بين طريق الحرير والطريق الفينيقية

بين طريق الحرير والطريق الفينيقية

0
PARTAGER

بقلم محمد جنيفان،سفير سابق

تلبية لدعوة كريمة من سفارتنا بلبنان، شاركت في الاحتفال، الذي أقامته، بالذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تونس ولبنان، بالتعاون مع منتدى سفراء لبنان، والمعهد الوطني للإدارة، يوم الخميس 18ماي  2017ببيروت.

وقد أثارت ،في نفسي ،العودة إلى بيروت، بعد سبع وثلاثين سنة، من تحملي مهمتي الدبلوماسية فيها (1980/1982)خواطر وارتسامات جياشة لعل أهمها:
* شعوري الغامر بالابتهاج لما رأيت من نشاط بعثتنا ، ونجاحها في تنظيم الاحتفال، شكلا ومحتوى، وأسعدني ،خاصة، الحضور اللبناني الرسمي والشعبي السامي والرفيع، وما جاء في كلمات الأخوة اللبنانيين من تذكير بروابطنا التاريخية العريقة، وتنويه بالعلاقات المعاصرة ،الأمر الذي جعل ،كما قيل، من بلدينا شعبا واحدا، جزء منه في الشام، والجزء الآخر في شمال أفريقيا.
ولما تميزت به الكلمة الرسمية لتونس، في هذا الحفل البهيج، والتي ألقاها سفير بلادنا لدى لبنان، كريم بودالي عندما عبرت، في إيجاز بليغ، ولغة عربية منتقاة، عما قطعته تونس في مسيرة التحول الديمقراطي، وعما تكتسيه العلاقات بين بلدينا، من ود وصفاء، وما تتوق إليه العزائم الصادقة لشعبينا الشقيقين ، من ريادة آفاق أبعد وتعاون أثرى .

*ولئن لم يفاجئني محتوى الكلمات الموجزة والثرية، بالفكر والعواطف التي ألقاها المشاركون، في الحفل، من اللبنانيين ،فقد أعجبت، بالغ الإعجاب، بما جاء في كلمة وزير الخارجية اللبناني، بهذه المناسبة،والتي ألقتها، نيابة عنه، دبلوماسية رفيعة المكانة، في وزارته،و شدني خاصة الشعار الطموح الذي استعاره من البرنامج الصيني المسمى (طريق الحرير)وعبر عنه ب(الطريق الفينيقية) وجعلني ذلك أحلم بيوم تصبح فيه تونس منطلقا،هي ولبنان، لهذا الطريق ،في بعد من أبعاد التعاون الدولي، إذ أن من مقومات هذه الفكرة،التي طرحت، أول ما طرحت ،في المجال السياحي، شمولها،اليوم، إضافة إلى تونس ولبنان، لما يزيد عن 13دولة ،كانت الحضارة الفينيقية لامستها ، في تلك المسيرة التاريخية ،التي انطلقت ،من (صور لبنان)، وأصبح مركزها الأساس في( قرطاج تونس) . إن وراء( طريق الحرير) قوة دولة عظمى،فهل تستقطب( الطريق الفينيقية) التي تربط، تاريخيا ،بين ضفاف الأطلسي وشرق المتوسط ، من الدول، ما يجعلها قابلة للتحقيق قد تبدو الفكرة ،اليوم، تهويما في الخيال، ولكن قد يصبح الخيال حقيقة، بفضل الاستشراف الجغراسياسي المتبصر، والإصرار الحضاري الملهم .

*في الكلمة التي تشرفت بإلقائها في هذا الحفل بعنوان (تجربتي سفيرا لتونس لدى لبنان) تحدثت، فيما تحدثت،قبل أن أطلع على بيروت الجديدة ، عن الشعب اللبناني ومهارته العجيبة، في إتقان العمل، والصبر في مغالبة الصعاب، وعن حبه للحياة، ولم يزدني ما لاحظته، في جولة بأنحاء بيروت، بعد الحفل، واسترجاع ذكرياتي عن وضع الخراب والاحتراب الذي تركتها عليه، لما غادرتها، مقارنة بما أصبحت عليه،اليوم ، من فخامة وأناقة ونظام ونظافة وحيوية، لم يزدني ذلك إلا يقينا بما رسخ، في ذهني، عن هذه الخاصية اللبنانية التي أحلم بأن تصيب البلدان العربية بعدواها المفيدة…

في عرضي لتجربتي الدبلوماسية، تحدثت عن كمائن الموت التي عايشت، في لبنان ثمانينات القرن الماضي ، فقسوت على بيروت، واستشهدت بما قاله ،أيامها ،نزار قباني الذي اشتهر بحبه لها :
بيروت تقتل كل يوم واحدا منا ** وتبحث كل يوم عن ضحية
والموت في فنجان قهوتنا **وفي مفتاح شقتنا **وفي أزهار شرفتنا **وفي ورق الجرائد **والحروف الأبجدية

ولكني وجد ت،في هاته الزيارة، بيروت عاصمة آمنة ،متحفزة ،دائما ، نعم،ولكنها استطاعت أن تصبح، بقدرة عجيبة في أهلها، زاخرة بمباهج الحياة، وخاصة بما عرفت به من طاقة على إنتاج الفكر والفن، وما يلقاه زائرها ،حيث اتجه، في أنحائها، من المنشورات الحديثة والأنيقة ،التي تدفع بها أرحام المكتبات الولود،طافحة بالزاد الفكري والذوقي .

*كرمتني سفارتنا والمتعاونون معها، في تنظيم هذه الذكرى،بدعوتي لعرض جوانب ،اخترتها بعناية، عن تجربتي الدبلوماسية في لبنان، وعند استعراضي لقائمة زملائي السفراء الذين سبقوني ،والذين خلفوني، الذين منهم من غادر دنيانا ،ومنهم من لازال ممتعا بالحياة ،وناهضا بإثراء المشهد الدبلوماسي، شعرت بالنخوة الوطنية، وبريادة الفكر الدبلوماسي التونسي، كما شعرت بالتهيب، بأن تتاح لي مناسبة الحديث، عن حقل خصيب، شارك كل منهم في جعله مناسبا لمكانة تونس في محيطها العربي ،ولم أكن أبرزهم في ذلك، وإني أدعو ،بالمناسبة جمعيتنا النشيطة (الجمعيةالتونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين) لمزيد المثابرة في ما أعلم أنها بصدد الإعداد له ،من برنامج طموح بخصوص الذاكرة الدبلوماسية لتونس الحديثة.

*ولا أختم بعض هذه الارتسامات، قبل أن أؤكد ،ما ذكرته في عرض تجربتي، من أن العمل الدبلوماسي في بلد كلبنان، يعتبر معهد تكوين للدبلوماسيين الناشئين، لأن لبنان يتوفر، دائما، على ميزات يكاد ينفرد بها في عالمنا العربي، جعلت الحياة، فيه، بالنسبة للدبلوماسي، ثرية متدفقة ،لا تعرف الركود. فهو من حيث المستوى الثقافي متقدم وعريق ، وهو من حيث أنماط العيش والمنازع الاجتماعية والروحية والتراثية والقيمية بعيد عن النمطية، وباعث على يقظة الفكر والحس، وربما هو ،بسبب ذلك، كان الأكثر حرية في الإعلام، والأكثر جرأة في التطور الثقافي والاجتماعي،والأبعد شأوا في الانفتاح والاستفادة الرشيدة، من الحداثة التي تبوأها الغرب، وتولى بفضلها، قيادة العالم .

ولبنان، فضلا عن ذلك، أو بسببه، أصبح ملتقى للوافدين، من محيطه العربي، ومن غير محيطه،يفد عليه الساعون لنيل موطأ قدم فيه، يوفر لهم طيب الإقامة، أيا كانت حاجتهم منها ،راحة بال ،أو هدوء خاطر ،او بعدا عن منغصات ،أو طلبا للزاد الفكري والثقافي حيث تنعم أسماعهم وأبصارهم وأنفسهم بما يتوفر لهم من حرية وراحة نفسية ،و إلى أولئك ينضم من تكون لهم أهداف لاتخاذه مرصدا يتابعون، من خلاله، حركة الأفلاك المحيطة، والتي كثيرا ما تنعكس آثار حركتها ففي فضائه،أكثر مما تظهر في مداراتها المتشعبة المتداخلة . وأكثر ما يفيد الدبلوماسي الناشئ في لبنان، ما يلمسه من خلفيات الحياة الدبلوماسية، في دوائرها الأجنبية المعتمدة بلبنان، وملحقاتها المتنوعة ،فيه، بما تكتسيه من غلالات اللطف والرقة والمجاملة، وبما قد تكون عليه، في الواقع الخفي، من شراسة واحتدام ومعارك طاحنة، تتصارع فيها المصالح الإستراتيجية ،وتتنوع فيها أساليب التخفي والمخاتلة والتغليط ، وكيفيات اقتفاء اثر الطرائد واقتناصها، وتنسج المخططات بأسلاك رفيعة تمسكها ،غالبا عن بعد،أياد متمرسة غير مرئية ،لا تنام الليل، ولا تهدا في النهار، وتسبح في الأعماق ،وفوقها البحر هادئ لا يتحرك له موج./.

محمد جنيفان
سفير سابق

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire