النظام الإقليمي

النظام الإقليمي العربي الواقع والآفاق (الجزء الثاني)

ثانيا: طور اجهاد محور حركة الدفع القومي بتعقّد الصراع العربي الإسرائيلي  وتراجع التوجّهات القومية العربية مقابل  صلابة الوطنيات القطرية وتصاعد تيارات الإسلام السياسي (1967/1973) .

أكّد حصاد الحرب الحاصلة سنة1967 هشاشة النظام الإقليمي العربي وضعف المحور القومي القائد فيه وبيّن الكلفة الفادحة لنهج المواجهة الحربيّة غير المتكافئة مع إسرائيل ودخول هذا المحور في حالة اجهاد وإنهاك طويل لغاية 1973 تاريخ اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الموالية المنجرّة عن التمسك بالمضيّ قدما في هذا النهج كما كرسته القمة العربية الخامسة المنعقدة بالعاصمة السودانية الخرطوم في 29 آب/ أوت 1967 مباشرة بعيد حرب 5 حزيران/جوان المدمرة للجانب العربي.

وتميّزت هذه الحقبة أساسا بـ:

  • تواصل مناخ الهزيمة على السّاحة العربية واستمرار انكسار المحور القومي العروبي تحت ضغط العجز مقابل السطوة الإسرائيلية وانجراره اضطراريا لمواصلة تحمل عبء نزيف الانفاق العسكري محاولة لتدارك الخلل الفادح في ميزان القوى عسكريّا مع إسرائيل بالارتهان أكثر للاعتماد على دعم الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي لتوريد السلاح في ظل شحّ المدد المالي من قبل الدول العربية القادرة ماليا (تحديدا دول الخليج النفطية) باستثناء العراق والجزائر (وليبيا بعد اسقاط نظامها الملكي).
  • بروز تدريجي لنزعات العود “للتترّس” بالهويّة الإسلامية كأداة للاستعادة التوازن من خلال التعلق بالانتماء للكيان الإسلامي الواسع “والهيولاني تعويضا عن “الكيان العربي الخديج” باستحضار توجّهات المفكرين الإسلاميين الروّاد في العصور المتأخّرة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا.
  • تصاعد ثقل المملكة العربية السعودية ومن ثمة باقي دول الخليج العربية لاسيما بعد القفزة العملاقة لأسعار النفط منذ 1973 باستعمال هذه المادة كأداة تفاوض مع الغرب مما عزّز موقع البلد المعني مع دول جواره الخليجية على الساحة العربية بتوظيف قدراتها المالية العاتية كرافعة أساسية لفرض دور فاعل لها في إدارة دفة النظام الإقليمي العربي وتطويق المحور القومي الرازح تحت وطأة الاستنزاف المالي والتقهقر الاقتصادي بفعل علوقه في المواجهة المريرة مع اسرائيل.
  • توفر بيئة مناسبة لترعرع حراك نمو الإسلام السياسي بنزعاته المختلفة المتراوحة بين الاعتدال والانفتاح النسبي على العصر والانغلاق إزاء الحداثة والرفض الشديد للأنموذج الحضاري الغربي أو للاقتباس منه والإصرار على احلال الأنموذج الإسلامي الغابر في منزلة البديل الواجب الوجود لمواجهة الغرب “المهدّد لكيان الإسلام والمسلمين” حسب تقدير تلك النزعات المتشددة.
  • استفادة تيّارات الإسلام السياسي بدعم سخيّ من كتلة الدول الخليجية القادرة ماليا وفي طليعتها المملكة السعودية. ومن تجليات ذلك انتعاش نشاط تنظيم الاخوان المسلمين وتنظيراته في الدّين والمجتمع ونظام الحكم ، واستحضار كتابات حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي. كما تنامى وجود التنظيمات السلفية المتشددة المستندة الى توجهات وفقه ابن تيمية وابن القيم الجوزية المنحدر عنهما المذهب الوهابي.

ثالثا: طورتخلخل النظام الإقليمي العربي وتصدّع المحور القومي بعقد مصر لمعاهدة سلام منفرد مع إسرائيل (1973/1979).

أكّد هذا الطور مجددا ظاهرة عدم الاستقرار في قاعدة النظام الإقليمي وتشققه لاستمرار جدلية القطرية والقومية في صلبه ومن التجليات الأساسية لهذه الحالة:

  • تصدّع أرضية الثقة بين مصر وسوريا على ضوء ما أسفرت عنه حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 من نتائج متواضعة في باب تعديل انخرام ميزان القوة مع إسرائيل وركون الرئيس المصري آنذاك محمد أنور السادات الى توخي سياسة خارجية مصرية جديدة قوامها التحلّل من التحالف مع الاتحاد السوفياتي وانتهاج دبلوماسية تستهدف ترميم علاقات مصر مع القوى الكبرى الغربية وفي صدارتها أمريكا وكذلك انتهاجه داخليا لسياسة تقطع مع التوجهات الناصرية لسلفه الراحل في 1970 من خلال تقويض التنظيم القومي الحزبي الناصري (الاتحاد الاشتراكي) وتحجيمه عبر استحداث آلية المنابر السياسية والاجتماعية المتعددة لتأطير الرأي ومن خلال التغاضي عن عودة تيارات الفكر السياسي الليبرالي والمحافظ على السطح في مصر وفي صدارتها تنظيم الاخوان المسلمين  مع عدم منحها الغطاء القانوني .وفي باب الاقتصاد  انتهاج التحول الزاحف نحو نظام اقتصاد السوق.
  • دخول لبنان في أواسط سنة 1975 في مرحلة بداية غليان بركان الحرب الأهلية بفعل تحوله الى ساحة بديلة للمواجهة العربية مع إسرائيل وبفعل انزياح منظمة التحرير الفلسطينية نحوه وتحول ترابه الى فضاء استقطاب لوجود وتموقع فصائل الكفاح المسلح الفلسطيني باختلاف مشاربها وارتباطاتها مع دول المحور القومي ولاسيما سوريا والعراق وليبيا وتدخّل هذه الدول في الساحة اللبنانية وتغلغل نفوذها هناك وتنافسه.
  • فك ارتباط مصر بالمحور القومي العربي الوحدوي وتوجه الرئيس المصري “نحو البحث عن مصلحة مصر الوطنية المحضة” وفق تقديره بجرّها مجدّدا إلى فلك الغرب والاستعانة به لعقد صلح منفرد مع إسرائيل برعاية تامة من الولايات المتحدة الأمريكية وتأطير كامل من قبل مستشارها للأمن القومي هنري كيسنجر.

والعوامل الرئيسية الدافعة للرئيس المصري للخروج عما كان يوصف بوحدة الصف العربي نابع من استخلاصه “أن مصر لم تجن من دورها كقطب في المحور القومي سوى الأعباء الثقيلة للمواجهة غير المتكافئة مع إسرائيل في اطار الصراع معها مما أورث استنزاف مقدراتها البشرية والاقتصادية وحرمها من الموارد الكافية لأغراض التنمية بل اهدار تلك الموارد في المجهود الحربي في غياب تضامن  عربي فعال  لاسيما من قبل الدول العربية المقتدرة ماليا  مع استفادتها من ذلك الصراع العربي الإسرائيلية لرفع أسعار النفط  ومراكمة الثروة وبناء رخائها في معزل عن محيطها العربي المعدم والمنهك  وتقصيرها في ترجمة التضامن العربي الى واقع ملموس” .

  • إصرار الرئيس المصري الراحل أنور السادات على الاستمرار في نهجه رغم التحفظ والرفض العربي لذلك بأداء زيارة مفاجئة الى القدس والقاء خطاب في الكنيست الإسرائيلي ( تشرين الثاني/نوفمبر1977).
  • شفعه لزيارته الى إسرائيل بمسار مفاوضات سريّة مصرية إسرائيلية رعتها واشنطن واحتضنتها بكامب دافيد سنة 1978 وكان من حصيلتها عقد “اتفاقين إطاريين لإجراء مفاوضات بلورة بنود معاهدة للسلام المنشود” (أمضيا في 17أيلول/ سبتمبر 1978).
  • تحرك النظام العراقي بقيادة الرئيس صدام حسين “مدفوعا بطموحه المتعجل لتمكين العراق من أن يصبح قطب المحور القومي المتصدع وقاطرته بدلا عن مصر بحكم خروجها عن هذا المحور” ومحاولة لمّ شتات ما تبقّى منه وجبر صدعه بفرض عزل مصر وتجميد عضويتها في جامعة الدول العربية باستضافة مؤتمر للقمة العربية العاشرة ببغداد في الثاني من شهر نوفمبر 1978 لتحقيق تلك الغاية وكذلك اتّخاذ قرا ر نقل مقرّ الجامعة العربية إلى الجمهورية التونسية.
  • تأكيد توجه مصر نحو الصلح المنفرد كردّ على الموقف العربي الرافض لخيارها بتوقيع رئيسها في واشنطن في 26 أيّار/ ماي 1979 لمعاهدة سلام مع إسرائيل وهو ما فسح المجال لفرض العزلة العربية عمليا على مصر وتنفيذ قرار نقل مقر جامعة الدول العربية خارجها وتكريسا لذلك عقد مؤتمر القمة العربية الحادية عشر بتونس في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1979.
  • مسايرة الدول الخليجية للتوجه المتمحور حول عزلة مصر الذي قاده العراق تحت ضغط صعقة انهيار النظام الشاهنشاهي في إيران وقيام النظام الإسلامي الثوري الشيعي على أنقاضه والذي عدّ نذيرا سلبيا لقابلية الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية رفع الغطاء عن حلفائها بمنطقة الخليج كما تم مع نظام الشاه ولاسيما باستحضار “خطيئة ارتكاب الحظر النفطي” مع الغرب سنة 1973 وما كان لها من وقع سلبي على صفاء العلاقات معه وعلى استقرارها.
  • تخليّ الدول العربية، ولاسيما منها دول الطوق الفلسطيني، نهائيا عن نهج المحاربة المباشرة لإسرائيل لفك احتلالها عن أراضيها وتحرير فلسطين.

رابعا: طور انحدار النظام الإقليمي العربي الى درك استنزاف مواجهة  حربية مريرة إضافية  في جواره  الشرقي المباشر(1980/1990 ).

     لم يتحمل النظام الإقليمي العربي طويلا الصدع الحاصل فيه بعزلة مصر عنه ولم يكن العراق قطبا بديلا له الكفاءة للمسك السليم بعنانه والاسهام في تأمين تسيير دفته بحكمة، اذ سرعان ما انزلق رئيس النظام العراقي الأسبق الراحل صدام حسين (تحت النشوة العابرة بالتمكن من المسك بعنان النظام العربي وبدفع من فهم شخصي إطلاقيّ وغير واقعي  للعقيدة القوميّة البعثيّة ). إلى مواجهة حربية مغامرة وغير محسوبة العواقب مع إيران وهي في مطلع ثورتها الإسلامية الشيعية الجامحة فارضا بذلك وزرا جديدا على كاهل بلاده وكذلك على كاهل النظام الاقليمي العربي من خلال جرّه إلى الاصطفاف إلى جانب العراق في معاداة إيران وشعبها المتجذّر في عمق هويته القومية الفارسية العتيدة بما حفزّ مجددا نار الشعوبية الأزلية المضادة للعرب لكن بوقود إسلامي شديد اللهب.

ومن التداعيات الرئيسية لهذا الطور المأساوي المفروض على النظام الإقليمي العربي:

  • مزيد التخلخل في صف البلدان العربية ولا سيما منها تلك المتموقعة في المحور القومي كسوريا وليبيا والجزائر التي استهجنت ورفضت معاضدة العراق في حربه على إيران.

 

  • فرض استنزاف مالي ثقيل على كاهل دول الخليج تحمّلته غصبا عنها معاضدة للنظام العراقي ماليا طوال مدة السنوت الثمانية للحرب العراقية الإيرانية خشية من سطوة النظام الإيراني الجديد في المنطقة ان هو تغلب في تلك الحرب.
  • اتاحة الفرصة أمام الدول الكبرى الغربية وفي طليعتها أمريكا لاستغلال ريع الحرب الطاحنة بين العراق وإيران لاستنزاف الدولتين المتجاورتين وكسر قوّتهما في نطاق تطويق أيديولوجيتيهما المرفوضتين من الغرب وممارسة مزيد من التدخل ومدّ النفوذ في الفضاء العربي ومحيطه.
  • دفع البلدان الخليجية منذ سنة 1981 الى الانخراط في تجمع جهوي حصري لها تمثّل في إقامة مجلس التعاون لدول الخليج العربية للتوقي من ويلات تغوّل أي من البلدين المتحاربين عليها ولتدبّر حماية كيانها وأمنها بالارتهان الى حماية مضمونة من قبل الولايات المتحدة ودول الغرب واحتضان قواعد عسكرية لها على ترابها.
  • تمكين الغرب من استنزاف المقدرات النفطية العربية والإيرانية ووضعها مجددا في بؤرة الاستهداف والاستغلال لفائدة اقتصاداته النهمة لمصادر الطاقة والسيطرة على حراك الإنتاج والتسويق للنفط والغاز بالمنطقة العربية بآلية تحكّم غربية منسّقة وفعّالة عن بعد.
  • تراجع الدعم العربي لقضية الشعب الفلسطيني وللكفاح الفلسطيني بحكم انشغال النظام الإقليمي العربي بالصراع العراقي الإيراني.
  • سنوح الفرصة أمام إيران ونظامها الثوري الإسلامي للاستثمار السياسي الفعال في المنطقة العربية بدعم القضية الفلسطينية وقطع العلاقات مع إسرائيل مما زاد النظام الإقليمي العربي ارباكا وشكّا في حكمة المواجهة العربية الإيرانية وجدواها وفسح المجال لقيام تعاون بين إيران وسوريا لمزيد التغلغل سويا في الساحة اللبنانية لدعم حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية والدعم الإيراني لكيان المكوّن الشيعي العربي اللبناني النصير للثورة الإيرانية وخطها الإسلامي المعادي لإسرائيل.
  • سنوح الفرصة أمام إسرائيل لضرب المفاعل النووي العراقي تموز سنة 1981. وكذلك لاجتياح لبنان سنة 1982 واستباحة عاصمته وضرب حركات الكفاح الفلسطيني المختلفة والمخيمات الفلسطينية واحتضان قوى لبنانية معادية لتواجد الشتات الفلسطيني على الأراضي اللبنانية ودفع منظمة التحرير الفلسطينية للخروج قسرا من لبنان والهجرة الى تونس.
  • اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1987 أمام استمرار تراجع الدعم العربي لكفاحه ونضوب المدد المالي له في غمرة انشغال العرب بالحرب الإيرانية العراقية.

خامسا: طور ارتهان النظام الإقليمي العربي لهيمنة القوى الغربية الكبرى بغزو الكويت من طرف العراق وتردّي هذا الأخير في قيد العزل الدولي ونظام الحظر والعقوبات (1990/2003).

شهد النظام العربي الإقليمي في هذا الطور هزة وزلزالا داخليا لا سابق لهما منذ تأسيس الجامعة العربية بقيام العراق بغزو الكويت عسكريا ونفي وجودها الجغراسياسي بدعوى كونها كانت في فترة ما جزءا من تراب العراق في العهد العثماني.

وهذا الزلزال حصل في وضع كوكبي شهد تحوّلا عظيما تمثّل في دخوله في صيرورة زوال القطبية الثنائية وتفكّك الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الاشتراكي وصعود الأحادية القطبية بسيطرة من الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن العوامل الفاعلة لحدوث التزلزل مجدّدا في النظام الإقليمي العربي ما نتج من تداعيات سلبية للحرب الطويلة العراقية الإيرانية على البلدان العربية عامة وبلدان الخليج والعراق خاصة ويمكن أساسا اجمالها في:

  • تعاظم مديونية العراق وتراكمها بفعل نفقات الحرب.
  • تضخم عديد الجيش العراقي والبنية الصّناعية العسكرية العراقية وما ترتب عنهما من وجوب تدبير الموارد بالاعتماد أكثر على زيادة انتاج النفط وتصديره فضلا عن تصاعد حاجة العراق لتمويل اعادة تدوير عجلة اقتصاده من جديد والخروج من اقتصاد الحرب.
  • انفراط التنسيق بين الدول المنتجة للنفط ولاسيما العربية منها وارتهان السوق النفطية انتاجا وتسويقا الى مشيئة الدول الغربية الكبرى المستوردة التي وضعت آلية فعالة للتحكّم في اقتصاد مواد الطاقة انتاجا وتسويقا على صعيد المعمورة.
  • نشوب خلاف حاد بين العراق والدول الخليجية حول ضرورة ضبط سياسة عربية مشتركة ومتناسقة لاستغلال الثروة النفطية “وهو ما استشفت منه تلك الدول نوع من المصادرة لثروتها النفطية ومحاولة من العراق لفرض قيود وبسط الوصاية عليها تحت غطاء جامعة الدول العربية تكريسا لشعار نفط العرب للعرب واستغلال الثروات العربية للتنمية المشتركة في البلدان العربية. وبرز هذا الخلاف الحاد للعيان بوضوح شديد في مؤتمر القمة العربية الاستثنائية المنعقد ببغداد في 28 أيّار/ ماي 1990.

وأحدث غزو العراق للكويت في 02 آب/  أوت 1990 فالقا عظيما في كيان النظام الإقليمي العربي، ومن أعراضه ونتائجه الأساسية:

  • تقويض أسس استمرار تماسك هذا النظام وسدّ جل السّبل أمام الحفاظ على الحدّ الأدنى من صيغ التعاون والتضامن العربي المتعدد الأطراف صلب جامعة الدول العربية وتبين عجزها عن حل التناقضات صلب النظام الإقليمي العربي.
  • انكفاء الدول الخليجية على نفسها وتوجهها نحو التحصن داخل بوتقة تجمعها الجهوي مجلس التعاون الخليجي تحت ضغط خشيتها من الدول العربية الأخرى والتقدير أن شعوبها تنطوي على أطماع في مقدراتها وثرواتها وذلك استخلاصا مما رصد لدى تلك الشعوب من انحياز الى جانب العراق ونظامه بعد غزو الكويت والانقسام العربي حول سبل ردع نظامه وجبره على الخروج من الكويت.
  • تحول العالم العربي بعد الغزو الى حقل مفتوح للتدخل المباشر وغير المباشر من الدول الغربية الكبرى وفي طليعتها أمريكا القطب الأوحد الذي أضحى مهيمنا في العالم وحشد تحالف عسكري واسع تحت قيادتها لدحر الاحتلال العراقي من الكويت تحت لواء اعمال الشرعية الدولية.
  • شن حرب كاسحة على العراق ألحقت به دمارا شاملا طال بنيته الأساسية وبنيته العسكرية والصناعية والخدمية والنفطية
  • اخضاع العراق لنظام عزلة دولية خانقة وشبه مطلقة لا سابق لها في سجل النظام الدولي ماضيا؛ وفرض نظام للعقوبات قاس وشامل من شأنه استنزاف العراق لمدى أجيال متعددة بمقتضى ترسانة من قرارات مجلس الأمن الدولي النافذة بمقتضى الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة حولت البلد المعني الى كيان جغراسياسي مستباح المقدرات وتحت الحراسة المباشرة من قبل الدول الغربية الكبرى المتمتعة بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن.
  • زيادة الحضور العسكري الغربي وبكثافة في بلدان الخليج العربية من خلال تعزيز قواعده العسكرية المتواجدة هناك أو الزيادة في عددها.
  • إعادة جامعة الدول العربية الى مقرها الأصلي بالقاهرة وعودة مصر لقيادتها بشراكة ودعم من الدول الخليجية ووضعها على محور سياسة الولايات المتحدة الأمريكية واستراتيجيتها التحكمية إزاء كامل المنطقة العربية ومحيطها وكذلك التدخل الفعال في إدارة دفة تصريف شؤونها السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية بما يضمن بقائها داخل طوق نفوذ ومصالح تلك القوّة الأعظم.
  • اذعان البلدان العربية للقبول بحل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية عبر التفاوض مع إسرائيل تحت اشراف الدول الغربية الكبرى ولاسيما أمريكا كراعية متفردة لعملية السلام بالمنطقة العربية من خلال جرها الى مؤتمر مدريد المعقود في خريف 1991 والمندرج ضمن منظور الاستراتيجية الأمريكية الهادفة لإرساء نظام إقليمي جديد على أنقاض النظام الإقليمي العربي المتهاوي تحت مسمى “الشرق الأوسط الكبير” يضمن ادماج إسرائيل في محيط جغرافي موسع يتجاوز الكيان الجغراسياسي العربي المراد تذويبه في نطاق جغرافي اكبر يشمل تركيا وايران وباكستان.
  • أيلولة مسار مدريد للسلام بمفعول التشدّد الإسرائيلي المطلق والتواطؤ الأمريكي إلى نفق مؤدّ لمنفذ وحيد هو ابرام اتفاقات سلام منفردة على غرار معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لسنة 1979 كما كان حال منظمة التحرير الفلسطينية بعد تسللها خارج سياق مؤتمر مدريد ودخولها نفق مفاوضات أوسلو الوعرة والطويلة ما بين أيلول/ سبتمبر 1991 و أيلول/سبتمبر1995  .وعطفا على ذلك قبول الأردن بعقد معاهدة سلام ثنائية مع إسرائيل وقعت بوادي عربة في تشرين الأوّل/ أكتوبر1994
  • ازدياد مدّ الإسلام السياسي وتنظيماته المختلفة المعتدلة والمتطرفة على الساحة العربية وتراجع التنظيمات الحزبية ذات العقائد القومية أو الليبيرالية وتغذّى هذا المدّ من مدد مالي سخي مصدره البلدان الخليجية سواء بقرارات من نظمها اومن طرف جمعيات أهلية ذات خلفية دينية محافظة متمحورة حول الفقه الوهابي التقليدي أو الفكر الوهابي الراديكالي التكفيري، لتحصين دول الخليج ومجتمعاتها ووقايتها من تيارات التحررية الاجتماعية والسياسية ومن تطلع مواطنيها لاكتساب قدرة مساءلة النظم ببلدانها  في باب إدارة الحكم والثروة والمشاركة في السلطة .
  • تعزز التعاون وكذلك التحالف بين سوريا وإيران لعرقلة السياسية الأمريكية في المنطقة، لاسيما في ظل انسداد الآفاق أمام سوريا للمواجهة المباشرة مع إسرائيل لاستعادة أراضيها المحتلة بمرتفعات الجولان، بغرض التركيز على الساحة اللبنانية واستخدامها كحلبة لمنازلة دولة الاحتلال واستنزافها بتقوية حزب الله اللبناني وتمكينه من ممارسة حركة مقاومة شرسة وفعالة بجنوب لبنان أجبرت إسرائيل سنة 2000 للانسحاب منه. ومنذ قيامه ما فتئ هذا الحزب ببنيته الاجتماعية المتماسكة وعقيدته الإسلامية الشيعية الثورية وكذلك بنيته العسكرية غير التقليدية يوطد وجوده ككيان عتيد مواز لكيان الدولة اللبنانية ويتموضع بقوة صلب محور بنته إيران مع سوريا لتطويق مزدوج للعراق في عهد صدام حسين ولإسرائيل في جنوب لبنان.
  • تفاقم نشاط التنظيمات الإسلامية الجهادية المتطرفة في محيط العالم العربي، ولاسيما في أفغانستان وبلدان القوقاز وكذلك في البلقان والقرن الافريقي، وانقلابها على نظم بلدان الخليج الداعمة لها ماليا وعقائديا وعلى الدول الغربية وفي طليعتها أمريكا المؤطّرة والداعمة لها لوجستيا. (تنظيم القاعدة وتوسيع اعمالها الإرهابية على امتداد المعمورة بما في ذلك تفجيرات 11سبتمبر 2001 على التراب الأمريكي).

سادسا: طورتحول فضاء العالم العربي الى نطاق جغراسياسي بركاني باحتلال العراق(2003/2011).

بعد تمكن الولايات المتحدة الأميركية، في أوج سيادة عقيدة المحافظين الجدد بها من بسط نفوذها كقطب عالمي مهيمن على المنطقة العربية منذ تحرير الكويت وعزل العراق تماما وشله عن أي تأثير وشروعها في تنفيذ مخططها الاستراتيجي لبناء “نظام الشرق الأوسط الكبير” الذي يستهدف صهر النظام الإقليمي العربي المتهاوي في نطاق جغراسياسي أوسع يدمج فيه كيانات جغراسية أخرى أبرزها تركيا وإيران وإسرائيل وتسكين هذا النظام الإقليمي الواسع في فلك نفوذها دون منازع من أي قوة كبرى أخرى محتملة البروز، واجهتها  في المنطقة ومحيطها ظواهر عدتها خطيرة على استقرار المنطقة وبقائها تحت السيطرة.

وتمثلت هذه الظواهر أساسا في:

  • صمود النظام العراقي المقزّم رغم الدمار الشامل الذي ألحقته حرب تحرير الكويت بالعراق واستمراره في مسك الوضع الداخلي بالبلاد تحت السيطرة التامة وتمكنه من قمع الانتفاضة الشعبية الشيعية الواسعة بغالب محافظات البلاد باستثناء القليل منها بعد الحرب مباشرة واندحار الجيش العراقي من الكويت.
  • انتشار التنظيمات المتطرفة الإسلامية المتمحورة عقيدتها حول معاداة الغرب ونظم الحكم الموالية والحليفة لأمريكا بالمنطقة العربية ولاسيما بشبه الجزيرة العربية والقرن الافريقي.
  • حصول خروقات في نظام الحظر والعزلة الدولية المفروضين على العراق بحكم تعارض مصالح الدول الكبرى وتمكن نظام البلد المعني من نسج شبكة مصالح مع عديد الدول لتسهيل مثل تلك الخروقات ولاسيما من بينها دول ذات عضوية دائمة في مجلس الأمن كروسيا والصين وأخرى صناعية غربية وشرقية فضلا عن دول بجوار العراق من بينها تركيا والأردن وبعض بلدان الخليج (الامارات/قطر) وحتى إيران.

واغتناما لتعرض التراب الأمريكي في 11 أيلول/سبتمبر 2001 لعملية إرهابية كبرى نسبت الى تنظيم القاعدة قدرت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس بوش الابن أن التدخل بالقوة مجددا في المنطقة كفيل بخدمة الاستراتيجية الأمريكية فيها واستصدرت لهذا الغرض عبر مجلس الأمن الدولي قرارات لتسويغ تدخلها بالقوة واعطائه صبغة الدفاع المشروع عن أمنها وأمن العالم واستقراره ومشروعية المواجهة بالحرب للتنظيمات الإرهابية والدول الحاضنة أو الداعمة له حسب تقدير الإدارة الأمريكية آنذاك. وبادرت أمريكا في هذا المنظور الى شن حرب على أفغانستان لاجتثاث تنظيم القاعدة وتقويض نظام طالبان هناك في تشرين الأوّل/ نوفمبر2001.

     وسعيا لتوطيد أركان “الباكس امريكانا” المنشود بسطها على كامل منطقة غرب آسيا وشمال افريقيا المسماة أمريكيا بنطاق الشرق الأوسط الكبير، وبعد علوقها في حربها المزمنة على الإرهاب في افغانستان بتحالف مع دول غربية عديدة سعت الإدارة الأمريكية  حثيثا وبإصرار لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يخول لها شن الحرب  أيضا على العراق بنفس عنوان محاربة الإرهاب مستخدمة لأجل ذلك حجة استعصاء اغلاق ملف سلاح الدمار الشامل بالبلد المعني  واتهام نظامه بالإصرار على مواصلة بناء قدراته في هذا المجال سريا وترويج تهم تعاونه مع التنظيمات الإرهابية ومن بينها القاعدة.

ولم تحل الممانعة صلب مجلس الأمن الدولي في اصدار قرار صك شرعية لرغبة أمريكا استخدام القوة ضد العراق مجددا دون اقدام الولايات المتحدة الأمريكية على شن حرب خارج إطار الشرعية الدولية لإسقاط نظامه واحتلال البلد في مطلع سنة 2003(20 آذار/مارس/09  نيسان/أفريل 2003).

وعلى عكس رغبة أمريكا وغايتها التمكّن من تحقيق الضبط التام والمستدام للوضع بالعالم العربي ومحيطه كهدف مركزي في استراتيجيتها على صعيد كامل المعمورة فان احتلالها للعراق فتح في الواقع “صندوق باندورا” الكامن في أعماق العالم العربي وجواره وكانت مخرجات الحرب والاحتلال متوالية من الكوارث التي طالت ليس العراق فحسب وانما أصابت ويلاتها كامل جغرافية العالم العربي ومحيطه.

وبرصد تبعات الحرب والاحتلال وحصيلتهما السلبية الكارثية حري بالتسجيل أساسا ما يلي:

  • اخلال بالتوازن الهش في معادلة ميزان القوى بين العالم العربي ومحيطه وتحديدا لفائدة كل من إيران وتركيا واسرائيل.
  • إحلال الفراغ داخل العراق من خلال تدمير بنية الدولة المركزية فيه بتفكيك جيشه الوطني والبنية الأساسية الإدارية في المستوى المركزي والجهوي والمحلي واجتثاث الحزب المهيمن الحاكم فيه قرابة نصف قرن وفرض بنية نظام دولة بديل ببنية فدرالية على أساس تقسيم طائفي وعرقي مما يعرض الوحدة الوطنية للبلاد لخطر التشقّق ويدفع مكونات الشعب العراقي إلى الصراع وبالتالي توفير كل عوامل الإعاقة لمدى طويل لمسار اعادة توطيد أركان الدولة العراقية.
  • فشل سلطة الاحتلال في كسب ثقة الشعب العراقي وخاصة المكون العربي فيه “رغم تغنيها بفضلها عليه بتخليصه من النظام الاستبدادي”. وزادت كثافة قوات الاحتلال على الأرض العراقية وممارستاها الشديدة العنف والقمعية بترسيخ الاعتقاد بأن “التحرير” لا يعدو أن يكون استعمارا فجّا في مطلع القرن 21 يستبيح حرمة الشعب وحقوقه الوطنية ومقدّرات بلاده والاستيلاء على ثرواته. وكل هذه العوامل حفزت إرادة المقاومة التي تصاعدت بمرور الزمن وأغرقت قوات الاحتلال في عملية استنزاف طويلة وعالية الكلفة على الإدارة الأمريكية.
  • تحوّل العراق الى حقل مغناطيسي جاذب لكلّ التنظيمات المسلحة ذات الخلفية الدينية المتطرفة المتمحورة حول عقيدة تنظيم القاعدة والجهاد ضد الغرب “الصليبي” واستقطابها لمتطوعين من كافة البلدان العربية والإسلامية وجلبهم الى ساحة المواجهة على الأرض العراقية واعطائهم فرصة للتمرّس والخبرة في كل أساليب الحرب وسرعان ما تمددت هذه التنظيمات الى خارج العراق وانتشرت على الساحة العربية بحكم تقديرها أن مواجهة “الغرب” و” الدفاع عن الإسلام” ينبغي أن تشمل كل العالم العربي والإسلامي الخاضع في جله لهيمنة الغرب.

وبتحويل الاحتلال العراق الى حقل بركاني يتهدد بحممه كل المنطقة العربية اضطرت أمريكا تدبر حلول للخروج من المعضلة العراقية كان من بينها ابتداء التوجه للضغط على سوريا لجرّها لغلق حدودها مع العراق والتعاون في مجال منع استخدام ترابها كأرض عبور يستخدمها “المتطوعون الجهاديون” للدخول الى العراق لمحاربة القوات الأمريكية والسلطات العراقية المنصّبة في الحكم تحت رعايتها (رغم تحمل سوريا العبء الثقيل لاستقبال ما يناهز 2مليون لاجئ عراقي).

وفي باب الضغط على سوريا استعمل سيف الشرعية الدولية بقرارات من مجلس الأمن لإخراج قواتها من لبنان المتواجدة طوال عقود هناك بمقتضى اتفاق الطائف واستغل حادث اغتيال النائب رفيق الحريري (رئيس الحكومة الأسبق في لبنان المتمتع بالرعاية والدعم من قبل دول الغرب والسعودية) كأساس لاستهداف تطويق النظام السوري وتقزيمه على غرار ما جرى مع النظام البعثي السابق في العراق وفك ارتباطه بلبنان  تحت عنوان العمل على”احترام سيادته واستكمال رسم الحدود المشتركة بين البلدين وتبادل التمثيل الدبلوماسي” الذي لم يقم أبدا في السابق بين سوريا ولبنان (لترسّخ عقيدة وحدة بلاد الشام التاريخي في سوريا منذ عهد السيطرة العثمانية عليهما إضافة لفلسطين).

واندرج التمشّي نحو سوريا ضمن مقاربة استراتيجية تطويق كل الدول والكيانات المتواجدة بالمنطقة والمصنفة بكونها مناوئة للولايات المتحدة وحلفائها فيها ولاسيما منها إسرائيل وهو ما يخدم عمليا تطويق المحور الإيراني السوري على الساحة اللبنانية وشلّ معاضده على الأرض المتمثّل في حزب الله وحركة المقاومة الوطنية اللبنانية. ولكن هذا التطويق بقي متعذر التحقيق والمواجهة الحاصلة في أواسط سنة 2006 بين حزب الله وإسرائيل دليل على وعورة التطويق المرغوب. (*3).

————————————————————————————————–(*3):

تنظر قرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة بين سنة 2004 وسنة 2007 وهي:

-قرار رقم 1559 في 02/9/2004 يقضي بانسحاب أي قوات عسكرية اجنبية من لبنان وكذلك حلّ أيّ تنظيم أو ميليشيات لبنانية أو غير لبنانية ونزع سلاحها.

-قرار رقم 1595 في 07/04/2005 يقضي بتأسيس لجنة تحقيق دولية لمساعدة السلطة اللبنانية للتقصي والتحقيق في العمليّة الإرهابية التي أودت بحياة رفيق الحريري رئيس حكومة سابق وعضو سابق في البرلمان اللبناني.

-قرار رقم1618 في 04/8/2005يقضي بتشديد التزام كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة “بالحيلولة دون دخول الإرهابيين أو السلاح للعراق أو مساندة الإرهاب فيه بالمال”.

-قرار رقم 1636 في 31/10/2005 يقضي بضرورة تعاون سوريا مع لجنة التحقيق الدولية الخاصة بقضية اغتيال رفيق الحريري.

-قرار رقم 1680 في 17/5/2006 يقضي بترسيم الحدود ما بين لبنان وسوريا بعنوان دعم استعادة لبنان لسيادته وإقامة تمثيل دبلوماسي بين البلدين.

-قرار رقم 1701 في 11/8/2006 يقضي بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله اللبناني وانتشار قوات الفصل الأممية بجنوب لبنان والتأكيد على بسط نفوذ الحكومة على كامل التراب اللبناني وكذلك التأكيد على كافة مقتضيات قرارات مجلس الأمن السابقة ذات الصلة بلبنان.

-قرار رقم 1757 في موفي شهر ماي 2007 يقضي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة انشاء محكمة دولية خاصة بقضية اغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer