النظام الإقليمي العربي

النظام الإقليمي العربي الواقع والآفاق (الجزء الأول)

يسرموقع “الدبلوماسي”ان يقدم بداية من اليوم وفي ثلاثة أجزاء دراسة هامة حول”النظام الإقليمي العربي_الواقع والآفاق”بقلم السيد الهادي بن نصرالدبلوماسي والسفير السابق وهو من أبرز الخبراء التونسيين في القضايا العربية.

النظام الإقليمي العربي

الواقع والآفاق

– تـــــــوطــــــئـــــــة.

-I- النظام الإقليمي العربي/ مسارات وعرة وغير مستقرة.

– II – أيّ آفاق ممكنة لنظام إقليمي عربي.

I – تــــوطــــئـــة

-1- الفضاء العربي في لمحة:

تشغل البلدان العربية مساحة تقارب 14 مليون كيلومتر مربع كائنة في نطاق جغرافي يقع بين خطي العرض 2 درجة جنوبا و37،5 °/° درجة شمالا وبين خطي الطول 60 °/°درجة شرقا و17 درجة غربا وهو ما يمثل نسبة 10،2 °/° من اليابسة في المعمورة. والنطاق الجغرافي للبلاد العربية يحوز موقعا استراتيجيا في الكرة الأرضية بتواجده في موضع ترابط قارات العالم الثلاث افريقيا وآسيا وأروبا، ويطلّ على المحيط الأطلسي غربا والمحيط الهندي شرقا ويشاطئ كلّ من البحر الأبيض المتوسّط والبحر الأحمر والمضايق الهامة، جبل طارق غربا وباب المندب جنوبا وهرمز شرقا وتتوسّطه قناة السويس الشريان الحيوي للملاحة البحرية بين الشرق والغرب.

وعدد سكان البلدان العربية حسب تقديرات 2014 بلغ قرابة 378 مليون نسمة مما يرتبها في صنف بلدان النمو الديموغرافي العالي ذات الهرم السكّاني الذي تغلب فيه فئات الشباب والفتيان. والكتلة السكانية بالبلاد العربية تحتوي تنوعا عرقيا ودينيا وطائفيا داخل العقيدة الدينية الواحدة وذلك بنسب مختلفة حسب البلدان.

-2- البيئة المحيطة قبل نشأة النظام الإقليمي العربي:

شهد العقد الثاني من القرن العشرين، لاسيما خلال توقف المد الاستعماري للدول الأوروبية الغربية الكبرى وفي ظلّ اندلاع الحرب العظمى الأولى في أوروبا، بروز مفهومي التنظيم الإقليمي والتنظيم العالمي كمقاربة لإدارة العلاقات بين الدول الكبرى خاصة تأخذ في الحسبان معادلات ميزان القوى فيما بينها وتأطير حراك التنافس لضمان تقاسم المصالح.

ويتنزّل مفهوم التنظيم الدّولي الإقليمي ضمن مقاربة التدرّج في تنظيم المجتمع الدّولي وحفظ السلم وضمان التعايش والتّعاون لاسيما بين الدول الكبرى في سبيل وضع لبنات أساسيّة لقيام نظام دوليّ أوسع يشمل العالم كله.

ومن أسس النظم الدولية الإقليمية البعد التكاملي في نطاق إقليمي محدّد يشمل مجموعة من الدول المتجاورة بما يكفل تطوير العلاقات فيما بينها عبر ارساء مؤسسات وآليات وأطر مشتركة.

ويستخلص من الدراسات التي تتناول بالبحث النظم الاقليميّة أنّ من أهم مقومات النظام الإقليمي:

  • (1) التموضع بمنطقة جغرافية محددة.
  • (2) وجود قابليات التفاعل والتكامل ما بين مجموعة دول كائنة ضمن إطار جوار جغرافي محدّد.
  • (3) توفر عناصر هوية إقليمية مشتركة ووعي بالتقارب والتضامن بين الدول التي يجمعها نطاق جوار جغرافي محدد، وقابلية حشد القدرات على التعامل مع العالم الخارجي كوحدة متماسكة أو السعي لتحقيق ذلك، ومن مؤشراتها وتجلياتها بروز مفهوم موحد للدفاع والأمن المشترك (*1).
  • —————————————————————————————————————-

(*1)Cf:

– Ronald I. Yalem: Regionalism &World Order (Washington DC; Public Affairs Press 1985).

— Joseph S. Nye Jr, International Regionalism Readings (Boston Massasushits, Little Brown 1985.

— Inis L.Claude Jr; Swords into Plowshares, The Problems & Progress of International Organizations, 4th edition(New York, Random House 1971).

— Michael Hass, International Integration, in Michael Hass, ed, International Systems: A Behavioral Approach (New York Random House 1971).

– – Bruce M. Russet “International Regions & International System, A Study in Political Ecology” (Chicago, Rand Menolly,1972).

— Michael Banks, “System Analysis & The Study of Region”; International Studies Quarterly vol.13(December1969).

– – William Thomson, The Regional Subsystem: A Conceptual Explication & Propositional Studies Quarterly vol.17 March 1973 pp 89/119.

–  – James C. Caparoso: “Functionalism & Regional Integration (Beverly Hills, California Sage Publications1972).

— Louis J.  Cantori & Steven L. Spiegel: « The International Politics of Regions, A Comparative Approach “ (Englewood Cliffs, N.J; Prentice Hall 1970).

-3 – نشأة النظام الإقليمي العربي:

جاء تشكيل النظام الإقليمي العربي في أواسط عقد الأربعينيات من القرن العشرين في ظلّ تحولات كبرى في الوضع الدولي جرّاء الحرب العالمية الثانية التي أفضت الى تبدل في معادلات توازن القوى على صعيد المعمورة وتعاظم نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية وتراجع وزن الدول الأوربية الغربية وتأثيرها خاصة في شرق المتوسط بوصفها قوى استعمارية مارست نفوذا كبيرا بتلك المنطقة منذ الربع الأخير من القرن 19. (*2).

(*2)

Cf: Eugene L. Rogan “The Emergence of the Middle East into the Modern State System” article published in: International Relations of the Middle East, Third Edition 2012, Edited by Louise Fawcett, Oxford University Press, pages37/56

————————————————————————————————.

وانطلق تشكيل النظام الإقليمي العربي عمليا بإنشاء جامعة الدول العربية الذي تم إثر عقد 7 دول عربية مستقلة آنذاك لمؤتمرين متتاليين لتأسيس الجامعة؛ عقد أولهما في مدينة الإسكندرية المصرية خلال الفترة بين 25 أيلول/ سبتمبر و17تشرين الأوّل/ أكتوبر 1944 (والدول المعنية هي: مصر، مملكة شرق الأردن، مملكة العراق، سوريا، المملكة العربية السعودية، دولة شمال اليمن). وتركزت أشغال المؤتمر على التدارس في أسس بناء منظمة جامعة للدول العربية تلك وفي الأغراض والأهداف التي ستنبني عليها. وعقد المؤتمر الثاني في العاصمة المصرية القاهرة بتاريخ 22 آذار/مارس 1945 وشاركت فيه نفس الدول وقعت في اطاره على ميثاق الجامعة.

وجاء في توطئة الميثاق أن عقده من طرف الدول الموقعة عليه يأتي:

” تثبيتا للعلاقات الوثيقة والروابط العديدة التي تربط بين الدول العربية وحرصا على دعم هذه الروابط وتوطيدها على أساس احترام استقلال تلك الدول وسيادتها، وتوجيها لجهودها الى ما فيه خير البلاد العربية قاطبة وصلاح أحوالها وتأمين مستقبلها وتحقيق أمانيها وأمالها. واستجابة للرأي العام العربي في جميع القطار العربية.

ومن خلال تفحّص مضمون الميثاق وتدقيق المبادئ التي احتواها يستخلص أن عمل الجامعة يحكمه أساسان اثنان:

الأساس الأوّل: الجامعة هي جهاز ذي طابع “بينحكوماتي مشترك” لايمتلك سلطة فوق وطنيّة تعلو السلطات الوطنية للبلدان الأعضاء.

الأساس الثاني : أن الجامعة منظمة تقوم بعملها “على أساس  التعاون الاختياري  بين الدول الأعضاء وذلك على قاعدة المساواة والاحترام المتبادل للاستقلال وللسيادة؛ وهذا ما يفرض الأخذ بقاعدة الاجماع في اتخاذ القرارات  .

واعتماد قاعدة الرضاء العام كأساس في عمل الجامعة تنزّل في نطاق مقاربة قائمة على توفير المرونة والتوفيق بين بعدين متناظرين هما البعد الوطني القطري والبعد القومي العابر للوطنية القطرية ” لحياكة نسيج الترابط في علاقات البلدان العربيّة. وارتهان عمل الجامعة لجدلية ثنائية القطرية والقومية جعلها تعاني دوما من عقبة بنوية في أداء مهامها تضعها غالبا في مواجهة معضلة حلّ المعادلة المستحيلة بين القطري والقومي وبالتالي فرض الهشاشة على النظام الإقليمي العربي وتدنّي الفعالية فيه.

وقد أرست جامعة الدول العربية منذ سنة 1950 وعلى مرّ السنوات التالية بنية قانونية متنوعة كمرجعية لعملها في شتى المجالات وحري ذكر أهمها:

  • اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي الموقع عليها في أواسط شهر نيسان/ أفريل 1950.وبقيت هذه الاتفاقية غير مفعلة في شقها العسكري الى غاية أوائل سنة 1964 أوان انعقاد مؤتمر القمة العربي الأوّل في القاهرة الذي أقرّ انشاء قيادة عسكرية عربية موحدة دائمة تتألّف من ممثلين عن هيئات اركان الجيوش العربية، وكذلك انشاء مجلس للدفاع العربي المشترك يجمع كلا من وزراء الدفاع والخارجية العرب وهو مجلس مخول بإصدار قرارات ملزمة بأغلبيّة الثلثين. وبعد عقدين من الزمن (1984) شلت فاعلية اتفاقية الدفاع المشترك وقوّضت كل الهياكل المنبثقة عنه نتيجة جنوح مصر لعقد اتفاق صلح منفرد مع إسرائيل (في 26 آذار/ مارس 1979).
  • اتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة العبور(الترانزيت)لسنة 1953.
  • اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية والسوق العربية المشتركة مبرمة في 03 حزيران/ جوان 1957 (لم تدخل حيز التنفيذ الاّ سنة 1964 ولم تنضمّ اليها سوى 14 دولة عضو في الجامعة.
  • اتفاقية انشاء منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى (GAFTA). موقع عليها في قمّة عمّان سنة 1997 ولكن لم تدخل حيز التنفيذ الا سنة 2005 وعدد الدول المنضمّة اليها 18 دولة عضو في الجامعة.

IIالنظام الإقليمي العربي/مسارات وعرة وغير مستقرة :

      كان النظام الإقليمي العربي في بدايته عبارة عن تجمّع لسبعة دول حديثة العهد بالسيادة ولاستقلال غير متطورة وذات نظم حكم متباينة الطابع والتوجهات وثقل جغراسياسي غير متكافئ ومجتمعات ذات بنية مختلفة يغلب عليها التخلف، وهي مفتقدة للّحمة القوية ولرؤى متوافقة لمستقبلها ولمتانة أرضية الثقة فيما بينها. وبحكم هذه العوامل ظل هذا التجمع طوال العشر سنوات الأولى من تأسيسه مجرد تجمع تشاوري تعوزه القدرة على ترجمة مقتضيات ميثاق الجامعة وأهدافها على أرض الواقع.

وتضافرت مع العوامل الداخلية السالفة الذكر عوامل خارجية بالغة التأثير على النظام الإقليمي العربي وتتمثل أساسا في:

  • توطيد كيان إسرائيل في فلسطين بقلب المنطقة العربية.
  • الحرب الباردة الذي أحلّ المنطقة العربية في دائرة رئيسية للصراع على المصالح في المعمورة بين المعسكرين الغربي والشرقي.
  • حرص المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على توطيد نفوذها وتفوقه بالمنطقة العربية المشرقية خاصة بحكم الموقع الاستراتيجي للبلاد العربية الكفيل من جهة بتطويق الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي كاملا من الجنوب عبر آلية الحلف الأطلسي الذي ضمّت إليه تركيا سنة 1952، وعزز هذا الحلف بمعاضدة من بريطانيا بحلف رديف هو الحلف المركزي شمل كل من تركيا والعراق وإيران وباكستان. ومن جهة ثانية بحكم ما تحتويه المنطقة العربية من موارد طبيعية هامة تتمثل أساسا في وفرة مصادر الطاقة بها والحيوية لاقتصاديات الدول الكبرى الغربية الصناعية وفي طليعتها أمريكا.

وباستعراض صيرورة النظام الإقليمي العربي منذ نشأته ولمدى يتجاوز الــ 70 سنة يستخلص أن هذا النظام شهد أطوارا عدة وسلك مسارات وعرة وغير مستقرة يمكن بتكثيف شديد حصرها في أطوار سبعة بارزة دام مدى كل منها في المعدل قرابة عقد من الزمن:

أولا: طورصعود حركة الدفع القومي العربي الوحدوي 1956/1967.

تسنّى لمصر، في هذا الطور بحكم ثقلها الجغراسياسي الوازن نسبيا في محيطها العربي وخاصة المشرقي منه، أن تمارس دور قطب قيادي على الساحة العربية في محور ضم كل من سوريا والعراق. وتأسس هذا المحور عل تناغم نسبي أيديولوجي بين نظم سياسية تحمل عقيدة قومية عروبية وحدوية بتوجه ثوري غير موالي للغرب (حركة الضباط الوحدويين الأحرار بمصر التي تعزز توجهها الوحدوي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بعد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي في  تشرين الثاني/نوفمبر 1956 على مصر المنخرطة آنذاك في مسار تأسيس حركة عدم الانحياز،  وتعزز نفوذ حزب البعث العربي الاشتراكي في كل من سوريا والعراق  والوحدة المصرية السورية   في 01 شباط/فيفري 1958، فضلا عن انتشار الفكر القومي الناصري في العديد من البلدان العربية مشرقا ومغربا في ظل المواجهة التي كانت تقوم بها لاسيما حركة التحرر الوطني بشمال افريقيا وببلدان الفضاء ألمغاربي تحديدا).

و انخراط المحور القومي العروبي الوحدوي في انتهاج سياسة جامحة عالية السقف على الساحة الدولية تستهدف وفق خطاب نظري حماسي وتعبوي “تخليص الوطن العربي” من الهيمنة الخارجية والتبعية للغرب من جهة، ومن جهة أخرى مواجهة “تحديات وجود إسرائيل وتحرير أرض فلسطين السليبة من الكيان الإسرائيلي المغروس في قلب المنطقة بدعم ثابت من الغرب” لم يكن محل رضاء كامل  أو قبول من قبل دول عربية عدّة منضوية في إطار جامعة الدول العربية بحكم أن تلك الدول مرتبطة بعلاقات ثنائية وثيقة مع الدول الغربية الكبرى (لاسيما أمريكا وبريطانيا وفرنسا) ؛ كما أنّ الدول المغاربية، التي نالت استقلالها وتخلصت من الاستعمار الفرنسي بحركة كفاح وطني مرير،  لم تكن قابلة للتفريط بسيادتها والتنازل عن حرية قرارها على الساحة الدولية للخضوع لكتلة محور التوجه القومي تحت غطاء جامعة الدول العربية خاصة وأن ميثاقها ينص على احترام سيادة واستقلال كل دولة عضو فيها .

ورغم رجحان كفة المحور القومي في النظام الإقليمي العربي طوال الحقبة الممتدة من 1956 الى 1967، فانّ هذا المحور كانت تعوز دوله الإمكانيات والقدرات الكفيلة بتطبيق سياساتها الجامحة وخدمة أهدافها الطموحة على أرض الواقع بحكم ضعف بنية الدولة وكذلك البنية الاقتصادية وتخلف البنى الاجتماعية فيها.

كما أنّ هذا المحور كان يواجه محورا موازيا قطبه المملكة العربية السعودية وهو يقوم على توجّه يتأسّس على التمسك بالكيانات القطرية الوطنية القائمة في العالم العربي والممانعة في اندماجها أو صهرها في ” كيان أوسع ذي طابع عربي اتحادي “والتملص من ذلك برفع أطروحة “الوحدة الإسلامية” الكفيلة بتذويب الكيان العربي المنشود في محيط “اقيانوس أو هيولا ما يدعى  بالأمة الإسلامية ” الأوسع .

وحظي هذا المحور الأخير  برعاية الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية لتوافق توجهاته  مع منظورها  الاستراتيجي للمنطقة العربية عموما وللسعودية  على وجه الخصوص( التحالف السعودي الأمريكي بمقتضى اتفاق الملك السعودي والرئيس فرانكلين روزفلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية “اتفاق الباخرة كوينسي” وتطبيقا لعقيدة الرئيس الأمريكي الآخر دوايت آيزنهاور القاضية بتطويق الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي ومواجهة المدّ الشيوعي على الساحة العالمية عموما وبالساحة العربية خصوصا).

ولم تخل مسيرة النظام الإقليمي العربي وبالتبعية المحور القومي من عثرات كبرى ورجّات خطيرة في تلك الحقبة المحددة حريّ من بينها استحضار:

  • وقوع مصر قطب المحور القومي في شرك استنزاف عسكري واقتصادي، بانسياقها الى التدخل عسكريا في اليمن (1962/1965) لتثبيت سلطة النظام العسكري الذي قام هناك على أنقاض النظام الوراثي الملكي (الإمامي)وهو استنزاف كبير وطويل المدى رعته السعودية بدعم غربيّ في نطاق إنهاك المحور القومي وحشره في دوامة الصراعات الداخلية العربية-العربية ومشاغلته عن مواصلة خطّه الهادف الى اخراج النظام الإقليمي العربي من فلك الغرب.
  • الحرب الاستباقية الخاطفة والكاسحة التي شنتها إسرائيل الكيان ألاحتلالي المغروس غصبا في أرض فلسطين، في 5 حزيران/ جوان 1967، على دول طوقها بغرض إلحاق ضربة قاصمة لظهر دول المحور القومي وخاصة مصر وسوريا ، وهي الحرب التي أسفرت عن الحاق الدمار ببنيتيهما العسكريتين واحتلال شبه جزيرة سيناء المصرية كاملة والسيطرة على الضفة الشرقية لقناة السويس واحتلال قطاع مرتفعات الجولان السورية الاستراتيجية إضافة الى احتلال كامل قطاع الضفة الغربية لنهر الأردن  والشق الشرقي لمدينة القدس اللذين كانا تحت سلطة المملكة الأردنية الهاشمية أي ما يعني استكمال السيطرة على كافة تراب فلسطين التاريخية .

وشهدت حقبة هذا الطور من النظام الإقليمي العربي جراء ما تعرضت اليه من تعثرات ورجات كبرى ظهور توجه هام نحو البحث عن البدائل والخيارات الممكنة لإدارة الصراع العربي الإسرائيلي وفي جدوى نهج المواجهة العسكرية المباشرة والتقليدية وضرورة مراجعته وتعديله بالاعتماد بصورة موازية على حركة نضال فلسطيني سياسي ودبلوماسي معزز بصيغ حرب استنزاف عسكري غير تقليدي للاحتلال الإسرائيلي من قبل فصائل فلسطينية شبه عسكرية. وهذا التوجه هو الذي يفسّر ما شهدته المراحل اللاحقة لمسيرة النظام الإقليمي العربي من تعاظم دور منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل النضال المسلح الفلسطيني في حلقة الصراع العربي الاسرائيلي.

كما شهدت تلك الحقبة  (قبل سنتين من اندلاع  حرب 1967 ) طرح مقاربة “قنوعة بالشرعية الأممية” تقدم بها منذ ربيع عام 1965 الرئيس والزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (في جولته المشرقية آنذاك) لحل الصراع العربي الفلسطيني عبر «نهج الكفاح السلمي السياسي والدبلوماسي” للاحتفاظ بما تبقى مما هو مقر ّبه للشعب الفلسطيني من حقوق وطنية تمكن من إقامة كيان لدولته على جزء من ترابه استنادا الى قرارات الأمم المتحدة التي تشكل الشرعية الدولية الجديرة بأن تستغل في غياب البديل عنها (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947).وبقيت هذه المبادرة خيارا  مرفوضا ومهجورا لعقود طويلة اضطر النظام الإقليمي العربي بعدها بعقود لخيار الحل السلمي  للصراع مع إسرائيل في كنف “شرعية دولية أدنى قيمة ” وأكثر قيودا وبفرض من القوى الكبرى المتنفّذة في العالم.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer