الدول النامية

تحديّات الدول النامية ودور الدبلوماسية في تطويقها : نحو دبلوماسية تونسية تنموية واستشرافيّة

أمّا عن الاستثمارات الخارجية فهي تتركز بمنطقة آسيا ويعود ذلك الى حجم الأسواق والى السياسات الانمائية التي تعتمدها الدول الأسيوية وكذلك الى مستوى الاندماج الجهوي بمساندة اليابان على مستوى التحولات المالية والتكنولوجية فضلا عن دول الجالية الصينية المستقرة بالخارج.
وهو ملا يتوفر بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث لا تمثّل الاستثمارات بالدول المتوسّطية الشريكة للاتحاد الاوروبي سوى 2 بالمائة من مجمل الاستثمارات الخارجية الاوروبية ممّا يتطلّب جهودا مشتركة عربيّة واوروبيّة لتحسين مناخ الاستثمار وخاصة منه الاستثمار الخارجي لدوره في دعم القدرة التنافسية لاقتصادات المنطقة وتيسير اندماجها في المنظومة الاقتصادية الجهوية والدولية هذا بمدى التوفّق في اقامة المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر باعتبار أهمية معيار حجم السوق في قرار الاستثمار خاصة بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات التي اصبحت تساهم بنحو 80 بالمائة من مجمل الاستثمارات الخارجية ونحو ثلثي المبادلات التجارية العالمية.
تباين وعدم استقرار موارد الصادرات، تعددت الاتفاقيات التجارية الاقليمية التي بلغ عددها الجملي230 اتفاقا سنة 2004 مقابل 50 سنة 1990. وارتفعت مساهمة البلدان النامية في اتفاقية التجارة العالمية.خاصة مع تطور حجم صادرات امريكا اللاتينية والبلدان النامية الاسيوية حيث اصبحت الصين الشعبية ثالث مصدر العالم. ورافق ذلك ارتفاع نسبة المواد المصنعة في مجمل هذه الصادرات من 31.4 بالمائة بين سنتي 1980 و 1983 الى 68.1 بالمائة خلال الفترة 1999-2003 ووصلت هذه النسبة الي 84.8 بالمائة بشرق وجنوبي اسيا مقابل 25 بالمائة بغربي اسيا و23 بالمائة بإفريقيا.
ولا تزال تعترض الدول النامية في تصديرها للمواد الفلاحيّة اجراءات حمائيه مقنعة من قبل عدد من الدول المصنعة فضلا عن مزاحمة منتوجات هذه البلدان بالأسواق الخارجية وهو ما يعيق المفاوضات الجارية حاليا ضمن جولة الدوحة للتنمية في اطار أشغال المنظمة العالمية للتجارة. وعلى مستوى المبادلات التجارية البينية تبقى هذه المبادلات محتشمة بين البلدان العربية (حوالي 7 المائة) مقارنة بالفضاءات الاخرى لأمريكا الجنوبية (36 بالمائة) واسيا (45 بالمائة) واوروبا الغربية (69 بالمائة) وامريكا الشمالية (30 بالمائة) يعود ذلك أساسا الى قلّة تنوّع القاعدة الإنتاجية للبلدان العربية وصعوبة الاتفاق بشأن قواعد المنشأ فضلا عن صعوبات النقل والتنقل وعدم تجسيم الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف العربية خاصة منها اتفاقية المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر واتفاقية اغادير التي تجمع تونس والمغرب ومصر والأردن. علما وأنّه تمّ العديد من الاتفاقيات التجارية في اطار جامعة الدول العربية اولها اتفاق التعاون الجهوي والتجارة والعبور سنة 1953.
وفي مجال الخدمات تعاني الدول النامية من تأثر حجم الموارد السياحيّة نظرا لتأثير الاستقرار والهجمات الارهابية على نسق الرحلات السياحية الى الدول النامية في ضوع تزايد العنصرية والحملات الاعلامية الموجهة خاصة ضد الدول العربية والاسلامية. وقد سعت بعض الدول النامية الى تنويع مصادر الدخل ، خاصة منها الهند في مجال الإعلامية، حيث اصبحت الخدمات في هذا القطاع تساهم بنحو 9.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي الخام لهذا البلد.
الا ان هذا التطور لا يزال محدود الفاعلية إجمالا نتيجة تفاقم الفجوة التكنولوجية والرقمية بين الشمال والجنوب خاصة في مجال التعليم وتكوين الكفاءات. وذلك فضلا عن استقطاب هذه الكفاءات بصفة انتقائية من قبل الدول المصنّعة في الوقت الذي تتعدد فيه الاجراءات للحد من الهجرة وتنقل الاشخاص الوافدين من الدول النامية. وهو ما يقلّل من فرص الاستفادة من التحرير التدريجي للخدمات التي تساهم اكثر فاكثر في تنويع قاعدة الانتاج والتصدير بالدول المصنّعة وتعزيز القدرة التنافسية لاقتصاداتها.
• في المجال الاجتماعي والثقافي والتكنولوجي:
– عدم التحكّم في النمو الديمغرافي، خاصة بإفريقيا والعالم العربي وآسيا، مقارنة بالنمو الاقتصادي، يولّد ضغوطا على أسواق الشغل ويزيد من حدّة البطالة والفقر ومخاطر عدم الاستقرار. ويتطلب القضاء على البطالة في البلدان العربية، وفق تقرير البنك العالمي توفير 90 مليون موطن شغل في افق 2015. فضلا عن التضييق على حرية التنقل والهجرة تحدّ الأوضاع التعليمية والصحيّة بالدول النامية من فرص التشغيل خاصة بإفريقيا والعالم العربي.
– على مستوى نوعيّة التعليم والتكوين لم تتوصل بعد غالبيّة البلدان العربية والإفريقية على ملاءمة البرامج والمناهج التعليمية والتكوينية مع متطلّبات سوق الشغل وحاجيّات المؤسسة. ما يحدّ من فرص التشغيل ومن تحسين انتاجية عناصر الإنتاج وطاقات البحث العلمي وتيسير التراكم وتحويل التكنولوجيا في غياب التفاعل بين المنظومة التعليمية والبحوث والإنتاج. وهو ما يسهم، في غياب البنية الأساسية اللازمة وحريّة التعبير والإبداع، في هجرة العقول والكفاءات والخبرات الى الدّول المصنّعة.
– وممّا يزيد من تعقيد الأوضاع في افريقيا تأثير المستوى التعليمي على الأوضاع الصحيّة وخاصة منها الصحة الانجابية والوقائية وعلى الطاقة الإنتاجية للقارة. وتشير الإحصائيات ان 70 بالمائة من مرضي « السيدا يقطنون بإفريقيا وأن ثلث سكانها يعانون من سوء التغذية.
– ورغم تعدّد البرامج والاليات لمقاومة الجوع والأمراض والفقر ان نجاح هذه المبادرات يبقى مرتبطا بمدى تجاوب الدول الغنيّة للمساهمة في رصد المعونة المالية اللازمة ومدى قدرة الدول النامية على التوصّل الى تنقية المناخ السياسي والاجتماعي وتطوير أساليب الادارة بما يتوافق ومتطلّبات الحكم الرشيد والتنمية المستدامة.
– أبرزت نتائج التجارب التنموية في هذا المجال فضلا عن العوامل المؤسسة والسياسات التنموية، أهمية استلهام المخزن الثقافي والحضاري :
• لإذكاء روح التضامن والتكافل وتذليل الفوارق الاجتماعية والجهوية لتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة.
• تنمية الحسّ المدني وتطوير العقليّات والسلوكيّات للارتقاء بالعمل كقيمة حضاريّة.
• تطوير الحسّ البيئي وتحقيق التفاعل بين التنمية البشرية وتحسين الظروف المعيشية، مع تعزيز التعاون الدولي في هذا الاتجاه باعتبار اليات السوق وتحرير المبادلات لا تؤدي بالضرورة الى تدعيم مقومات التنمية المستدامة.
ولئن تعددت وتباينت صعوبات ونجاحات الدول النامية في توفير الظروف المهيئة لتنمية شاملة مستدامة فان الاستحقاقات الدولية القادمة وحجم المخاطر العالمية تتطلب تظافر الجهود لاحتواء منزلقات العولمة وتعظيم منافعها. وهو ما يضع على عاتق الدبلوماسية مهما دقيقة في ظل تحوّلات دوليّة متلاحقة.
II مساهمة الدبلوماسية في تطويق الصعوبات التي تواجه الدول النامية.
بالرغم من تحرير الاقتصاد والتوسّع في خوصصت الانشطة التنافسية فان دور الدولة لا يزال قائما، بل تعزز بما في ذلك داخل البلدان الغنية المتقدّمة.
ويكتسي هذا الدول أهمية متميّزة بالنسبة للبلدان الناميّة لتوفير الظروف الملائمة لتعزيز الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي واعتماد استراتيجيات تنموية تحظى بالتوافق الوطني وتأهيل الاقتصاد والمؤسسة لمجابهة متطلبات المنافسة الدولية فضلا عن تطوير سبل التعاون والشراكة مع الخارج.
• 1 تطوّر وتنوّع العمل الدبلوماسي :

أصبح العمل الدبلوماسي يتسّم خاصة :
– بتداخل الشأن الداخلي بالشأن الخارجي على ضوء فتح الحدود وتشابك المصالح بين الدول وتطوّر وسائل الاتصال والمواصلات.
– تعدّد المتدخلين من جهات رسمية حكومية وبرلمانية الى شركات وأحزاب ومنظمات نقابية وأعراف ومنظمات غير حكومية فضلا عن تنامي مشاركة السلط المحلية والجهوية تطور التعاون اللاّمركزي والحدودي.
– تعدّد أوجه الدبلوماسية من دبلوماسية اقتصادية، ثقافية استشرافية، مؤسسية برلمانية وحزبية في ظل توسّع العلاقات الخارجية خاصة مجالات البيئة والصحّة والتنقل والثقافة….
<–next-page–>

– توسّع المهام التقليديّة الدبلوماسيّة المتعلّقة بتمثيل البلد والدّفاع عن مصالحه والتعريف به الم مهام :
• الاتصال والتواصل ببناء شبكة علاقات لكسب الصداقات ومحولة التأثير على القرار. ويندرج في هذا الإطار توسّع مجموعات الضغط والتأثير الاعلامي والسياسي والاقتصادي.
• اليقظة والاستشراف من خلال عمل وقائي واستشرافي عبر التحكّم في المعلومة وحسن توظيفها عبر تقاطع المعلومات وتحليلها وسرعة استغلالها في اطار ما اصبح يسمي « بالذكاء الاقتصادي » والحرب التجارية »
• يتيسر التناسق بين الداخل والخارج عبر احكام التنسيق والمتابعة مع مختلف المصالح والجهات الداخلية وتعزيز التواصل بين الجالية والوطن الام لتيسير مشاركتها في الحياة العامة وفي المسيرة التنموية بالاستفادة من كفاءاتها ومعرفتها لبلدان الإقامة.
وهو ما ييسّر التكامل بين حاجيّات التنمية ومتطلّبات الاندماج في المحيط الجهوي والدولي في وقت أصبحت فيه هويّات وسيادة الدول واستقرارها مهدّدة في ظلّ تفاقم مخاطر انتقال « عدوى » الازمات السياسية والاقتصادية والصحية والبيئية والمؤثرات الثقافية نتيجة فتح الحدود وتسّع الثورة الاتصالية والمعلوماتية.
لم تعد مصداقية الدبلوماسية وفاعليتها تقاس فقط بالوزن السياسي والعسكري للدول وبحجمها الديمغرافي او حجم ثرواتها الطبيعية بل كذلك بمدى توفق في تماسك جبهاتها الداخلية وقدرتها على التأقلم والاندماج في العولمة وبنوعية منجزاتها العلميّة والتكنولوجية فضلا عن توسّع اشعاعها وتأثيرها على الساحة الدوليّة ومساهمتها في تغيير مفاهيم وآليات العمل الدبلوماسي.
• 2 أوجه وسبل مساهمة الدبلوماسي في العمل التنموي :
في ظل تعدّد العراقيل والتحديات التي أصبحت تواجهها الدول النامية في تحقيق مسيرتها التنموية لم يعد دول الدبلوماسية فقط مكمّلا أو مصاحبا للعمل التنموي بل أصبح محورّيا نتيجة تداخل البعدين الداخلي والخارجي لهذا العمل وتطّور مفهوم التحرك الدبلوماسي.
وعلى المستوى الدولي، يعدّ النظام العالمي الجديد في حالة مخاض منذ سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، باعتبار وأنّه لم يقع بعد إصلاح الإطار المؤسسي أو توضيح المفاهيم والضوابط الجديدة للعلاقات الدوليّة. وهو ما يفسّر التجاذبات والتنافس الخفي والمعلن بين القوى الفاعلة –أكانت من الشمال أو الجنوب- للمتوقع وحشد الانصار لإعادة رسم خارطة العالم السياسية والاقتصادية لما بعد الحرب الباردة.
ورغم ما يجمع الدول المصّنعة الكبرى من قيم ومصالح وتحالفات فإنه لا يزال هناك حيّزا للعمل على :

– ديمقراطية العلاقات الدولية من خلال اعادة هيكلة مؤسسات منظمة الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن لتعزيز شرعية المنظمة وصبغتها التمثيلية وفاعليتّها وتأكيد دورها في تحقيق السلم ودفع التنمية في العالم.
– تأكيد ثوابت الشرعية الدولية وضرورة احترامها دون تمييز او ازدواجية المعايير وايجاد حلول سلمية لبؤر النزاعات والتوتر وفي مقدمتها معضلة الشرق الأوسط وفق مبادئ وقرارات الشرعة الدولية وتعزيز مقوّمات السلم والامن في إفريقيا.
– مواصلة العمل للتوافق بشأن مفاهيم بناء السلام والديبلوماسية الوقائية وإقرار مدونة سلوك لمقاومة الإرهاب دون خلط بين الإسلام والإرهاب أو مصادرة لحق مقاومة الاحتلال وتقنين العقوبات ضد الدول بصفة لا تمسّ من الحقوق الأساسية للشعوب ولا تبقيها رهائن للتجاذبات السياسية.
– احترام سيادة الدول واستقلالها وحرمتها الترابية وخصوصيّاتها في إشاعة ثقافة وممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان وصياغة سياساتها التنمويّة بعيدا عن التوظيف السياسي والابتزاز الاقتصادي.
– احترام هويّات الدول في اطار التنوّع الثقافي والتلاحق الحضاري.
– العمل على إضفاء الطابع الإنساني على العولمة اخذا بعين الاعتبار الرأي العام العالمي والمنظمات غير الحكومية العاملة في المجال التنموي مع الإشارة الى بوادر تغير المواقف في هذا الاتجاه داخل المؤسسات والمحافل المالية والاقتصادية والدولية.
– التأكيد على أهمية التضامن في تعزيز العلاقات الدولية من منطلق ترابط المصير وتكامل المصالح وتشابكها لتعزيز مقوّمات السلم والأمن وتوسيع دائرة التقدم والرخاء في العالم.
– اعتماد مقاربة للأمن الشامل الجماعي مؤسسة على مفهوم التنمية المشتركة تفاديّا للانتقائية في التعاطي مع العولمة وللتوصل الى حل توافقي حول متطلبات الامن والتنمية خاصة في مجال الهجرة وتنقل الأشخاص وتحرير الخدمات.
– التزام الدول المصنّعة بتعهداتها التنموية خاصل باستكمال المفاوضات الجارية في إطار المنظمة العالمية للتجارة والإقلاع عن الإجراءات الحمائية للحدّ من الصادرات الفلاحية للدول النامية.
– التوصّل الى اتفاق حول مبادئ التوزيع الدولي للعمل يوفّق بين النجاعة والمردوديّة الاقتصادية من جهة والمزايا التفاضلية للدول النامية وأولوياتها من جهة أخرى خاصة في ظل تأكّد تقلّص المزايا التي كان يتم اقرارها بصفة احادية من الدول المصنّعة لفائدة الدول النامية.
– تفعيل دول المؤسسات الماليّة الدولية في تمويل التنمية ومراجعة سياستها وطرق عملها في هذا الاتجاه مع إيجاد صيغ كفيلة بالحدّ من مخاطر المضاربات لدى تنقل رؤوس الأموال.
– تكثيف الجهود لإيجاد حلول ملائمة لمعضلة المديونية للدول الأقل تقدما وكذلك لفائدة الدول متوسطة الدخل.

وقد تمكنت بعض البلدان الصاعدة من الاقتراض بالسندات الرقاعية بالأسواق المالية الدولية ونجحت بعض دول أمريكا اللاتينية في الاقتراض بعملاتها الوطنية. كما تمكنت تونس من رسكلة جانب في ديونها العمومية في تمويل مشاريع تنموية وبيئية بصفة تشجّع على حسن ادارة الدين والإيفاء بالتعهدات المالية في مواعيدها من جهة اخرى في إنتاجية.
مواصلة العمل للحد من الفجوة الرقمية وتنويع صيغ نقل التكنولوجيا مع توخّي المرونة بشأن حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالمجالات الحيوية للبلدان النامية خاصة في مجال صناعة الأدوية.
<–next-page–>

– تشجيع الحوار الثقافي والتلاقح الحضاري باعتبار التنوع الثقافي إثراء للتراث الإنساني المشترك تعزيزا لدعائم التعايش والتواصل بين الشعوب.
– تنسيق المواقف 2 تكثيف التشاور والتعاون والشراكة جنوب –جنوب، تعزيزا للقدرة التفاوضية للدول النامية ومساهمة 3 دفع مسيرتها التنموية، مع السعي الى التوفيق بين منطق المنافسة ومتطلبات التكامل والتضامن وبين المصلحة الآنية الوطنية والمصالح المشركة بعيدة المدى.
– توسيع وتعميق الإصلاح المؤسسي والهيكلي للدول النامية بصفة تتماشى ومتطلبات الاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية وتشجيع إقامة التجمعات الإقليمية للدول النامية وتكثيف المبادلات بينها.
– بناء شراكة مكافئة شمال جنوب ليس فقط لاعتبارات اخلاقية رغم بروز توجهات داخل الدول المتقدمة لتشجيع « الاقتصاد التضامني » و »التجارة المنصفة » ولكن أساسا لاعتبارات المصلحة المشتركة باتجاه توسيع أسواق البلدان النامية وتعزيز مقوّمات السلم والأمن في العالم والتواصل الثقافي والحضاري بين الشعوب.

• 2 مساهمة الدبلوماسية العربية في العمل التنموي.

تعدّ التجمعات الإقليمية مدخلا هاما وقناة متميزة لتيسير الانخراط في منظومة العولمة. وهو ما يفسر تعدد هذه التجمعات وتوسعها خاصة بأوروبا وامريكا واسيا وتعميق التعاون وإقامة التحالفات بين البعض منها.

ورغم تنظيم اللقاءات بين الجانب العربي ودول من آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية ومشاركة الدول العربية المتوسطية في مسار برشلونا الا أن المساهمة العربية في حركية « التجمعات الاقليمية وشبه الإقليمية بقيت محتشمة. وذلك في غياب تجمعات فاعلة باستثناء تجربة مجلس التعاون الخليجي الناجحة نسبيّا.

– ان في تجربة الاتحاد الاوروبي رغم نقائصها، مدعاة للدراسة والتأمل في إمكانية تخطي الخلافات والحروب مرحليا، من خلال تكثيف التعاون وفي امكانية تعزيز سيادة الدول بالتخلي عن جانب من صلاحياتها لفائدة المجموعة واثراء المصلحة الوطنية عبر المصلحة المشتركة.
لم تتوفق المجموعة الاوروبية في اقامة سوق داخلية الا بعد ربع قرن من إقامة اتحاد جمركي عبر ارادة سياسية لتشخيص وتفكيك كافلة العراقيل الإدارية والفنية التي تحدّ من حرية تنقل السلع و الأشخاص والخدمات ورؤوس الاموال.

1- على المستوى العربي : يتطلب تجسيم إقامة المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر :

– تنويع القاعدة الإنتاجية العربية والتوافق بشأن قواعد المنشأ وإعادة توزيع العمل بالتخصص ما أمكن، حسب المزايا التفاضلية في الانتاج.
– تعميق الإصلاحيات الهيكلية وتعصير البنية التحتية و تثمين الموارد البشرية خاصة في الاختصاصات الفنية والتكنولوجية.
– تطوير مساهمة المؤسسات المالية العربية في تشجيع القطاع الخاص والمشاريع المشتركة وحركية المبادلات البينية والاستثمار بالمنطقة.

وذلك مع مزيد التفتح على إعادة إحياء التضامن الافرو- آسيوي على ضوء تزايد النفطية للدول الآسيوية وتنامي اهتمامها بالقارة الإفريقية، فضلا عن الروابط التاريخية والانتماءات الحضارية والجغرافية التي تجمع العالم العربي بدلو المنطقة. ويتطلب حجم الصعوبات التي تعترض الدول العربية اعتماد رؤية واضحة المعالم لتوزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص ومختلف مكوّنات المجتمع المدني تستند الى الاعتماد على الموارد الذاتية بالتوازي مع تعزيز التعاون والشراكة باعتبارها رافدا لتسريع وتيرة النمو وقناة التواصل الحضاري والاندماج في الاقتصاد العالمي. وعلى ضوء ذلك يتعيّن على المستوى الوطني تعزيز الدور التنموي والاستشرافي للدبلوماسية التونسية.

<–next-page–>

نحو دبلوماسية تونسية تنمويّة واستشرافية

أسهمت الثورة بعد فترة انتقالية مضطربة في استعادة تونس لجانب من دورها التقليدي ومكانتها اقليميا ودوليا رغم ما يلفّ، احيانا، بعض مواقفنا في غموض. وترتكز اولويّات الدبلوماسية مبدئيا على المحاور التالية :

1- المساهمة في مقاومة الارهاب بمختلف ابعاده الوطنية والإقليمية والدولية. علما وانّ وكالة المخابرات الامريكية تتوقع استمرار ظاهرة الإرهاب الى ما بعد 2030 خاصة في ظلّ التحوّلات الجارية بالعالم العربي.
2- استكشاف تموقع تونس قطاعيا وعالميا رغم غياب رؤية واضحة المعالم قد تتبلور على ضوء الدراسة التي يعهدها حاليّا المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية وهو ما يحيل الى ضرورة تطوير البعد الاستشرافي للدبلوماسية التونسية من خلال تطوير قاعدة للمعلومات الاقتصادية والسياسية وتحيينها وتقاسمها في ضوء ما أصبح يعرف « بالذكاء الاقتصادي » وفق نظرة استباقية التأقلم مع التحولات الاقليمية والدولية في ظل اقتصاد معولم ومتداخل من ذلك متغيّرات المناخ وبوادر الثورة الصناعية الرابعة.
3- المساهمة في الاستجابة لاستحقاقات الثورة في مجالات الاستثمار والتشغيل خاصة في المناطق الاقل نموّا، فضلا عن تطوير التصدير وتنويع الاسواق الخارجية.
ويتنزل في هذا الاطار مواصلة المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي باتجاه اقامة منطقة تبادل حر شاملة ومعمقة تأخذ بعين الاعتبار :
– تفاوت القدرات التنافسية بين قطاعي الفلاحة والخدمات والمستوى التنموي بصفة عامة بين تونس والاتحاد الاوروبي.
– تحفيز الاستثمار الخارجي الاوروبي و تحرير تنقل الأشخاص
– الاخذ بعين الاعتبار خصوصية القطاع الفلاحي التونسي بالتركيز على التأهيل المسبق خاصة غير المادي منه نظرا للعوائق الكثيرة التي تعترض عملية التأهيل (تشتت الملكيّة العقارية، عزوف الشباب عن العمل في القطاع الفلاحي، المستوى التعليمي المتواضع –اجمالا- للعاملين الفلاحين. وذلك مع ربط تأهيل القطاع بالتنمية الريفيّة استئناسا بالسياسة الفلاحية المشتركة الاوروبية (2014-2020).
– تطوير القدرات التنافسية لشركات الطيران التونسية قبل الانتقال الى « السماء المفتوحة » و تطوير امكانيات مكاتب الخدمات التونسية في المجالات الخدميّة.
4- التفتح على الفضاءات الصاعدة ومن اهمها الصين والهند إضافة لإفريقيا بما يعرف Chindiafrique
5- انتقال في الدبلوماسية الاقتصادية الى مفهوم الدبلوماسية التنموية بمختلف جوانبها مع ربطها بمفهوم الامن الشامل في ابعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
6- على المستوى المؤسسي والتنظيمي : أحداث خلايا استشرافية متخصصة افقية بوزارة الشؤون الخارجية للمتابعة والمشاركة في تناول القضايا الكبرى العالمية (المناخ، الارهاب واسلحة الدمار الشامل، التحولات التكنولوجية والاقتصادية، الثورة الصناعية الرابعة….)
7- رسكلة موظفي الوزارة وربط الارتقاء في الرتبة والوظيفة بالتكوين وبمعايير الانتاجية والتميّز والكفاءة. وذلك على ضوء القانون الاساسي والنظام الهيكلي للوزارة اللذين يتم اعدادهما حاليّا.
8- التفتح على الجامعات ومراكز البحوث والفاعلين والاقتصاديين ومكوّنات المجتمع المدني المعنيّة بالعمل التنموي والدبلوماسي مع التأكيد على مساهمة العوامل اللاّمادية المؤسسة والتنظيمية والثقافية والتكنولوجية في تحقيق التنمية وأهمية احداث شبكة للشبكات المعاهد البحوث المعنية
9- ان التنمية قبل ان تكون نتاجا لاستراتيجيات ومخططات وبرامج تقرّ جهدا جماعيا موصولا بتغيير الفعليات والسلوكيات للمواءمة بين متطلبات العولمة والتفتح من جهة ومقومات الهويّة والسيادة من جهة اخرى تعزيزا للأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي وتيسيرا للنموّ الاقتصادي والتميّز التكنولوجي انه الحلم الامل الذي بالإمكان تجسيده برفع التحدّيات وكسب الرهانات. ذلك ان « النجاح يتوقف على رؤية وعزيمة واقدام » حسب مقولة لــ Alfred de Musset. ولا خير في ثورة « تأكل » أبناءها أو تتمادى في تجويعهم و تقسيمهم….
المنجي لحبيب
سفير سابق

المراجع:
1- مؤتمر باريس cop21 ديسمبر 2015
2- الاجتماع السنوي للمنتدى العالمي الاقتصادي (دافوس جانفي 2016)
3- (Chindiafrique, la Chine, l’Inde et l’Afrique feront le monde de demain-Jean-Joseph Boillot, Stanislas, Denrbinski, Edition Edillejacds/2013)
4- ترجع بداية الدبلوماسية الاقتصادية التونسية الى بداية عشرية السبعينيات من القرن الماضي

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer