تحديّات الدول النامية ودور الدبلوماسية في تطويقها : نحو دبلوماسية تونسية تنموية...

تحديّات الدول النامية ودور الدبلوماسية في تطويقها : نحو دبلوماسية تونسية تنموية واستشرافيّة

0
PARTAGER

يرتبط تحقيق التنمية، فضلا عن رفع نسق النمو والتحكم في التوازنات المالية، بالنهوض بالموارد البشرية والحدّ من الفوارق الاجتماعية والجهوية، بصفة متوازية مع ترشيد الاستغلال الموارد الطبيعية والمالية وتشجيع البحث العلمي واقتصاد المعرفة وحماية المحيط بما يعزز دعائم الاستقرار والأمن وييسر الاندماج في الدورة الاقتصادية العالمية، وهو ما يتطلب ارساء توافق سياسي حول عقد مجتمعي يؤسس لعلاقة متكاملة بين الدولة ومختلف مكّونات المجتمع المدني عبر تشجيع المشاركة في الحياة العامة وتعزيز العمل المؤسسي واعتماد سياسات تنموية تستلهم من المخزون الحضاري والثقافي الوطني والإنساني ما يساعد على دفع واستمرارية المسيرة التنموية وفق مقاربة شاملة لثلاثية الحكم الرشيد والاستقرار والتنمية.
ويتأكد بذلك دور الدولة، وبالتالي الإدارة، في تعميق الإصلاحات الهيكلية، التحكّم في التوازنات المالية والاجتماعية وتحسين مناخ الاعمال والاستثمار من تثمين للموارد البشرية وتعصير للبنية التحتية ومساندة لدور القطاع الخاص في الأنشطة التنافسية.
تعدّدت مهمات الدبلوماسيّة بنهاية الحرب الباردة وتنامي العولمة نتيجة التداخل المتزايد بين الشأن الداخلي والشأن الخارجي على ضوء تحرير التجارة وتنقّل رؤوس الأموال وتوسّع الثورة الاتصالية والمعلوماتية وهو ما ساعد على تشابك المصالح بين الدول خاصة بتوسع التجمعات الإقليمية وأنشطة متعددة الجنسيات، رغم توالي الأزمات الاقتصادية وتفاقم المخاطر الأمنية.
ولئن فتحت العولمة آفاقا جديدة التنمية، خاصة مع اهتمام المجتمع الدولي بالعمل التنموي وتحديد أهداف الألفية للتنمية، فان الدول النامية اصبحت تواجه صعوبات متزايدة زاد من حدتها تنوع وتباين الأوضاع داخل مجموعة 77 بحسب مدى توفّق هذه الدول في التكيف مع متطلّبات العولمة.
أصبح تصنيف البلدان النامية يتراوح بين الدول الأقل تقدّما والدول الصاعدة أو ذات الاقتصادات الناشئة، فضلا عن الدول المصنّعة حديثا والدول ذات الدخل المتوسط أو التي تمرّ اقتصاداتها مرحلة انتقالية، بل أن الدول النامية أصبحت تتنافس، وأحيانا بشراسة، لاستقطاب الاستثمارات الخارجية والتموقع في الأسواق الخارجية لتحقيق مصالح وطنية آنية على حساب التضامن الجماعي وضوابط المنافسة. وذلك ما حدّ من القدرة التفاوضية للدّول النامية في المحفل الدوليّة وشجّع الدول المصنّعة على التنصل أحيانا من الإيفاء بتعهّداتها التنموية.

الا أنّ ذلك لا ينفي تواجد عراقيل مشتركة في وجه الدول النامية، تتفاوت طبيعتها وحدّتها حسب خصوصيّات الدول والمجموعات المكوّنة للعالم الثالث –تستوجب اعتماد مقاربة تضامنية للتحرك الدبلوماسي جنوب –جنوب وشمال – جنوب الحد من هذه العوائق خدمة للسلم والأمن والتنمية في العالم من منطلق المصلحة المشتركة.
ويعدّ العالم العربي بفضل موقعة الجغرا-سياسي وما يزخر به من مقّومات حضاريّة ومن موارد والتصاقه بالمشاغل التنموية لدول الجنوب حلقة وصل وتواصل متميّزة للمساهمة في هذا العمل رغم هشاشة اوضاعه وعدم توفقه بعد في الاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية.
1- تعدّد الصعوبات التي تواجه الدول النامية والمعيقة للتنمية بفعل عوامل متداخلة ومتشابكة على المستويين الداخلي والخارجي لعلّ من أهمها :

• في المجال السياسي والأمني
– تكاثر بؤر النزاع والحروب الأهلية والخلافات العرقية والدينية خاصة بإفريقيا والعالم العربي الإسلامي في ظل ازدواجية المعايير وتراجع الشرعية الدوليّة وتقلّص دول الامم المتحدة في قضايا الأمن والتنمية، فضلا عن تدهور الأوضاع الداخليّة للدول المعنيّة.
– ايلاء غالبية الدول المصنّعة الأولوية للاعتبارات الأمنية والانتخابية على حساب البعد التنموي للعلاقات الدولية من خلال الانتقائية في التعاطي مع العولمة بالحدّ من الهجرة وحرية التنقل في وجه مواطني الدول النامية مع اتخاذ إجراءات حمائيّة مقنّعة ضد صادرات هذه الدول وعرقلة اعادة التوزيع الدولي للعمل بما يعيق تحسين القدرة الشرائية لشعوب الدول النامية وقابليتها للتحول تدريجيا الى أسواق واعدة.
– معالجة ظاهرة الإرهاب من منظور أمني دون اعتبار لجذور هذه الظاهرة ولضرورة حل القضايا العالقة من خلال الحل السلمي للنزاعات والحد من مظاهر الفقر والاقصاء والتهميش.
– تزايد الشروط السياسيّة على مختلف المستويات الثنائية والجهويّة والدوليّة. من ذلك ربط الدّول المصنّعة مساندتها لبرنامج الشراكة الجديدة لتنمية افريقيا بمدى تقيّد الدول الإفريقية بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاق كوتونوCotounou بين الاتحاد الاوروبي ومجموعة افريقيا –الكراييب- المحيط الهادي. وذلك فضلا عن اعتماد السياسة الأوروبية للجوار على أساس ثنائي في تحوّل لسياسة التضامن الجماعي لمسار برشلونة واستناد المبادرات الامريكية والأوروبية لمنطقة الشرق الأوسط الكبير إلى نفس المشروطية.
– محدوديّة المشاركة في الحياة العامة وضعف مساهمة المجتمع المدني وتغييب دور المرأة وبالتالي تدنّي الممارسة الديمقراطية – باستثناء دول أمريكا اللاتينية وعدد من الدول النامية الأخرى. وهو ما ينعكس على مؤشر نوعية الحكم التي تبقى متدنّية خاصة بإفريقيا والعالم العربي.

• في المجال المالي والاقتصادي
– فضلا عن تسييس الدول الغربية للمعونة العمومية لأغراض ايديولوجية واستراتيجية يرتبط توزيع المعرفة كذلك بأهداف التموقع في الأسواق الخارجية. ورغم ضرورة مراعاة ظروف وحاجّيات الدول الأقل نموا لدى توزيع المعونة إلاّ ان معيار الدخل الفردي لا يأخذ بعين الاعتبار وضعيّة الدول متوسطة الدخل الت أمكن لها تحسين دخلها الفردي بفضل جهودها المزدوجة في التنظيم العائلي وتسريع وتيرة النمو.
وتجدر الاشارة، من ناحية اخرى، الى مساهمة عدد من دول الجنوب، وخاصة منها دول الخليج والصين الشعبية في تمويل التنمية بشروط ميسرة
– معضلة المديونية التي تعيق الجهود التنموية خاصة بأفريقيا والبلدان العربي غير النفطية فضلا عمّا تسبّبه من أزمات ماليّة حادة بآسيا وامريكا للاتينية نتيجة سوء هيكلة الديون وتقلّبات الأسواق المالية وتذبذب العملات والتسرع في تحرير تنقل رؤوس الأموال.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire