ترامب

ترامب والغموض المدمّر

د. ناصيف حتي

في سياق اسلوب الاعلانات والتصريحات الصادمة الذي يشكّل سمة اساسية في دبلوماسية الرئيس الاميركي دونالد ترامب، يأتي اعلانه بالانسحاب العسكري من سوريا دون تحديد اي اطار زمني او خريطة طريق لذلك، ليحدث ارباكا » وعتبا » وغضبا » عند الحلفاء والاصدقاء وفي الادارة الاميركية، حيث استقال وزير الدفاع جيمس ماتيس. لا تشاور او تنسيق مسبق مع أحد، وهو ما يندرج في سياسة الاحادية الحادة التي يقول بها ترامب، الاحادية المحررة من اية قيود او التزامات تجاه الحلفاء والشركاءالذين عليهم التكيّف مع هذه الاحادية كمعطى اساسي في السياسة الخارجية الاميركية.
الكل يدرك ان هذا الانسحاب لن يحصل بين ليلة وضحاها. ويتحرك « الاطفائيان » جون بولتون ومايك بومبيو في دبلوماسية احتواء حرائق ترامب. بولتون، مستشار الامن القومي، يشرح مطمئنا » في اسرائيل ان هناك شرطان يجب استيفائهما لتحقيق الانسحاب : اولهما، هزيمة كلية لداعش وشل قدرتها لأن تشكل تهديدا » جديدا »، وثانيهما، توفير بعض الضمانات من تركيا بالنسبة للقوات الكردية في شمال شرق سوريا، الامر الذي اثار ارباكا » وتوترا » ممسوكا » من الحليف الاستراتيجي التركي كما دلّت على ذلك زيارة بولتون الى انقرة. وبالطبع يضيف بولتون في اسرائيل شرطا » ثالثا » لتحقيق الانسحاب وهو ضمان امن اسرائيل واصدقاء آخرين في المنطقة.
وزير الخارجية بومبيو قام بجولته في المنطقة من مصر تحت عنوان التحضير لقمة وارسو لاطلاق التحالف الاستراتيجي للشرق الاوسط في اطار استراتيجية المواجهة الاميركية العربية مع ايران. والجدير بالذكر ان موقع مصر الاستراتيجي ودورها المحوري في المنطقة هو العنصر الوحيد الذي يشكل توافقا » بين مختلف الادارات الاميركية، من ادارة بوش الابن الى ادارة اوباما الى ادارة ترامب، حيث « خطب » بومبيو حول الاستراتيجية الاميركية في المنطقة.
والجدير بالذكر ان كوندوليزا رايس كانت قد اعلنت في خطاب في القاهرة، في حزيران 2005، عن قرار الادارة الاميركية في « تسويق » الديمقراطية في الشرق الاوسط و »تخفيف » تلك الرسالة من حيث الاعتراف بوجود اشكال مختلفة من الديمقراطية، فيما الرئيس اوباما قد القى خطابا » في حزيران 2009 تحت عنوان بداية جديدة مع العالم الاسلامي لبناء جسور تفاهم على قواعد مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في السياسة الاميركية.
بومبيو جاء في خطابه ليردّ على طروحات اوباما بغية نقضها وذلك من خلال التأكيد على مخاطر الارهاب الاسلاموي الراديكالي والتيارات الاسلامية ورفض سياسة التهدئة او المهادنة مع ايران واعلان الانتهاء من سياسة جلد الذات التي اتهم ادارة اوباما بممارستها. بومبيو اكّد ايضا » على ان واشنطن لن تنسحب من سوريا قبل دحر الارهاب مكررا » ما يقوله ترامب بأن المطلوب بذل المزيد من الجهود من طرف الشركاء. بومبيو يحدد مسرح المواجهة مع ايران في سوريا اساسا » لاخراجها من هناك، وهومسرح مواجهة كما يقول يضمّ ايضا » العراق ولبنان.
بالطبع القضية الفلسطينية لم تحظ بأكثر من جملة في الخطاب، وقد تكون تركت لجاريد كوشنر الذي يتولى هذا الامر، ويدلّ ذلك على التهميش المتعدد الاسباب والمصادر بالطبع الذي اصاب القضية الفلسطينية على صعيد الجدول الفعلي وليس الخطابي للاولويات الاقليمية والدولية في المنطقة.
خلاصة الامر ان الانسحاب الاميركي من سوريا قد تقرّر، وقرار التنفيذ مفتوح في الزمان، وقد ترك انعكاسات على الحلفاء والخصوم، فيما يحاول الاطفائيان بولتون وبومبيو محاصرة تداعياته واحتوائها.
وللتذكير، كان هنري كيسنجر يصف بالغموض البنّاء تلك السياسات التي لم تكن واضحة المعالم عن قصد بغية تحقيق الاهداف التي تحملها. اليوم، كلام ترامب يمكن وصفه بالغموض المدمّر، اذ يزيد من المخاوف والارتباك عند كل من الحلفاء والاصدقاء، كما يشعر بعض الخصوم بأنه يخدم اهدافهم عن غير قصد.
ما يمكن استنتاجه اننا امام مزيد من خلط الاوراق بسبب هذه التصريحات، وبشكل خاص بسبب التغييرات التي حصلت على الارض في بعض الصراعات وتحديدا » في سوريا، والحاملة لانعكاسات مختلفة لم تتبلور ولم تستقرّ بعد. الاكيد ان الصراع سيشتدّ وستزداد عملية خلط الاوراق وتقاطع المصالح بين الحلفاء والخصوم نحو مزيد من الفوضى الاقليمية والنزاعات المختلفة الاشكال والعناوين والمسببات. هكذا يدفع ترامب بالشرق الاوسط والعالم نحو سياسة يحكمها منطق الغموض المدمّر.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer