البلدان العربية

النظام الإقليمي العربي الواقع والآفاق (الجزء الثالث)

 

سابعا: طور شلل النظام الإقليمي العربي باندلاع ثورات شعبية قوضت النظم السياسية بعدد من البلدان مشرقا ومغربا وأفضت في أخرى الى الفوضى أو الحرب  الأهلية المؤججة بتفاقم التدخل الخارجي غير المشروع (2011/2016).

إنّ تعثر نظم الدولة الوطنيّة بعد الاستقلال في جلّ البلدان العربية في بناء دولة القانون والمؤسسات وارتهانها الى أسلوب حكم منغلق سياسيا وايديولوجيا لما يفوق نصف قرن، وعدم توفّقها لاتباع منوال اقتصادي سليم يحقق الرّفاه بقاعدة واسعة ويتفاعل إيجابيا مع واقع الكوكبية التي أضحت تسود كامل اقتصاديات المعمورة، أفضى الى جعل تلك البلدان تعاني من اتساع دائرة الفقر لتشمل القسم الأكبر من شعوبها ولاسيما فئاتها الشابة ولتعمّق حالة الإحباط والخيبة في صفوفها.

وعلى امتداد قرابة ما يتجاوز  سبعة عقود من تأسيس جامعة الدول العربية فان الدول العربية بقيت كيانات فسيفسائية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا عاجزة عن حشد طاقاتها وقدراتها وتكاملها لتحقيق الرفاه والمصالح المشتركة بما يعزز اللحمة في كيان تلك التجمعات ويسبك وحدتها.

وباستثناء عدد محدود من دول شبه الجزيرة العربية، المتمتعة بثروات طبيعية هامة وحيوية لمصادر الطاقة تمكنت بفضلها من تحقيق رخاء مادي محسوس في ظل اقتصاديات ريعية محضة مع خضوعها لأنظمة سياسية غير متلائمة مع العصر ومع ما بلغه المجتمع الإنساني من رقي في نظم الحكم وتوسيع قاعدة المشاركة الديمقراطية في إدارة السلطة، فان جلّ الدول العربية الأخرى منذ الاستقلال لم تتوفّق الى توفير تنمية انسانية شاملة ومتوازنة لشعوبها وكذلك توفير توسيع قاعدة المشاركة في الحكم ومساءلته ديمقراطيا عبر آلية التداول.

العوامل الرئيسية الدافعة للانتفاضات الشعبية  والثورات داخل البلدان العربية.

كل مؤشرات التنمية البشرية تبيّن أن جل البلدان العربية ترتّب في درجات متدنّية وغير مرضية في السلم القياسي المعياري في هذا المجال وقاسمها المشترك:

  • غلبة الأنظمة السياسية المتقادمة والتسلّطيّة.
  • وضع اجتماعي عصيب ومتدهور بغالبية شعوب البلاد العربية.
  • ادارة سيئة الأداء تعاني من قلة الشفافية والفساد.
  • عدم قدرة نظم دول الفضاء العربي على الانخراط في الحداثة وحراك الكوكبيّة وتقوقعها داخل أسوار اختلافاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية رغم موقع البلدان العربيّة الاستراتيجي الكفيل بانخراطها في بيئة الكوكبيّة بنحو إيجابية.
  • ندرة عدد الدول العربية الناجية من ظاهرة الاستقطاب الثنائي شرقا وغربا طوال فترة الحرب الباردة.
  • ندرة عدد الدول العربية التي تحكّمت في نسب النمو الديمغرافي فيها.
  • ندرة عدد الدول العربية التي تمتّعت أو عرفت التعددية السياسية الفعّالة وحرّية التعبير والضّمير والتداول السلمي على السلطة والحكم وامتلاك البنية الحزبيّة التعدّديّة الفاعلة ذات القواعد الواسعة صلب مجتمعاتها.
  • الارتهان لنظم اقتصادية ومناويل تنمية قاصرة عن توفير متوازن للرّفاه ومقوّمات العيش الكريم بقاعدة متّسعة لعموم الشعب وسوء توزيع الثروة واحتكار شرائح قليلة لها بحكم موقعها في السلطة.
  • ضعف الطّبقات الوسطى الفعالة و الضّرورية لتوفير ديناميكيّة بنية الدولة والإدارة والاقتصاد.
  • غلبة الشباب في تركيبة الهرم السكاني وانسداد السّبل أمامه للانخراط في سوق الشغل لضعف الاقتصاد وعدم انسجام مخرجات التعليم ونوعيّته مع متطلبات الاقتصاديّات العصرية القائمة على التقدم التكنولوجي وعلى التنوّع في القطاعات وعلى روح المبادرة والتعويل على الجهد الذاتي والتنافسية.

وفي هذا النطاق حريّ التسجيل الواقع المرير الذي يعانيه الشباب في البلاد العربيّة حيث يتبيّن من إحصائيات وتقارير منظّمة العمل الدولية في سنة 2010 على سبيل المثال أن العالم العربي يرتب ضمن نطاقات العالم الأكثر معاناة من علوّ نسب البطالة في صفوف الشباب حيث تبلغ نسبة 25  % مقابل معدل عالمي لبطالة الشباب بمستوى نسبة 14  %

  • استفادة شعوب الدول العربيّة لاسيما أجيالها الصاعدة المتعلمة من التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات وغزارة البث الفضائي وخدمات الشبكة المعلوماتية العالمية التي حرّرت شعوب البلدان النامية من ربقة السيطرة الإعلامية والأيديولوجية لأنظمتها المتسلطة والشّموليّة وفتحت بصيرتها على العالم الخارجي ومنجزاته وعمّقت إدراكها للبون الشّاسع بين وضعها المرير والمتخلّف ووضع العالم المتقدم. وكشفت عيوب وقصور أنظمة حكم بلدانها.

وفي ظّل كل ما تقدم من عوامل كانت جل أوضاع البلدان العربيّة بمثابة براكين خامدة مرهونة بأي رجّة تحصل فيها بتصرف خاطئ  من قبل السلطة الحاكمة وغير ممكن تحمّلها شعبيا لاسيما وأن الشّعوب العربيّة عايشت وعانت طوال عقود طويلة من تاريخها المعاصر صدمات ونكبات وخيبات بسبب عدم قدرة نظم حكمها ان تضعها في مرتبة مقبولة داخل أسرة باقي أمم وشعوب الأرض وشدّتها إلى درك أسفل مهين في المنزلة البشرية والحضارية المعاصرة.

ووفّر التعلق بمواكبة العصر والعمق التاريخي لكيان الدولة والغاطس الحضاري العريق والقديم الذي تتمتّع به بلدان حوض البحر الأبيض المتوسّط العربيّة الطّاقة الكامنة في شعوبها ولاسيما فئاتها الشابة لتكون قادحا لإيقاد بركان انتفاضاتها على نظمها السّياسيّة الفاشلة ‘( ولم تكن حالة التبركن على الساحات العربية  في منجى  من الاستغلال من طرف   منظمات غير حكوميّة ومؤسسات قائمة في الولايات المتحدة الأمريكية تحركها إيديولوجية ليبيرالية جذرية رأسمالية). وجاءت الشّرارة الأولى من الشعب التونسي بثورته / انتفاضته السلميّة  في مطلع سنة 2011 وكانت بمثابة باكورة نادرة في سجل أمم العالم التي كثيرا ما كانت ثوراتها على أنظمتها الحاكمة مخضّبة بالدم وقد اتّسع مدّها الزلزالي ليشمل ليبيا ومصر وسوريا وبلاد اليمن ذي الحضارة القديمة الغابرة.

وتمكنّت تونس بعد ثورتها/انتفاضتها الشعبيّة، بفضل رجحان ذهنيّة الواقعيّة والاعتدال والتنوير في مجتمعها ونخبها، من الحفاظ على بنية الدولة المدنيّة وعلى مضيّها قدما في نهج تطوير مؤسّساتها الديمقراطيّة وأكّد شعبها تعلّقه بالحداثة وانفتاحه عليها و بسعيه للتوقّي من الانتكاس. وهو  ما يزال يكابد تصاعد قوى حزبيّة محافظة متمحورة حول عقيدة الإسلام السياسي المرتكزة على قاعدة الليبرالية الاقتصادية وعلى التقشف في مجال الحريات الفردية وعلى المنوال « الدارويني » في الصراع من أجل احتكار السلطة؛ و »الغرب الأنغلوسكسوني » لا يجد غضاضة في شدّ أزر هذه القوى  » لسجاياها الكمبرادوريّة » .

و إن شمل مدّ الثورة الشعبية  مصر بإزاحة نظامها السابق لكن في نهاية المطاف لم تقدر تلك الثورة  على تمكين البلاد  من تجاوز سياج النّظام السلطوي المرتهن إلى عماد عسكري متنفذ في صلب الدولة المصريّة منذ عقد الخمسينيّات من القرن الماضي ( ربما  لتجذّر السلوكيات  الفرعونية  في ثنايا عقول الماسكين بأعنّة السلطة  في مصر هبة النيل حيث تعدّ الديمقراطية في نظرهم  ترفا وسفها  ونهجا لا طاقة لمصر أن تنعم به لضخامة كتلتها السكانيّة  ).

واختلفت مسارات الثورات والانتفاضات الشعبيّة في كلّ من ليبيا واليمن وسوريا التّي هبّت عليها كغيرها من البلدان العربيّة رياح الثورة الشعبيّة حيث سقطت في حروب أهليّة زاد لهيبها جرّاء تدخّل خارجيّ مركّب من طرف دول عربيّة وغير عربيّة وكذلك من قبل الدّول الغربيّة الكبرى.

وكانت  ليبيا جارة تونس ثمرة يانعة سهل قطاف رقبة حاكمها  بتدخّل خارجيّ غربيّ وعربيّ عاضد الانتفاضة الشعبيّة فيها وأسهم بفاعلية في إسقاط النظام، ولكن تركت ليبيا دون إحاطة دوليّة حريصة على انتشال الدولة من الانهيار وانشطار البلاد الى ثلاثة فضاءات (غرب/شرق/جنوب) تسيطر عليها كيانات دون مقام الدولة مستندة الى بنى شبه عسكرية ذات طابع قبلي أو جهوي وفسح وضع التفكّك في ليبيا المجال واسعا لجذب التنظيمات الإرهابية التكفيرية وتغلغلها في مناطق عديدة من البلاد.

وفي اليمن آلت الانتفاضة الشعبية على نظامها إلى حرب  أهلية مركبة بين شمال البلاد وجنوبها وبين بنية النظام القديم والقوى القبلية الدّاعمة له معززة بتحالف جديد معقود مع القبائل ذات المذهب الزيدي التي يقودها تنظيم أنصار الله المعروف بالحراك الحوثي ذي العلاقات الجيدة بإيران وهو الأمر الذي خشيته السعودية بشدّة وحشدت له حلفا عسكريا محوره دول الخليج باستثناء سلطنة عمان وبمعاضدة عدد قليل من البلدان العربية(الأردن /مصر/السودان/المغرب/موريتانيا).

وشنّ هذا الحلف الحرب على اليمن توقّيا من استنساخ الحالة اللبنانية فيه ومن توطّد النفوذ الإيراني في جنوب شبه الجزيرة . وما انفكت الحرب تلحق الدمار باليمن من جهة و تزجّ بالسعودية وحلفائها في دوامة الاستنزاف المالي والعسكري في ظل عجز أممي وتغاض من الغرب بل بتواطئ منه لغايات مصلحيّة وأطماع في منطقة شبه الجزيرة العربيّة أجلت مدى الجشع الغربي واستهتاره بمصائر الشعوب في المنطقة وعدم تحرّجه لجعلها قرابين على مذبح تلك المصالح الأنانيّة  « ولو من خلال تلزيم بلدانها لصولات  تنظيمات الإرهاب » التي ما فتئت تنتشر كالسّرطان خاصة بالبلدان العربية مشرقا ومغربا بدعم جبري من نظم في قطيعة مع  المدنية والحداثة  غاطسها وهابي  وثرائها ريع نفطي وشاغلها الأعظم التوقّي من « تسو ناميات الثورات الشعبية  » التي قد يشمل مدها مجتمعات شبه الجزيرة العربيّة .

وفتحت الانتفاضة الشعبية في سوريا  بوابة عاصفة التدخّل الخارجي المركب على البلاد والنظام  من قبل دول إقليمية (دول خليجية/تركيا/إسرائيل/) ودول كبرى غربية قاسمها المشترك النقمة على نظامها العلماني وعلى تحالفه ، من جهة مع نظام الثورة الإسلامية الشيعية الشموليّة المصنف في نظر الدول الخليجية وإسرائيل وتركيا ودول  الغرب بكونه معاد وغير موثوق، ومن جهة ثانية  ،لتحالفه مع   روسيا مصدر كبير خشية الولايات المتحدة الأمريكية خاصة -(لماضي روسيا الشيوعي، ولإصرارها حاضرا على استعادة كيانها القومي التليد ، و لتعزيز منزلتها في معادلة القوى على صعيد العالم والدائبة لكسر الأحادية القطبية ، فضلا عن  التخوف من سعيها لتوثيق علاقات مصالح مع جوارها الأوروبي الغربي  والتطلع ربما لتشكل فضاء أوروبي/آسيوي مشترك ) –

وبالطبع لم تتخلف إيران وكذلك حزب الله اللبناني عن الاصطفاف الى جانب النظام القائم في سوريا ودعمه بقوة عسكريا ، وتدخّلت روسيا تاليا لجانب النظام اسهاما من ناحية  في مواجهة استشراء نشاط التنظيمات الإرهابية على الساحة السورية واستقطابها لسيول من المتطوعين من كل البلدان الإسلامية فضلا عن الجاليات الإسلامية بمختلف قارات المعمورة، وسعيا  من ناحية ثانية  للتصدي لتمدد نفوذ الحلف الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية الدائبين لتطويقها من الغرب والجنوب  ولخشيتها من ارتداد التنظيمات الإرهابية عليها وخاصة بالجمهوريات والأقاليم  ذات الغالبية المسلمة المنضوية في اتحادية روسيا .

ولم تتردد الأطراف الإقليمية والدولية المعادية للنظام السوري بعنوان  رغبتها « تمكين شعب سوريا من التخلص من الاستبداد والارتقاء للديمقراطية  » أمام استعصاء سقوط ذلك النظام  عن استغلال تنظيمات الإرهاب « الكافرة بالحداثة والديموقراطية الغربية  » للاستفادة من خدماتها « كمقاولات متخصصة في الهدم والدمار الشامل  » لتفكيك الدولة السورية وتقويض نظامها بصيغة المناولة الضمنية عبر فسح المجال لتلك التنظيمات للتغلغل في ترابها وتمكينها من الموارد المالية للتعبئة واستقطاب وتجنيد الشباب ومن التسلح استهدافا للدولة السورية الحالية وبنيتها المعقدة (المجتمعية والدينية والطائفية والعرقية المتعايشة الى غاية ما قبل الثورة ).

و إنّ ثورات وانتفاضات الشعوب العربية العاتية المندلعة في مطلع العقد الثاني من هذا القرن لا تنطبق عليها التسميات الرومانسية التي أطلقت عليها لأنها في الواقع أقرب الى الظواهر الخارقة في الطبيعة كالزلازل والطوفان تخلخل القائم على الأرض أو تجرفه وتترك تلك الثورات في ذمّة الشعوب بحسب معادنها وقدراتها مسؤولية الترميم والبناء لما تهدم أو تهاوى بهندسة أكثر صلابة وثبات ليبقى كيانها حيا نشيطا كالطبيعة لا يحتمل الجمود والفراغ. وأجيال الشعوب العربية المسيّجة بالحرمان والمتقدة بالطموح لمواكبة نسق العصر هي المعوّل عليها في نهاية الأمر تحمّل مسؤوليّة النّهوض ببلدانها مجددا من ركام زلزال أو طوفان ثوراتها.

وقد ألقت الثورات والانتفاضات التي اندلعت مزيدا من الضوء على الواقع المرير لجل البلدان العربية منفردة أو مجتمعة وكشفت خاصة:

  • عجزها كبلدان منفردة على بناء أنظمة سياسية عصرية تتلاءم مع مستوى التطور المعاصر للنظم السياسية في المعمورة.
  • عدم قدرتها على تحقيق تنمية إنسانية مستدامة تستند الى اقتصاديات وطنية متينة قادرة على الاندماج في الاقتصاد الدولي المتكوكب.
  • قصورها الجماعي عن بناء « كيان عربي ملموس متماسك وفعال » (الذي أقيمت من أجله جامعة الدول العربية وعلى بقاء هدفها هذا طوال ما يزيد عن 70 سنة سرابا لا يدرك.)
  •  قعود الدول العربية جميعا في كيان شبيه بالأرخبيل دون جسور بينها و غرقها في بحر متلاطم لتناقضاتها بفعل الاختلاف العقائدي الديني والتعدد الطائفي والعرقــي وتباين مستويات التطور الاجتماعي فيها والتضارب في الرؤى الاجتماعيــــــة والسياسيـــــة والاقتصادية على الضد مع ما يشهده العصر من تشكل مجاميع كبرى من الدول المـتجاورة في مختلف القارات ومن توجه حثيث نحو واقع معاصر يملي تكاثر تلك التجمعات الإقليمية ويدفع نحو تعدد الأقطاب كديناميكية لضبط التوازنات كوكبيا وللحد من الارتهان الى هيمنة قطب وحيد .

III – أي آفاق ممكنة للنظام الاقليمي العربي :

تتالت حالات العطب والتصدع صلب النظام الإقليمي العربي منذ نشأته وطوال سبعة عقود من وجوده وأهمّ حلقات سلسلة الأعطاب والتصدعات التي شهدها يمكن اجمالها كالتالي:

  • تصدّع ناجم عن تفكك صف دول المحو ر القومي الأساسية بعد خروج مصر منه وعقد معاهدة سلام منفرد مع إسرائيل سنة 1979.
  • تصدّعه مجددا بتورّط العراق في حربه الطويلة مع إيران في سنة 1980 وتباين مواقف الدول العربية ازاءها.
  • تعرضه سنة 1990لفالق عظيم بفعل غزو العراق للكويت وارتهان النظام الإقليمي لعودة هيمنة القوى الغربية الكبرى عليه.
  • تعرضه سنة 2003لانتهاك كبير واستباحته باحتلال أمريكا للعراق سنة 2003 خارج إطار الشرعية الدولية.
  • استمرار قصور الجامعة العربية عن أداء دور فاعل يطفئ نيران الاحتراب الداخلي والأهلي في العديد من الدول العربية التي شهدت انتفاضات على نظمها كما هو شأن ليبيا وسوريا واليمن وارتهانها لمشيئة كتلة  الدول العربيّة الخليجيّة  وتوجّهاتها المتمحورة  حول الخشية الكبرى من تداعيات تلك الثورات والانتفاضات الشعبية  على مجتمعاتها وبالتالي على النظم الخليجية ذاتها وجرّها  الجامعة العربية للعب دور أداة افتاء بقبول التدخل الأجنبي في الفضاء الإقليمي العربي بغطاء من مجلس الأمن الدولي المرتهن لإرادة الدول الكبرى وإطلاق يد الحلف الأطلسي بالتبعية لتنفيذ ذلك التدخّل وكذلك محاولة جرّ الدول العربيّة إلى صراع جديد مع إيران والسعي لبناء حلف عسكري عربي مضاد لها.

وبهذا الرّصيد من الأعطاب والتصدّعات آلت أوضاع العديد من الدول العربية ومصائرها في تصرف القوى الخارجية وتبدّدت حرمتها وسقطت مبادئ احترام سيادة الدول  واستقلالها  وعدم التدخل في شأنها الداخلي وحلّ النزاعات سلميا بينها ورفض العدوان الخارجي عليها وان اقتضى الأمر ذلك استعمال القوة العسكرية كما ينص عليه ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي جمّد الشق الدفاعي فيها منذ 1984 وبالمفارقة محاولة احياء رميمها من جديد سنة2015 قصد الاستخدام  ضد اليمن بحجّة مواجهة الخطر الإيرانيّ الدّاهم من هناك.

إنّ المسار الوعر وغير المستقرّ والمتعثّر للنظام الإقليمي العربيّ أفضى به راهنا إلى حالة شلل كبير يجعله مستقبلا عرضة للتفكّك أو التّلاشي الكامل إن استمرت الدّول العربيّة فاقدة للقدرة على وقف استمرار هذا الشّلل.

والدّول العربيّة تقف حاليّا على مفترق طرق حاسم وبخيارات ضيّقة لا تخرج عن الاحتمالات الرئيسيّة التالية:

    • (1) – بقاء جامعة الدول العربية في حالة عجز وعدم فاعلية في اصحاح وضع الدول العربية وانفراط لحمتها ويترتب على هذه الحالة:
    • أ/ احتمال تفكك وحدة الكيان الجغراسياسي لكل من العراق وسوريا (بانفصال الأكراد فيهما) وانشطار اليمن بين شمال وجنوب أي ما يعني تعديل التشكيل الجغراسياسي الراهن في شرق المتوسط وكذلك في جنوب شبه الجزيرة العربية.
    • ب/احتمال نشوب الاحتراب والصّراع الطويل المدى بين الكيانات المتولّدة عن التفكّك الحاصل في البلدان المعنيّة.
    • ج/ تصاعد التحديّات المفروضة على الدّول العربيّة جرّاء ما يجلبه التفكّك في الكيانات الوطنيّة العربيّة المعنيّة من تفاقم البيئات المواتية لترعرع التنظيمات الإرهابيّة واستشراء نشاطها على امتداد الجغرافيا العربيّة.
    • (2) – انهيار كيان جامعة الدّول العربيّة وتفتت النظام الإقليمي العربي الى تشكلات جهوية أضيق يمكن أن تكون على النحو التالي:
    • مجموعة دول الخليج العربية + جنوب اليمن وابقائها لعلاقات متميزة مع كل من والأردن ومصر والسودان والمملكة المغربية.
    • مجموعة مكونّة من بعض بلدان الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان وقطاع غزة) واليمن الشمالي واستنادها إلى علاقات متميّزة مع إيران.
    • مجموعة بلدان شمال إفريقيا التي ستضطر إلى التفكير جدّيا في نفخ الروح مجددا في كيان شراكة جديد ضمن ذلك النطاق الجغرافي مع التركيز على جواره الأوروبي شمالا والإفريقي جنوبا ومزيدا من الانفتاح على آسيا ودولها الكبرى كالصين والهند والدول الإسلامية الهامّة فيها كماليزيا واندونيسيا وباكستان وعدم استثناء إيران منها.
  • (3) – وقوع البلاد العربية في طور عدم الاستقرار والغليان الداخلي الطويل المدى بحكم العوامل الأساسية التالية:
  • أ/ شلل العلاقات الاقتصادية البينيّة بين الدّول العربيّة وما ينجرّ عنها من عرقلة لمسارات التنميّة وانكماش الاقتصاديّات الوطنيّة وضيق سوق الشغل وتفاقم البطالة خاصة في البلدان العربيّة الفاقدة لثروات طبيعيّة هامة.
  • ب/ استمرار عطب النظم السياسية واجهاض أي مسارات لبناء ديمقراطيّات مستدامة في البلدان العربيّة.
  • ج/ توطّن الإرهاب في البلاد العربية وتحوّله إلى ظاهرة سرطانيّة صعبة العلاج.
  • د/ التهاب حالات الصراع الديني والطائفي والعرقي بالبلدان العربيّة ذات المجتمعات المشتملة على تكوينات مركبة واستجلابها للتدخل الخارجي سواء من دول المحيط العربي أو من طرف الدول الكبرى.
  • (4) سبيل تمكن النظام الإقليمي العربي من الخروج من الحضيض:
  • هذا الاحتمال مشروط أساسا بـــــ:
  • عودة الدول العربية للعمل على السيطرة على تناقضاتها الداخلية وعلى الخلافات السياسية فيما بينها ووقف الصراعات المذهبية التي تشقها والتصدي جماعيا لحريق الإرهاب الذي يهدد كياناتها جميعا بالدمار، بتفعيل الآليات المتاحة حسب ميثاق جامعة الدول العربية ووثائقها الأساسية المرجعية في مجالات الدفاع والأمن المشترك وتفعيل الآلية العربية للتوقي من النزاعات وفضها عند حصولها والقطع مع سلوك التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض وقطع الطريق أمام استمرار التدخل الأجنبي في الشؤون العربية المصيرية.
  • التصميم على بناء نوع من الشراكة لتنمية متضامنة على امتداد الدول العربية بتفعيل دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي ورفده بآلية اتخاذ القرارات العملية لتنفيذ الترسانة المتوفرة من النصوص والاتفاقيات الاقتصادية والمالية والتجارية والجمركية العربية المبرمة في إطار الجامعة لوضع قاعدة اقتصادية عربية مشتركة على أساس ضمان المصالح المشتركة؛ ويمكن في هذا المجال استخدام آلية جديدة لدعم اتخاذ القرارات العربية العملية بعقد مجالس دورية لرؤساء الحكومات تنكب على ذلك الى جانب مجالس قمة رؤساء الدول.
  • السعي بتصميم لبناء علاقات سليمة مع دول الجوار على أساس الخدمة المتوازنة للمصالح المشتركة وصيانة الأمن والاستقرار في كامل منطقة العالم العربي وجواره المباشر وسد المنافذ أمام أي انزلاقات نحو حالات الحرب الباردة والصراع على الصعيد الإقليمية.
  • العمل على الاستفادة من التنافسية الحالية بين الدول الكبرى وعدم الارتهان الى شق القوى الغربية الطامحة لهيمنة القطب الواحد في العالم حفاظا على الحرية النسبية في القرارات الوطنية العربية في أفق صيرورة العالم نحو واقع التعددية القطبية.

 

تونس في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018

الهادئ بن نصر

دبلوماسي تونسي متقاعد وسفير سابق.         

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer