماسي البرتغالي اقترح سي أحمد التليلي اجراء محادثات بين ممثلين عن لشبونة وعن الحركتين دون الالتزام بشروط مسبقة ولا بجدول أعمال محدّد، وأن يقع ذلك في بلد محايد وعلى مستوى محدود بما يحفظ ماء الوجه لكليهما عند الضرورة وكان يفكر في أن يتم ذلك في تونس.

وعندما نقل الدبلوماسي هذا الاقتراح إلى الدوائر العليا في بلاده لم يجد التجاوب المنشود وذلك لان الأجواء في لشبونة في تلك الفترة لم تكن مهيئة لقبول مثل هذه الأفكار فسلازار كان يعتبر المستعمرات البرتغالية جزءا لا يتجزأ من الحظيرة الوطنية ولا مجال للتفويت فيها ولا التعامل بشأنها إلا عن طريق الإذعان أو الحرب.

وانطلاقا من نفس الخطة التي نجحت في تونس عندما عمل الرئيس الحبيب بورقيبة والزعيم فرحات حشاد على ربط العلاقة مع AFL-CIO كوسيلة لفتح قنوات الاتصال مع الدوائر الرسمية الأمريكية، سعى المرحوم أحمد التليلي بتعليمات من الرئيس لتطبيق خطة تعتبر في ضوئها الولايات المتحدة حليفا اساسيا في المغامرة التي تخوضها الحركات الوطنية الافريقية – تمّ ذلك إثر انعقاد المؤتمر الثاني للشعوب الافريقية في تونس سنة 1959 – بعد اغتيال الرئيس كندي وقع الاتجاه إلى المجتمع المدني الأمريكي لتوفير الدعم المطلوب. وكان سي أحمد التليلي على صلة مستمرة بصديقه ممثل اتحاد النقابات الحرة الأمريكية في أوروبا Irwing Brown للعمل على إبقاء التيار النقابي الافريقي بعيدا عن التأثيرات الشيوعية. وكان الرأي أن يحصل روبرتو هلدن عن أنقولا وادواردو مندلان عن المزمبيق على الدعم المناسب لهذا الغرض، وكانت المساعدات المالية تمر عبر صندوق لدى السيد أحمد التليلي الذي كان في نفس الوقت امين مال الحزب مكلفا بالعلاقات مع الحركات الافريقية. وبما أن هذه البيانات نقلت عن مصادر غير تونسية فهي تقدم ليس على اساس حقائق ثابتة وإنما كمجرد معلومات قابلة للتجريح والتمحيص حسب الوثائق التونسية المتوفرة.

روبرتو هلدن زار تونس والتقيتُ به وهو وطني صادق ولكن النعرات القبلية كانت قوية فخرج عنه Savimbi وانقسمت الجبهة FLNA وانقطع عنه المدد، إضافة إلى أن الاتحاد السوفياتي تدخل بكل ثقله لترجيح الكفة بل وقتاله إلى جانبها ولا أدري مدى ما استفاد به الشعب الانقولي في قرابة الأربعين سنة الماضية في ظل حكم عائلي جمع يبن يديه مقدّرات بلد بترولي يتوفر على خيرات هامة جدا بدون أن ينال منها النزر اليسير.

انقسام البلدان الافريقية في المجال النقابي كان انعكاسا لانقسامها على المستوى السياسي، فمجموعة الدار البيضاء تؤيد وجهة نظر نكروما بشأن الوحدة الافريقية من برلمان موحد وسوق مشتركة قاريّة وقيادة عليا موحدة. بينما ترى المجموعة الثانية مجموعة منروفيا أن الوحدة هدف يتحقق عبر اتفاقات تتشابك فيها المصالح بين الدول. والواقع ان افريقيا عرفت خلافين طيلة المدة الفاصلة بين 1958 و1963، أي تاريخ تأسيس منظمة الوحدة الافريقية. الخلاف الأول حول آنية الوحدة والخلاف الثاني مذهبي مطبوع بالانحياز لهذا القطب أو ذاك. انضمت تونس إلى مجموعة منروفيا انسجاما مع اختياراتها الأساسية بالنسبة لقضيتي الوحدة والموقف من الحرب الباردة ومع ذلك فقد كان همها دائما تفادي القطيعة والسعي لايجاد توافق يخدم القضايا الافريقية.

انعقد مؤتمر وزاري في أوت 1959 في العاصمة اللبيرية. وكان الوفد التونسي برئاسة الدكتور الصادق المقدم، كاتب الدولة للشؤون الخارجية، وعضوية الاخوة محمود المستيري والحبيب بولعراس وعبدكم، يسعى من أجل دفع قضية الاعتراف بالحكومة الجزائرية المؤقتة، وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما قرر المؤتمر الاعتراف بالحكومة الجزائرية المؤقتة وإقامة حفل رسمي لرفع العلم الجزائري.

وما دمنا بصدد الحديث عن منروفيا فلا بأس من الخروج من وقار المؤتمرات إلى سرد نادرة عن تلك الزيارة –ليبيريا بلد أسسه كما تعلمون مستعمرون سود هربوا من أصفاد العبودية حبا في الحرية كما يؤكده الشعار الرسمي للدولة – ولكنه وقع تحت سيطرة الشركة الأمريكية FIRESTONE تستغل غاباته في الصناعات المطاطية وكذلك تحت تأثير الكنائس الانجيلية – خرجنا ذات يوم نتجول في شارع المدينة وكل منا يرتدي جبة قمراية في جو مشبع برطوبة مهما كانت مرتفعة فهي أرحم في الجبّة منها في الفراك المطلوب بروتوكوليا ارتدائه في العشاء الرسمي الذي أقامه الرئيس طبمان على شرف الوفود. أتعلمون كيف انتهى هذا العشاء، انتهى بنا بالمرور أمام طاولة كبيرة طرحت عليها كميات من الأوسمة وطلب من الحضور التزود منها مباشرة.

وبينما نحن في جولتنا نستنشق نسائم الحريّة، اقترب منا شيخ مسن مستفسرا عن حالنا بعد أن علم أننا من تونس ورجانا أن نقبل دعوته لزيارة الكتاب الذي يشرف عليه واستجاب الدكتور المقدم لطلبه، بما عرف عنه من تواضع ولطف ودماثة الخلق. اعتقد أننا من أول الفاتحين التونسيين لليبيريا إذ لم يزرها على الأرجح أحد قبلنا اللهم إلا الرحالة القرطاجي هانون الذي وصل حسبما يقال إلى تلك الربوع.

استقبلنا الأطفال بنشيد أقبل البدر علينا ورحّب بنا الشيخ بحرارة وتحدث عن معاناة المسلمين في منروفيا « بلاد الكفر والجهل والفقر » كما قال. وكان المسلمون محرومين من حقوقهم يعيشون في ضنك العيش ربما كبقية السكان الاصليين تحت حكم الاقلية التي جاءت من أمريكا تنشد الحرية.

لن أتوقف عند كافة المحطات التي ميزت العلاقات الافريقية فالأمر الذي يهم بحثنا هذا يتعلق بالحركات التحريرية الافريقية وليس العلاقات الافريقية وما تخللها من خلافات وانقسامات. انما لامناص من وضع قضية التحرير في إطار أشمل خاصة بعد تكوين منظمة الوحدة الافريقية – كان الجميع يشعر بضرورة تجاوز الازمات وجمع الصفوف الافريقية لمجابهة التحديات التي تعترض دولا ناشئة. قامت غينيا ونيجيريا وساحل العاج بمساع في هذا السبيل وأجرى رؤساؤها اتصالات مع نظرائهم للدعوة إلى عقد مؤتمر افريقي عام.

زارنا النجاشي هيلي سلاسي سنة 1963 واستقبل استقبالا حارا اعتبارا للهالة التي كانت تحيط به بسبب جهاده ضد الاستعمار الايطالي وتم الاتفاق على عقد اجتماع لوزراء خارجية الدول الافريقية ال 32 في ماي 1963.

وفعلا تم ذلك واقترحت أثيوبيا تأسيس منظمة تضم الدول الافريقية دون أن تتمتع بسلطات فوق الدول Supranational بينما تقدمت غانا باقتراح حكومة وحدوية تشرف على شؤون القارة – ومما كان يتندر به في تلك الايام، وأن العزّام الذي كان يرافق نكروما في حله وترحاله تنبأ له بصعود ابنه من صبية من وادي النيل لسدّة الحكم على افريقيا فلم يكن هناك افضل منه في البحث عن الضالة المنشودة. وما هي إلا فترة قصيرة حتى عثر عليها فرافقها في طريق العودة إلى اكرا وهي ترفل في حلة الزفاف وكان الرئيس العريس في استقبالها في المطار في يوم مشهود – ومن أسميه تجاوزا عزّام هو في الحقيقة صاحب الطول والحول ابراهيما نياس كبير مريدي الطريقة التجانية ليس في السنغال فحسب بل يصل سلطانه إلى غانا. وكان نكروما متأثرا به كثيرا حسب تصريح ابنه جمال الموعود بالرئاسة القارية والذي اكتفى حتى الآن بخطة صحفي في صحيفة الأهرام.

نعود الآن إلى أفريكا هول حيث استقر الرأي امام اختلاف الآراء حول الهدف من المنظمة على أن يكتفي باعداد الوثائق دون اتخاذ توصية نهائية تركت للرؤساء للبت فيها.

بينما بدأ الرؤساء يتوافدون على أديس أبابا، أدت المشاورات إلى الاسراع بإعداد مشروع ميثاق المنظمة. وما أن حلّ يوم 25 ماي حتى كانت الوثيقة جاهزة وأخذ الآباء المؤسسون كما يقال يصلون تباعا إلى « افريكا هول » والتأم الجمع في موكب مهيب. وعادت قضية الوحدة تتصدر خطب الرؤساء.

وعندما جاء الدور على الرئيس بورقيبة، وكان أعد خطابه في تونس باللغة الفرنسية ولكنه أمر بنقله إلى اللغة العربية حينما علم بأن الرئيس عبد الناصر يلقي خطابه بها. ولم يفعل ذلك في نظري إلا حرصا على ابلاغ الرئيس المصري مباشرة وبدون واسطة الترجمة نطلاقه من نفس المبادئ في تناوله لقضية الوحدة مهما كان المتلقي عربيا أم افريقيا.
و من الغريب في هذا الصدد أن رابح بيطاط، رئيس مجلس النواب الجزائري آنذاك وعضو الوفد أسرّ إلى سي المنجي بأن بن بلة لم يكن راضيا على التغيير الذي حصل في لغة الخطاب!!

اذن تحدث الرئيس بورقيبة بحديثه المعروف عن الوحدة فقال بدون مواربة ان المناداة بوحدة القارة كأمر ناجز سهل التطبيق عبر المصادقة على لائحة أو اعلان أو بيان او دستور تؤدي إلى خيبات أمل مؤكدة. فالوحدة لن تتحقق إلا بموافقة الشعوب موافقة حقيقية لا يشوبها اكراه بعيدا عن المحاولات المشبوهة او الاستعلاء والرغبة في الهيمنة. وعبّر عن ضرورة الاهتمام عوضا عن ذلك بتحرير البلدان المستعمرة ومقاومة التخلف.

وفي حين بقيت الوحدة هدفا كما يبينه اسم المنظمة الجديدة، فقد تمثل الحل الوسط في الاتفاق على مرحلية التمشّي – وقبل أن يتوالى الرؤساء على المنصة للتوقيع على الميثاق تعانق بورقيبة مع عبد الناصر وبن بلة عربونا على المصالحة معهما.

من بين القرارات التي اتخذت في تلك القمة قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع البرتغال وافريقيا الجنوبية. وبموجب هذا القرار دُعي القائم بالأعمال البرتغالي بتونس إلى مغادرة البلاد ولم يكن لنا آنذاك تمثيل في لشبونة كما لم يكن تبادل اي تمثيل مع جنوب إفريقيا.

بالإضافة إلى ذلك قررت القمة مقاطعة التعامل التجاري مع هذين البلدين ومنع طائراتهما وبواخرهما من الرسوء في المطارات والمواني الافريقية. وقد حاولت جنوب افريقيا شق الصف الافريقي بتقديمها عروضا مغرية علّها تعطل تنفيذ هذه القرارات وفي حديث مع الوزير المنجي سليم، ذكر لي أن تونس رفضت قطعيا صفقة من هذا القبيل التزاما منها بموقفها المبدئي من قضايا التحرير.

وقررت القمة كذلك انشاء لجنة للتحرير مقرها دار السلام ومهمتها التنسيق بين حركات التحرير الافارقة ومدها بالمساعدة من صندوق خاص احدث لهذا الغرض وتتركب من تسع دول في البداية، ثم من 21 دولة. كما كلفت وزراء خارجية تونس وليبريا وسيراليون وساحل العاج بالدفاع عن قضايا انقولا والموزمبيق وغينيا بيساو وساوطومي وبرنسيب وجنوب غرب افريقيا والميز العنصري أمام مجلس الأمن. وفعلا دأب السيد المنجي سليم ومن بعده السيد الحبيب بورقيبة الابن على تقديم تقرير مفصل عن القرارات والاتصالات التي كانت تتم في مجلس الأمن بهذا الخصوص وياخذ مجلس الوزراء في دوراته المختلفة علما بها باستحسان وذلك حتى سنة 1967.

كان التنسيق قائما بين الامانة العامة للمنظمة والمجموعة الافريقية في نيويوك ولجنة الـ24 واللجنة الخاصة بالميز العنصري واللجنة الافريقية للعقوبات لاجراء الاتصالات واعداد المواقف والضغط على الدول المترددة والتدخل امام الهيئات المعنية وغير ذلك مما يتطلبه النضال من أجل قضايا عويصة ستمتع فيها البرتغال والنظام العنصري وحكومة يان سميث في روديسيا بتأييد العواصم النافذة – لم أحضر مؤتمر وزراء خارجية المنظمة في أكرا سنة 1965 وهو المؤتمر الذي قرر قطع الدول الافريقية لعلاقتها مع بريطانيا العظمى، لكني أتصور حماس عدد من الثوريين لفائدة قرار لم يقع في النهاية تطبيقه إلا من القلة القليلة. ولم يعترض عليه رئيس الوفد السيد المنجي سليم فناله التوبيخ العلني من جراء ذلك.

ولكل بالرغم من قيام المنظمة فقد استمرت الخلافات بتشعباتها بين أعضائها دون تغيير يذكر – التقدميون والمعتدلون الناطقون بالانجليزية والناطقون بالفرنسية والأفارقة العرب والسود.

وكانت لجنة التحرير بدار السلام متأثرة بالاتجاهات « التقدمية » ولذلك عزف عنها عدد من الدول ومنها تونس بعد أن دفعت حصتها في الميزانية في الفترة الأولى وقررت الاستمرار في تقديم المساعدات مباشرة لحركات التحرير. من ذلك ما قدمته من اعانات بالمال والسلاح لجبهة التحرير الوطني لانقولا (FLNA) بزعامة روبرتو هولدن وقد اعترفت المنظمة بالحكومة الانقولية المؤقتة في 1964 بليبرفيل (Libreville) مما لم يعجب الدول التقدمية التي كانت تؤيد الحركة الشعبية لتحرير انقولا (MPLA) ذات الميول الماركسية. ولم تنجح مساعي دار السلام في التوفيق بين الحركتين المقامتين على قاعدة قبلية.

والواقع ان الاتحاد السوفياتي لم يبخل عن حركات التحرير التي قرر معاضدتها مباشرة او عن طريق الدول الدائرة في فلكه بالمساعدات السياسية والعسكرية بينما كانت الولايات المتحدة متأرجحة بين مواقف متضاربة فلا هي ذهبت بعيدا في مساعدتها لحركة روبرتو هولدن مثلا في أنقولا ولا حاولت أن تضغط على البرتغال. ولربما كان لغياب كندي عن الساحة أثر في الدفع نحو مواقف أكثر واقعية.

كان زعماء الحركات التحريرية يزورون تونس فيجدون فيها الترحاب والتبجيل ويستقبلهم الرئيس والمسؤولون ويسدون لهم النصائح ويستجيبون ما أمكن لمطالبهم وعندما زار الزعيم نلسن مانديلا تونس في 1994 لحضور مؤتمر القمة الافريقي ذكّر في أول تصريح له بأفضال تونس على قضية بلاده – وبالمناسبة يلاحظ من يقرأ مذكراته مدى التقارب بين تفكيره وتفكير الرئيس بورقيبة في تناول قضية التحرير.

لقد تحقق تحرير البلدان الافريقية المولى عليها بفضل تكاتف جهود الجميع. كفاح شعبي رائع بالرغم من قلة الموارد والامكانيات وعمل دبلوماسي ناجح في المجالات الدولية وكان إسهام بلادنا في ذلك متجسّما مع خياراتنا الاستراتيجية في القضاء على الوجود الاستعماري في قارتنا وحيثما كان في العالم.
ما يمكن أن نستخلصه من هذا العرض هو أن تونس لم تأل جهدا في معاضدة حركات التحرير الإفريقية. ولكن لا مناص من الاعتراف بأننا لم نتوفق في توظيف هذا الجهد بما يسمح بتعميق التعاون مع البلدان الافريقية.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire