تحديات

تواتر خواطر حول أحداث و تحديات داخلية و خارجية جابهت الدبلوماسية التونسية في بداياتها

بعض المعطيات عن تونس عند الإستقلال:

حسب بورقيبة في إحدى مسامراته الإذاعية الأسبوعية، خلال حملة وطنية نُظّمت لمعالجة مشكلة البطالة المستفحلة ، في بداية الاستقلال سنة 1956، (مثلما هو الشأن اليوم، بعد الثورة)،  فإن تونس كانت تعدّ إذاك:

– « ثلاثة ملايين ونصف مليون  من السكان،

– و منهم 400 ألف بطّال،

– و مستوى الأجور، لمن يجد عملا، 20 ألف فرنك ».

–  و إلى جانب ذلك، كانت نسبة التعليم لا تتجاوز 12 %

–  و لم تكن تتوفّر في البلاد رؤوس أموال و لا إطارات و لا خبرة إدارية

– و المستعمر لا تزال قواته العسكرية متمركزة في عديد القواعد في عرض البلاد من شمالها إلى جنوبها، و بعض قواه السياسية  في تونس نفسها و في فرنسا ما زالت غير مسلّمة بالاستقلال لا الداخلي و لا الكامل، و تعمل على إبطال ما أبرم من اتفاقات

– و كذلك ما زال المستعمر جارا مباشرا مسيطرا على الحدود بين تونس و الجزائر التي تدور فيها     حرب « لا تبقي و لا تذر » ضدّ الشعب الجزائري

– أجهزة البلاد في كلّ المجالات و القطاعات في أيدي الفرنسيين

– أحسن الأراضي الفلاحية في أيدي المعمّرين الأجانب

– البلاد لا تملك جيشا و لا جهازا أمنيا(وقع إنشاء جيش وطني و أمن وطني في الأشهر الأولى للاستقلال)

– القضاء و التعليم و الأمن و البريد و الأشغال العامة و الإذاعة و كامل الإدارة المالية و الديوانة        و الموانئ: كلها بأيدي الفرنسيين و تستوجب تخليصها و تونستها

– الاقتصاد: بعض المساعدات المالية و الفنية كانت تقدّمها فرنسا، و لكن سرعان ما توقّفت  إثر اندلاع أزمة الاعتداء على ساقية سيدي يوسف، بينما سارعت فرنسا بعد ذلك بأسبوع بتقديم مساعدة بِستّة مليارات و ثلاثة ملايين فرنك للمغرب.

و كانت تونس أبرمت قبل ذلك اتفاق « وحدة قمركية » مع فرنسا تبيّن أنها مكّنت فرنسا من تصريف منتجاتها و سلعها في تونس بدون قيد و بلا نفع مقابل لتونس، فتقرّر إلغاؤها.

– تونس المستقلة تقع بين ليبيا التي مُنحت استقلالها سنة 1951 بمشاكلها و ظروفها الصعبة الخاصة،     و الجزائر التي تحوّلت إلى ساحة حرب ضروس منذ 1 نوفمبر 1954

– و قد أصبحت تونس مأوى و قاعدة خلفية لجيش التحرير الجزائري و مقرّ قيادته ثم مقرّا أيضا للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية منذ تكوينها في 19 سبتمبر 1958، مع توافد الآلاف من اللاجئين الجزائريين، مما عرّض البلاد للعدوان الفرنسي المتواصل انطلاقا من الجزائر، و أذكى المناوشات من قبل القوى الفرنسية التي لا تزال قواعدها منتشرة في البلاد .

من أحداث سنة 1958 وتحدّياتها:

لقد كانت سنة 1958 مليئة، بل مزدحمة بالأحداث والتطورات بالنسبة إلى تونس، الدولة الفتية، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، كما كانت سنة أزمات وتوتّر على الساحة الدولية عامة.

فالاستقلال حديث العهد لم يمض على إعلانه إلا سنة وبعض السنة في بداية 1958 ،ولم يستكمل بعدُ حتى مقوّماته الأساسية. والنظام الجمهوري عمره خمسة أشهر وبعض أيام. ولم تتغلب البلاد على الفتنة الداخلية، ( اليوسفية)، التي كادت أن تقضي على آمالها و التي كان يدعم أحد طرفيها النظام المصري، إلا لتواصل الصراع مع انعكاسات الحرب في الجزائر و قد دخلت سنتها الرابعة و تفاقمت أخطارها على أمن تونس وسلامتها وسيادتها.

وفي سنة 1958، و بعد أن أعلن الجمهورية في جويلية 1957  و صادق على ميزانية الدولة، واصل المجلس التأسيسي إعداد الدستور، في حين كان النظام الفتيّ يسعى لرفع تحديات بناء الدولة وتركيز مؤسساتها وضبط سياساتها واختياراتها في مختلف مجالات الحياة الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويعمل على تحصين البلاد واستكمال مقوّمات استقلالها وإقامة العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة واحتلال مكانة مرموقة على الساحة الدولية والبحث عن سبل دعم المبادلات وإمكانيات التعاون من أجل التنمية.

وهي السنة التي بدأت تبرز فيها وتتحدّد، بصفة باهرة، ملامح سياسة تونس الخارجية واختياراتها ومبادئها وأسلوبها الخاص و قدرتها على مجابهة التحديات و تفاني دبلوماسيتها الفتية و التزامها الوطني  و نجاحها في حشد دعم الرأي العام الدولي لتونس عند الحاجة.

فسنة 1958هي سنة أحداث ساقية سيدي يوسف في الثامن من فيفري و التي مثّلت امتحانا كبيرا للشعب التونسي و للدبلوماسية التونسية و تحدّيا إجراميا للدولة الفتية، وما ترتّب عنها من « مساع حميدة » أميركية – بريطانية في إطار الشكوى التي تقدّمت بها تونس إلى مجلس الأمن، وما نتج عنها من تأزم في فرنسا، أدّى إلى عودة الجنرال ديقول للحكم وسقوط الجمهورية الرابعة وإقامة الجمهورية الخامسة.        ( و من هامشيات الحدث، دون الخوض في ملابساته وظروفه و أطوار مجابهته، أنّ وكالة « فرانس براس » نقلت في 26 فيفري أنّ السفير السوفييتي في باريس قام بزيارة للجنرال ديقول (و ذلك قبل عودته للحكم) أعلمه خلالها أنّ الإتحاد السوفييتي يرغب في بقاء فرنسا بقاعدة بنزرت. ( و هو ما كان قاله لوزير الخارجية الفرنسي « بينو » في 15 فيفري).

وسنة 1958هي سنة انقطاع المعونة الفرنسية في 21 فيفري، غداة العدوان على الساقية، في حين سارعت باريس في 24 من الشهر بتقديم إعانة للمغرب بستّة مليارات و ثلاثة ملايين فرنك تشفّيا من تونس .

وفي نفس الشهر كانت بدايات المعونة الأميركية.

و سنة 1958 هي سنة عقد مؤتمر طنجة لأحزاب التحرير المغاربية في شهر أفريل:

فعلى إثر أحداث ساقية سيدي يوسف (فيفري 1958) و تداعياتها في تونس و المغرب، و بالنسبة إلى حرب الجزائر و كذلك في فرنسا و في العالم، و بعد إقامة وحدة بين مصر و سوريا (الجمهورية العربية المتحدة)، و وحدة أخرى بين الأردن و العراق في فيفري 1958، و تداركا لتوقف مسعى الوحدة بعد النكسة التي أصيب بها بسبب اختطاف طائرة  بن بلّة ورفاقه من طرف الفرنسيين في أكتوبر 1956، عندما كانت تجتاز الأجواء الجزائرية، قادمة من المغرب في طريقها إلى تونس، حيث كان من المنتظر عقد قمّة مغاربية بين قادة تونس و المغرب و الثورة الجزائرية، توجّهت الأطراف المغاربية الثلاث إلى السعي لتحقيق مرحلة متقدمة من التضامن و التنسيق و توحيد الصف لحماية الثورة الجزائرية و دعمها، و لتأمين استقلال تونس و المغرب الهشّ و الغير مكتمل       و تعزيز سيادتهما. فكانت ندوة « طنجة » بالمغرب لأحزاب الكفاح التحريري و الاستقلال الثلاثة (الحزب الحر الدستوري التونسي، و حزب الاستقلال المغربي، و جبهة التحرير الوطني الجزائرية) في أفريل 1958.

و تجدر الإشارة إلى أنّه جاء في تعليق جريدة الحزب الحرّ الدستوري التونسي « العمل » على إعلان الوحدة بين مصر و سوريا في 1 فيفري، مع « تهانيها و أطيب تمنياتها » تأكيدها أنّ : « الوحدة بالنسبة إلى تونس إنما تأتي عن طريق وحدة المغرب العربي الكبير أو لا تكون ».

و قد أوصت الندوة:

– « بتشكيل حكومة جزائرية بعد استشارة تونس والرّباط

– بتوجيه نداء علني إلى بعض الدول الغربية للكفّ عن إعانة فرنسا في حرب الجزائر

– بالإسراع بتصفية مخلّفات السيطرة الاستعمارية في المغرب العربي

– و ببعث اتحاد فيدرالي للمغرب العربي الكبير ».

( وتجدر الإشارة إلى أنّه اعتبارا لتزامن انعقاد الندوة و « المساعي الحميدة الأميركية البريطانية » بخصوص قضية العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف، و لبداية إعلان أميركا قلقها لتواصل الحرب في الجزائر، ولتزايد اهتمامها بالمنطقة المغاربية عامّة، بالإضافة إلى العلاقات الأميركية الودية مع محمد الخامس منذ نزول القوات الأميركية بالمغرب في الحرب العالمية الثانية بقيادة الجنرال أيزنهاور (الذي كان، عند انعقاد ندوة طنجة، رئيس الولايات المتحدة)، حضر أشغال الندوة ملاحظ أميركي، المستر « بورتر »).

– و في 17 جوان 1958: اجتمعت الكتابة العامة لمؤتمر المغرب الموحّد، في تونس و اتخذت القرارات التالية:

– تأييد الجهود التونسية-المغربية للوصول إلى حلّ سلمي لقضية الجزائر على أساس الحرية و الاستقلال

– إنشاء مجلس استشاري مغاربي  من ثلاثين عضوا يمثّل الأقطار الثلاثة على حد سواء.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer