تحديات

تواتر خواطر حول أحداث و تحديات داخلية و خارجية جابهت الدبلوماسية التونسية في بداياتها

و بين تونس و المغرب:

– تأليف لجنة تعاون اقتصادي لتنسيق السياسة الاقتصادية

– تأليف لجنة تعاون ثقافي و فنّي لتوحيد التعليم و القضاء و تبادل الأخصائيين

– إحداث خط جوي مباشر بين تونس و الرباط

– توحيد التمثيل الدبلوماسي.

و كانت 1958 سنة حصول اتفاق بين تونس وفرنسا، على إثر أزمة الساقية، حول الجلاء عن كامل تراب الجمهورية باستثناء بنزرت التي يدخل البلدان (حسب ما توصّلت إليه « المساعي الحميدة » و ما أُقِرّ في مجلس الأمن) في مفاوضات بشأنها بعد أن يتمّ الجلاء عن بقية التراب التونسي.

وهي سنة انتخاب تونس في مجلس الأمن. ( وقد سحبت إيران التي كانت تنافس تونس ترشّحها لفائدة تونس، في حين أعلنت فرنسا دعمها لترشح إيران).

و بهذه المناسبة، وجّه الدكتور الصادق المقدّم، كاتب الدولة (الوزير) للخارجية  إلى السيد المنجي سليم، المندوب الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك، البرقية التالية:  » كلّفني فخامة رئيس الجمهورية بإبلاغكم أحرّ تهانيه و عظيم ابتهاجه للنجاح العظيم الذي أحرزتموه بانتخاب تونس عضوا في مجلس الأمن. هذا و إنّ القسط الأوفر في هذا النجاح يرجع فضله إلى المكانة الممتازة التي أحرزت عليها تونس بفضل عملكم بمنظمة الأمم المتحدة. »

وهي سنة الحصول على بعض الأسلحة من أميركا وبريطانيا العظمى وتجهيزات راديو من ألمانيا، بالإضافة إلى صفقة أسلحة مع يوغسلافيا…

وهي سنة إعلان تأسيس حكومة الجمهورية الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس  (19 سبتمبر)،    و مقرّها بتونس

.و هي سنة دخول تونس الجامعة العربية و تعليق مشاركتها فيها في نفس اليوم، ثمّ القطيعة مع مصر

و غلق سفارتي البلدين في أكتوبر

وهي سنة قيام الوحدة بين مصر وسوريا (فيفري)، قابلتها وحدة بين العراق والأردن. والحرب الأهلية في لبنان ونزول الأسطول الأميركي السادس في لبنان (بورقيبة في خطاب بمناسبة عيد الجمهورية: « نزول الأسطول الأميركي ليس احتلالا لأنه تمّ بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية » على أساس الفصل 51 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة. وقد رجا إذاك « داق همرشولد »، الأمين العام للمنظمة من المنجي سليم قطع إجازته الصيفية في تونس و العودة إلى نيويورك لمساعدته بخصوص هذه القضية. و قد كان للمنجي سليم دور كبير في حلّ مشكل إقامة الأسطول الأميركي في لبنان و مغادرته له، في الجمعية العامة بصورة كانت مرضية لكلّ الأطراف)، ونزول قوات بريطانية بالأردن وليبيا، خاصة على إثر الإنقلاب العسكري في العراق (14 جويلية) والذي أطاح بالملكية فيه، واضعا بذلك أيضا نهاية للوحدة الأردنية العراقية و عقد معاهدة دفاع مشترك بين العراق و الجمهورية العربية المتحدة، أي مصر       و سوريا. (بورقيبة في الخطاب المذكور يعلن « تضامن تونس مع العراق بعد ثورته حتى لا يرتمي في أحضان الشيوعية »، معتبرا أنّ « لكلٍّ ظروفه الخاصة ». و قد قامت تونس بمساعي حثيثة لإنقاذ « فاضل الجمالي » من نقمة السلطة الثورية العراقية و جلْبِه إلى تونس حيث بقي مكرّما إلى أن وافاه الأجل فيها، و هو وزير خارجية العراق في العهد الملكي و الخطيب المفوّه، بتلك الصفة، في الجمعية العامّة لمنظّمة الأمم المتحدة نصرة للقضية التونسية، و الداعم لحق تونس في الحرّية و الإستقلال).

وهي سنة استقلال أوّل مستعمرة فرنسية في إفريقيا السوداء: غينيا.

و سنة انعقاد أوّل قمّة للدول الإفريقية المستقلة ( 14 أفريل، في أكرا)، استجابة لاقتراح بادر به الزعيم الحبيب بورقيبة أثناء زيارته لغانا بمناسبة الاحتفال بالذكرى الأولى لاستقلالها في مارس 1957، بصفته رئيس الحكومة التونسية. و شارك في  وفد تونس الذي ترأسه الدكتور الصادق المقدّم، كاتب الدولة (وزير) للشؤون الخارجية، أحمد التليلي، الكاتب العام لاتحاد الشغل، و حسين الغويّل، مستشار بالخارجية.

و بخصوص إفريقيا، يحقّ التذكير بدور تونس المتميز و متعدد الجوانب في دعم حركات التحرير في مختلف أطراف القارة مدّة كفاحها.

وهي، في أوروبا، سنة دخول اتفاقية روما حيّز التنفيذ وقيام « المجموعة الاقتصادية الأوروبية »،  المصطلح تسمِيَتها أيضا « السوق الأوروبية المشتركة » بين ست دول أوروبية هي: فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وهولاندا، وبلجيكا، واللكسمبورغ. وبدأت تونس تهتمّ بالحدث في انتظار تركيز مؤسّسات تلك المجموعة،  للاستفسار عن مستقبل علاقاتها مع هذه المجموعة الاقتصادية الهامّة في جوارها، أي في فضاء تعاملها التقليدي، و التحرّي بخصوص أهدافها الحمائية و انعكاساتها المحتملة على تونس،         و خاصة أنّ « اتفاقية روما » تضمّنت ملحقا (بروتوكول) خاصا بمستقبل علاقات المجموعة مع تونس.

دبلوماسية شاملة الاهتمامات:

هكذا كان على تونس الفتية و دبلوماسيتها الناشئة، في سنة واحدة،  مجابهة كلّ هذه الأخطار و التحديات المتكاثرة، بقطع النظر عما جابهته في السنتين السابقتين.

كما أنّ تونس المستقلّة اصطدمت، منذ البداية، بعوائقِ فقر البلاد و قلّة الإمكانيات و الحاجة إلى المساعدات و المعونة من الخارج و ضرورة دعم التعاون و المبادلات التجارية             و الاقتصادية و الثقافية مع الخارج على أوسع نطاق، للاستجابة لحاجيات البلاد التنموية   و تطلعات الشعب المتحرّر إلى أسباب العيش الكريم و التقدم و الازدهار.

و انضمّت تونس في أفريل 1958 للبنك الدولي و لصندوق النقد الدولي.

و أجرت مفاوضات مع فرنسا في بداية شهر جويلية  لسحب امتياز صكّ العملة من بنك

الجزائر و تونس لفائدة البنك المركزي التونسي الذي يتمّ بعثه يوم الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لإعلان الجمهورية، 25 جويلية، ثمّ تمّ إصدار الدينار التونسي.

و قد شرعت تونس منذ تنصيب الوزارة في تنشيط الدبلوماسية الاقتصادية، إلى جانب اهتمامات الوزارة بمجالات مسؤولياتها الأخرى، من خلال توجيه البعثات الاقتصادية      و التجارية إلى عديد البلدان الصديقة، و المشاركة في المعارض الدولية، من ذلك المعرض العالمي الذي أقيم في بروكسل خلال السنة ( ومثّل فيه تونس محمد بدرة، الوزير سابقا في حكومة مَحمد شنيق و السفير لاحقا)، و حتى المعارض الجهوية في البلدان الأوربية. و من أمثلة هذا الاهتمام من قبل الدولة أنّ رئيس الحكومة بورقيبة زار « غانا » في بداية شهر مارس لحضور الاحتفال بعيد الذكرى الأولى لاستقلالها، وفي 15 من شهر أفريل تمّ توجيه وفد اقتصادي تونسي إلى العاصمة « أكرا » لاستكشاف فرص التعاون و المبادلات بين البلدين.

و كان القسم التجاري في الوزارة من أنشط الأقسام فيها، و كذلك أعضاء سفارات تونس المكلّفين بالشؤون الاقتصادية و التجارية، في البحث عن الأسواق للمنتوجات التونسية و إمكانيات التعاون. كما كان للدبلوماسية التونسية فيما بعد دور بارز في الإسهام في ضمان توفير تمويل مخططات التنمية في الإطار الثنائي و متعدد الأطراف.

و قد تمّ خلال هذه السنة، 1958، عقد اتفاقيات تجارية بين تونس وكلّ من: بولونيا، السويد، بريطانيا العظمى، إيطاليا، تركيا، الصين الشعبية، النرويج، فنلندا، البرتغال. بالإضافة إلى اتفاقيات مماثلة في السنة السابقة مع: غانا، يوغسلافيا، مصر، الإتحاد السوفييتي، بلغاريا، تشيكوسلوفاكيا، إسبانيا، وألمانيا.

كما شهدت السنة عقد اتفاقات بخصوص المساعدة الاقتصادية الأميركية، والقمح الأميركي(PL 480) لمكافحة البطالة المتفشّية.

الحاجة إلى كتابة تاريخ السياسة الخارجية التونسية:

ختاما، فليست الغاية من هذه الخواطر استعراض كلّ ما أنجزته الدبلوماسية التونسية في بداياتها، و هو كثير، و لا التعمّق و التوسّع في دراسة مختلف جوانب عملها و أسلوبها، بل  سعي للإسهام في التذكير بالأحداث و التحديات التي جابهتها، في سنة واحدة بكفاءة و حماس، و هي لا تزال تخطو خطواتها الأولى، و ما برهنت عنه من مِهنيّة متنامية، سرعان ما أصبحت مهنيّة متميّزة بنجاحاتها و تألّقِها.

فهذه الخواطر في تواترها هي أساسا عناوين لدراسات تنتظر من يقوم بها، خاصة من بين أبناء المهنة، لتدوين تاريخ سياسة تونس الخارجية و دبلوماسيتها و أعلامها،  تاريخ هو مدعاة فخر و اعتزاز للوطن، تدوينًا أمينا، بعيدا عمّا تشهده الساحة في البلاد أحيانا، اليوم، من رغبة في إعادة كتابة التاريخ حسب الأهواء، أو لتضخيم الذات.       

                                                                      أحمد غزال

                                                                                     سفير متقاعد

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer