تونس وأفريقيا: الفرص والآفاق

تونس وأفريقيا: الفرص والآفاق

0
PARTAGER

عندما يجوب الزائر بهو مبنى الاتحاد الأفريقي الفخم بأديس أبابا يقع نظره على مجموعة من الصور علّقت على أحد الجدران الخارجيّة لقاعة الاجتماعات الكبرى.. هي صور قادة أفريقيا وعظمائها، وفي مقدّمتهم أولئك الذين أعلنوا قيام منظمة الوحدة الأفريقيّة في 25 ماي 1963 في العاصمة الأثيوبيّة. منذ ذلك التاريخ أصبحت أديس أبابا مقرّ المنظّمة التي تحوّلت بعد انعقاد قمّة ديربن، بجنوب أفريقيا، في ماي 2002 إلى الاتحاد الأفريقي، حرصا على مواكبة المتغيرات العميقة التي شهدتها القارة وسائر التجمعات الإقليمية، وتكريسا للتوجّه نحو تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دولها وتمتين نسيج المصالح المتبادلة بينها. تعيدك الصور إلى حقبة منعشة، يمتزج فيها الحلم بالواقع، هي ملحمة بناء صرح وحدة أفريقيا ووضع أسس التضامن والتآزر بين شعوبها، وأبطال تلك الملحمة : كوامن نكروما وهوفوات بوانيي ولييوبلد سيدار سنغور وجمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة وغيرهم.
يذكر الأفارقة بوافر الامتنان والتقدير مساهمة الرئيس التونسي الراحل في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقيّة ودعم تونس المستقلّة لحركات التحرير في أفريقيا ومناهضتها لنظام الميز العنصري في جنوب القارة، وهو ما أثنى عليه الزعيم الكبير نيلسون منديلا في أكثر من مناسبة.
كان بورقيبة من بين الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقيّة ومثّلت جولته إلى عدد من بلدان القارة سنة 1965 عنوان انفتاح على شؤونها، واحتضنت تونس في عهد الرئيس الراحل مهرجان الشباب الأفريقي. استضافت تونس سنة 1994 مؤتمر القمّة الأفريقيّة وترأست المنظمة لمدّة عام..هكذا يقول التاريخ. لكن اليوم كيف يقيّم الأفارقة تفاعل تونس مع قضايا أفريقيا وكيف ينظرون إلى حضورها في الاتحاد الأفريقي، خاصّة، وفي الفضاء القاري، سياسيّا واقتصاديّا بوجه أعمّ ؟ وهل لتونس سياسة أفريقيّة؟

حضور باهت ومستوى تمثيل متقلّب

كثيرا ما يتساءل ملاحظون، من أوساط مختلفة، عن مدى عزم تونس على تعزيز مقوّمات بعدها الإفريقي من خلال وضع خطط تحرّك، ممتدّة في الزمن، تنبع من قراءة متبصّرة للأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة وطنيّا وأفريقيّا، وتستند إلى رؤية مستقبلية بغية التموقع في الساحة القاريّة بأكبر قدر من النجاعة والفاعليّة خدمة لمصالحها.
ومن دواعي هذا التساؤل ما بان لهؤلاء الملاحظين بالخصوص من حضور تونسي باهت أحيانا في اجتماعات الاتحاد الأفريقي وأنشطته ومن تقلّب درجة التمثيل في القمم الأفريقيّة والتي قليلا ما كان يشارك فيها رئيس الجمهوريّة، قبل 14 جانفي 2011. وعلى الرغم من مشاركة الرئيس الباجي قايد السبسي في القمّة المنعقدة في جانفي 2015 بأديس أبابا والتي أكّد خلالها أنّ « تونس مصمّمة على استعادة مكانتها وعلاقاتها التاريخيّة مع دول القارة سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وتدارك ما شاب هذه العلاقات من نقائص في السنوات السابقة حالت دون تحقيق فرص شراكة فعلية »، وعلى الرغم كذلك من مشاركة الرئيس المؤقت الأسبق المنصف المرزوقي في عدد من القمم، فإنّ تونس لم تقدر إلى حدّ الآن على إعطاء الانطباع بأنها شرعت بجدية وتصميم في إعادة بناء علاقاتها مع الاتحاد الأفريقي والدول الأفريقيّة في مختلف المجالات. ولعلّ ما كرّس هذا الانطباع غياب رئيس الجمهورية المؤقّت عن الاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس منظمة الوحدة الأفريقيّة في ماي 2013، وتراجع مستوى التمثيل في القمتين الأفريقيّتين الأخيرتين في جوهانزبورغ وأديس أبابا.وغالبا ما يكون مستوى التمثيل في اجتماعات الاتحاد الأفريقي معيارا يقاس به مدى اهتمام دولة من دوله الأعضاء بشؤونه وانخراطها في مسيرته وتفاعلها مع قضايا القارة. والأفارقة بحكم طبعهم شديدو الحساسيّة، في الحقيقة، تجاه مسألة التمثيل التي يرون فيها علامات ومؤشّرات على أساسها يحصل الانطباع وتبنى المواقف. وقد يتغلّب الظاهر على الباطن في عالمي السياسة والدبلوماسيّة.

« مستقبل تونس في أفريقيا »

وممّا يؤكّد الانطباع الذي سبقت الإشارة إليه ما ورد في مقال هامّ باللغة الفرنسية قرأته وأنا أتابع أعمال القمّة الأفريقيّة المنعقدة من 30 إلى 31 جانفي الماضي في أديس أبابا، وصاحبه خبير دولي، وهو كارلوس لوبيز (Carlos Lopes) الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للجنة الاقتصاديّة لأفريقيا وقد اختار للمقال عنوانا جذّابا وهو : »مستقبل تونس الاقتصادي في أفريقيا ».
بعد أن بيّن كارلوس لوبيز أنّ الطلب المتنامي للمنتوجات المعمليّة ومختلف الخدمات تمثّل رافعة مهمّة لتغيير اقتصاديات القارة، أكّد أنّ « ما نلحظه هو أنّ رافعات التغيير الهيكلي لتونس توجد في أفريقيا ».
وأضاف: » تونس، ليست اليوم، للأسف الشديد، ضمن البلدان الأكثر اندماجا في القارة الأفريقيّة. ففي مستوى التصدير نحو أفريقيا، تحتلّ تونس المرتبة 29 في القارة. وفي مجال الاستثمار تحتلّ المرتبة 28 في ما يخصّ جاذبيّة الاستثمارات الخارجيّة، على الرغم من بيئة قانونيّة تعتبر الأكثر تحفيزا في أفريقيا ».
وأكّد كارلوس لوبيز أنّ اتفاق التبادل الحرّ، الذي انطلقت المفاوضات بشأنه في جوان 2015 بالقاهرة والذي سيدخل حيّز التنفيذ سنة 2017 سيمكّن من دفع الصادرات التونسيّة في مجال المواد المصنّعة. وقد تمثّل هذه المواد 48 بالمائة من الصادرات التي قد تبلغ قيمتها 2,3 مليار دولار إلى غاية 2020.ويمكن مضاعفة هذا الرقم (4,24 مليار دولار) إذا اتخذت إجراءات لتسهيل التجارة. ومن شأن هذه الإجراءات، في اعتقاده، أن تزيد في حصّة المواد المصنّعة في الصادرات التونسيّة نحو أفريقيا وأن تساهم في خلق المزيد من مواطن الشغل.
وأوضح، من ناحية أخرى، أنّه لا يمكن لتونس أن تستفيد من اتفاقية بالي للمنظمة العالميّة للتجارة (المتعلّقة بتسهيل التجارة) إلّا من خلال الاندماج الجهوي في منطقة المغرب العربي وفي مناطق أخرى من القارة، مؤكّدا أنّه بإمكان تونس أن تضطلع بدور، على الصعيد الأفريقي، لاسيّما في قطاع السياحة، وذلك بالتوجه نحو السوق الأفريقيّة إثر الهجمات الإرهابيّة التي أضرّت بهذا القطاع. ولاحظ أنّ 72,5 بالمائة من مداخيل السياحة في جنوب أفريقيا تأتي من القارة.
كما أشار كارلوس لوبيز إلى أنّ لتونس قدرة على الاندماج الاقتصادي في أفريقيا من خلال قطاعات ذات قيمة مضافة في مجال الخدمات كالسياحة الاستشفائية والتعليم العالي والهندسة والاستشارات.

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire