القمة العربية التنموية

تحديات امام القمة العربية التنموية


الدكتور  ناصيف حتّي موظف سامي منتسب سابقا لجامعة الدول العربية وحاليا أستاذ جامعي وكاتب لبناني.

عشية انعقاد الدورة الرابعة للقمة العربية التنموية: الاقتصادية والاجتماعية التي يستضيفها لبنان في كانون الثاني 2019 لا بد من التذكير بداية بأن مستوى المشاركة، كأن يكون التمثيل ما دون رأس الدولة ( الا في حالات قليلة جداً ومعروفة ومبررة) يحمل رسالة حول الاهمية والجدية التي تشكلها هذه القمة بالنسبة للدولة المشاركة. خفض مستوى التمثيل ايضاً يحمل رسالة سياسية بوجه خاص تجاه الدولة المضيفة، في وقت لبنان بامس الحاجة فيه لدعم العائلة العربية، حفاظاً او انقاذاً، وقد لمسنا الخطوط الحمر فيما يخص الاستقرار المجتمعي الذي هو في نهاية الامر مصلحة عربية حيوية ايضاً، بما قد يحمله انهيار هذا الاستقرار من تداعيات تتخطى لبنان لتطال محيطه العربي.

تحديات جمّة، ولكنها حاملة لفرص كبيرة اذا ما تعاملت معها هذه القمة بفاعلية وواقعية، ولم تتجاهلها وتمر عليها مرور الكرام، عبر دبلوماسية البيانات والمناشدات والدعوات التي تعرفها القمم العربية.

اولاً: ان المشاكل الاقتصادية الاجتماعية التي شكّلت فتيل انفجار الاوضاع في بعض الدول العربية، والتي سماها البعض بالربيع العربي، واعتبرها البعض الآخر بمثابة خريف او شتاء عربي، بعد ان خرجت او اخرجت عن ما يجب ان يكون سياقها الاصلاحي الطبيعي، ما زالت قائمة، لا بل قد استفحلت بسبب حالة الفوضى وتداعيات الازمات التي انفجرت والحروب الاهلية التي انطلقت، وذلك رغم النجاح في اعادة الاستقرار الى بعض هذه الدول.

هذه المشاكل المستفحلة ستبقى مصدر خطر لانفجارات مستقبلية وللاستغلال من اطراف مختلفة، داخلية وخارجية، اذا لم يتم نزع فتيل الانفجار عبر سياسات تنموية شاملة تعالج الجذور الاقتصادية والاجتماعية لهذه الاوضاع. فاستمرار الحرائق هنا وازدياد السخونة هناك قد تطال شراراتها دول أخرى.

ثانياً: نهاية الدولة الريعية العربية كما عرفناها منذ السبعينات، والتي انطوت على فوائد كثيرة لمجتمعاتها ولمجتمعات عربية أخرى استفادت منها من خلال توفير العمالة والحصول على الاستثمارات والمساعدات. يحصل هذا الانكماش في وقت ازدادت تطلعات الشعوب نحو حياة وخدمات افضل، وخاصة بين القطاعات الشبابية. هذا الوضع فرض اعادة النظر في العديد من السياسات الاقتصادية الاجتماعية. يحمل هذا الامر، دون شك، لتداعيات سياسية على استقرار عدد من الدول العربية وعلى الاقليم العربي بشكل عام.

ثالثاً: الديمغرافيا الشبابية الضاغطة في العالم العربي. وللتذكير، يشير تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2016 الصادر عن برنامج الامم المتحدة للتنمية UNDP ان حوالي 60 بالمئة من السكان هم دون سن الثلاثين وان العالم العربي يعاني من اعلى نسبة بطالة شبابية مقارنة بالاقاليم الاخرى في العالم. يعتبر هذا بمثابة قنبلة موقوتة اذا لم يتم التعامل معها بنجاح. وتبقى هذه الطاقة الشبابية قاطرة اساسية للتنمية اذا ما احسن الاستفادة منها وتوظيف امكاناتها.

رابعاً: المطلوب، كما يقال، التفكير « خارج الصندوق »، وذلك انطلاقاً من منع تأثير الخلافات السياسية على التعاون الاقتصادي وجعل هذا الأخير بمثابة رهينة للعلاقات السياسية. ان التعاون الاقتصادي المفيد لكافة اطرافه يمكن ان يشكل حافزاً لاحتواء الخلافات السياسية بين هذه الاطراف والعمل على تسويتها. وهذا الامر سمة طبيعية في العلاقات بين الدول في كافة اطراف العالم. فالتكامل الاقتصادي العربي، باشكاله وصيغه المختلفة، امر اكثر من ضروري لبناء الاستقرار وبالتالي تعزيز الامن الوطني والعربي. ولا بد من التذكير ان كافة عناصر الانتاج موجودة ومتكاملة في العالم العربي. ومن الضروري ايلاء اهمية خاصة في التعاون للاستثمار في التعليم النوعي وانشاء ما يعرف ب »مراكز تميّز » لدعم الابحاث في تعزيز هذا التعليم، الامر الذي يسمح للعرب بالتعامل الناجح والاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة التي يعيشها العالم. فمن الضروري ان توجّه القمة وتعطي اولوية للتعاون في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة النظيفة والمتجددة.

خامساً: ان موعد القمة يشكل فرصة ذهبية للقاء عربي جامع على اعلى مستوي للتشاور ولو في جلسة مغلقة وغير رسمية في مسألة جد استراتيجية ولو انها خلافية، وهي مسألة عودة سوريا الى العرب وعودة العرب الى سوريا. والامر، بالطبع، ابعد من اتخاذ قرار، رغم ضروريته واولويته، باعادة سوريا الى جامعة الدول العربية. كما من الضروري ان يجري التداول على مستوى القمة بشأن بلورة اجندة الاولويات العربية في القمة العربية الاوروبية التي ستعقد في العشرية الاخيرة من الشهر القادم في القاهرة.

قد يقول البعض ان هذه ستبقى مجرد امنيات في ظل الوضع العربي الراهن والتجارب الماضية. ولكن اما حان الوقت لوقفة عربية مع الذات قبل ان يحدث الانهيار الكبير -ونحن نرى بوادره- ؟!فتكون بيروت محطة لاعادة انطلاق قطار عمل عربي مشترك على قواعد واسس جديدة يخدم ويعزز مصالح الدول العربية جمعاء.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer