تواتر خواطر حول أحداث و تحديات داخلية و خارجية جابهت الدبلوماسية ...

تواتر خواطر حول أحداث و تحديات داخلية و خارجية جابهت الدبلوماسية التونسية في بداياتها

0
PARTAGER

بعد احتفال تونس في 20 مارس الأخير بالذكرى الستّين لإعلان استقلالها، يكون من المناسب استحضار الذكرى الستين أيضا لاستعادة تونس لزمام سياستها الخارجية، عنوان سيادتها وأداة إشعاعها بين الأمم، و لاستعراض بعض ملامح الدبلوماسية التونسية في خطواتها الأولى.

و يعود تاريخ ولادة وزارة خارجية تونس المستقلّة إلى يوم 14 أفريل 1956، عندما قدّم الزعيم الحبيب بورقيبة تشكيل حكومة الاستقلال الأولى للمجلس الوطني التأسيسي و التي عُيِّن فيها وزيرا للخارجية، و كذلك  وزيرا للدفاع، بالإضافة إلى رئاسته للحكومة.

و في 3 ماي، صدر أمر ينصّ على « إعادة تنظيم وزارة الشؤون الخارجية »، بعد أن كانت علاقات تونس الخارجية، منذ انتصاب الحماية، بيد المقيم العام، بتفويض من حكومة الدولة الحامية، فرنسا، مثل شؤون الدفاع، خارج سلطة الباي.

و لدى تأسيس الوزارة، عُيّن خميّس الحجري ( و هو خبير دولي) كاتبا عامّا لها، و كُلّف بتنظيم الوزارة طبقا لأمر 3 ماي المذكور.

و في 5 جوان 1956، تمّ تعيين أوّل دفعة من سفراء تونس: الطيّب السحباني في الرّباط، و عامر المكني في طرابلس الغرب، و الدّكتور الصادق المقدّم في القاهرة، و الطيب العنّابي وزيرا مفوّضا بجدّة  ( و قد رُفعت المفوّضية إلى رتبة سفارة لاحقا).

ثمّ عُيّن المنجي سليم سفيرا بواشنطن، و أضيفت له، لاحقا، مهمّة مندوب دائم لدى منظّمة الأمم المتّحدة بنيويورك، إثر انضمام تونس للمنظمة في نوفمبر 1956

و كان أوّل سفير يقدّم أوراق اعتماده بتونس الجديدة هو سفير المملكة الليبية الشقيقة.

الإنتدابات بوزارة الشؤون الخارجية:

بعد الفوج الأوّل من الموظّفين الذي تكوّن أساسا من دستوريين في الأسابيع أو الأشهر الأولى لبدايات الوزارة سنة 1956، أصبح الانتداب يتمّ بصفة فردية، حسب الطلب و حسب الشغورات، و باعتبار الحالة المدنية و المستوى الدراسي لطالبي الالتحاق، بدون اعتبار الانتساب الحزبي  أو عدمه، خلافا لما يظنّ البعض، و دون تنظيم مناظرات، لقلّة الترشّحات و قلّة الإقبال على العمل الدبلوماسي، و رغم حاجة الوزارة و توفّر الشغورات فيها، و ذلك خاصة بسبب محدودية عدد خرّيجي الجامعات إذاك، و قد كانت أيضا تستهويهم توجّهات أخرى.

و من ذلك أني لا أذكر أنّ الوزارة انتدبت غيري، من خرّيجي التعليم العالي، في سنة 1958.

هيكلة الوزارة كما وجدتها سنة 1958:    

و إذ تجاوزت الوزارة عند التحاقي بها السنتين من عمرها، فإن هيكلتها ما زالت بسيطة و محدودة الحجم، كما ضبطها خميّس الحجري، الكاتب العام، الذي قام بالمهمّة التي كلّف بها على أحسن وجه، بكفاءة و حزم. (و لكنّ القدر لم يمهل السيد خميّس الحجري  طويلا. فخلال زيارة تفقّدية للحدود التونسية الجزائرية في 31 ماي 1957 كلّف بالقيام بها في منطقة عين دراهم، صحبة السيد الباجي قائد السبسي، من ديوان وزير الداخلية، أصيب  برصاص الجيش الفرنسي من الحدود الجزائرية، في اعتداء مركّز خلّف أيضا أربعة شهداء من  الجنود التونسيين و ثلاثة من الحرس الوطني. و قد أكّد بورقيبة في تأبينه للضحايا في 1 جوان 1957 « تصميم تونس على خوض معركة الجلاء ».  وبقي خميّس الحجري في غيبوبة تحت العلاج مدة شهرين ونصف إلى أن توفّي في 14 أوت متأثرا بجروحه. وبقيت خطة الكاتب العام شاغرة إلى أواخر سنة 1958 عندما عُيّن فيها السيد الطيب السحباني على إثر القطيعة بين تونس ومصر وغلْق السفارة التي كان يشرف عليها بالقاهرة  (و السفارة المصرية بتونس)، و بعد تعيين رئيس ديوان الوزير الذي كان، في الواقع،  يقوم أيضا بمهامّ الكتابة العامّة، نجيب البوزيري سفيرا بروما).

و إلى جانب كاتب الدولة (الوزير)، الدّكتور الصادق المقدّم (الذي عُيّن في هذا المنصب في 29 جويلية 1957، إثر إعلان الجمهورية، و قد كان قبل ذلك سفيرا بالقاهرة منذ جوان 1956 ) كانت الخطط الرئيسية في الوزارة، بقطع النظر عن شغور خطّة كاتب عام للوزارة منذ أكثر من سنة، تنحصر في رئاسة الديوان (السيد نجيب البوزيري، الذي كان يشغل هذه الخطة منذ أفريل 1957 مع الوزير بورقيبة و واصلها مع الدّكتور المقدّم)، وبعض الدوائر السياسية: – أميركا والأمم المتحدة والمنظمات الدولية ( يرأسها حسين الغويّل، بالنيابة عن زهير الشلّي الذي كلّف برئاسة ديوان وكيل كاتب الدولة للإعلام، مصطفى الفيلالي، ثم عاد إلى رئاسة الدائرة في بداية سنة 1959، و التي أُلحِقتُ بها، خلفا للسيد حامد عمّار، الذي نقل إلى وكالة كتابة الدولة للتخطيط )، – وأوروبا: (رضا القليبي)، – و إفريقيا  و المشرق: ( سليم بن غازي. و ممّا يذكر بخصوصه أنه تمّ عقد اتفاق تعاون مع الشقيقة ليبيا و كان يحمل توقيع « سليم بنغازي »  عن الجانب التونسي و توقيع « السفير الجربي » عن الجانب الليبي. و في ذلك دلالة على مدى القرابة  بين الشعب التونسي و الشعب الليبي )، – و مستشار قانوني:(مصطفى عبد السلام)، – وقسم تجاري: (علي بنّور)، – وآخر ثقافي: (ابراهيم التركي وعبد الرزاق شطّا)، – وثالث: قنصلي، – والقسم المركزي للشؤون الإدارية والمالية:  (محمد البودالي ويساعده في الشؤون المالية عبد الحي بن طاهر)، – وقسم التشريفات، – وقسم الإتصالات (تلكس وشفرة : محمد التميمي)، – ومكتب ضبط وحقيبة: (علي بلقاضي)، – ومكتبة يشرف عليها محمود بو علي. ( و لم يكن بالوزارة بعدُ خطّة برتبة مدير أو كاهية مدير). وتشتمل كل دائرة أو مصلحة على موظّفَيْن اثنين أو ثلاثة موظّفين على أقصى تقدير، بالإضافة إلى رئيس الدائرة أو القسم (مثلما هو الشأن بالنسبة إلى السفارات، باستثناء باريس و واشنطن- نيويورك)، وكذلك كاتبة أو اثنتين في بعض الحالات، وحاجب: كان ذلك هو كلّ جهاز الوزارة في الإدارة المركزية في ذلك الحين.

أمّا جهاز الوزارة في الخارج، أي تمثيل تونس بالخارج ، فقد أصبح يشتمل على سفارات بالرباط، وطرابلس، والقاهرة، وبيروت، ودمشق، وبغداد، و جدّة، وكذلك سفارات بباريس، و واشنطن- نيويورك، ومدريد، وروما، وبون، ولندن، وثلاث قنصليات عامّة بباريس و مرسيليا و نيويورك.

و يحقّ اعتبار المشرفين على دواليب الإدارة المركزية المذكورين و العاملين معهم ورؤساء البعثات بالخارج و مساعديهم إذاك، الرّعيل الأول من المؤسسين المناضلين، نظرا لجسامة التحديات

و المسؤولية و محدودية الإمكانيات البشرية و المادية.

و كانت الدول الكبرى الغربية عامّة و الأوروبية خاصة، من جانبها، قد فتحت سفارات مقيمة بتونس أو اعتمدت سفارات مقيمة في عواصم أخرى، و كذلك فعلت بعض الدول العربية و الآسيوية.

و تجدر الإشارة إلى أنّ أوّل ندوة لسفراء تونس انعقدت يوم 24 جويلية 1957، برئاسة الوزير بورقيبة، و قد تكون نظرت فيما قد يترتّب، خارجيا، عن الحدث الذي كان سيأتي به اليوم الموالي، أي إلغاء النظام الملكي و إعلان الجمهورية.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire