تونس و أفريقيا

تونس وأفريقيا: الفرص والآفاق

استراتيجية متكاملة للتموقع في الفضاء الأفريقي

على الرغم من الجهود المبذولة منذ سنوات عدّة من أجل تنمية المبادلات التجاريّة مع أفريقيا ورفع حصص الصادرات نحوها من خلال تعّدد البعثات الاقتصاديّة إلى دول من القارة ، فإنّ حجم هذه المبادلات لم يتجاوز 700 مليون دينار، في حين تفيد بعض المصادر أنّ حجم مبادلات المغرب التجاريّة مع أفريقيا يقّدر بـ 7 مليار دولار، وأن نسبة صادرات هذا البلد نحو الأسواق الأفريقيّة تمثّل 10 بالمائة من مجمل الصادرات، وهي نسبة مرشحة للزيادة لتصل سنة 2018 إلى 20 بالمائة.
ولا شكّ أنّ تونس لم تتوصّل إلى حدّ الآن إلى وضع إستراتيجية متكاملة للتموقع بأكثر فعالية في الفضاء الأفريقي والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية التي تتوفّر في العديد من بلدان القارة التي ارتفعت نسب نمّوها في السنوات الأخيرة بصورة ملحوظة، على نحو يسمح لها بتنويع شركائها، في الوقت الذي تشهد فيه عديد دول الاتحاد الأوروبي، الشريك الأوّل، ركودا اقتصاديّا.
وتقوم هذه الإستراتيجية ، في نظرنا، على ثلاثة محاور مترابطة، لها في الآن نفسه بعد سياسي وبعد دبلوماسي وبعد اقتصادي.ويتطلّب تنفيذها تخطيطا محكما ووسائل وإمكانات لا مناص من توفيرها .

1- البعد السياسي

غنيّ عن البيان أنّ أيّ سياسة خارجيّة لا يمكن أن يكون لها تأثير وصدى إلّا متى تجسّمت المبادئ والثوابت التي ترتكن إليها على أرض الواقع، ووظّفت أحسن توظيف في خدمة مصالح البلاد الحيويّة من خلال مواقف صائبة وخطط عمل مجدية، وإلّا فإنّها ستتحوّل إلى أدبيات وشعارات تصلح فقط لصياغة الخطب والتصريحات.
وقد دأب المسؤولون منذ الاستقلال على تأكيد تمسّك تونس بانتمائها الأفريقي واهتمامها بشواغل القارة وتضامنها مع شعوبها، لكن الخطاب لا يقترن دوما بالفعل، وكثيرا ما تتعطّل المبادرات ومسارات التحرّك في اتجاه أفريقيا بسبب انعدام المتابعة وغياب الرؤية الاستشرافيّة وعدم استقرار الإطار المشرف على الشؤون الأفريقيّة صلب وزارة الشؤون الخارجيّة. وقد سعت الديبلوماسيّة التونسيّة في الحقيقة، منذ العهد البورقيبي ، إلى بناء قواعد لسياسة أفريقيّة من خلال ما تراكم لدى إطاراتها وأعوانها من تجارب وخبرات في تعاملهم مع شؤون القارة، غير أنّ ما حال دون التقدّم في بلورتها ووضعها موضع التنفيذ ضعف الإيمان بالخيار الأفريقي، كأحد خيارات تونس الجوهرية، مقابل التوجه، بالدرجة الأولى، إلى المحيط الأوروبي والمتوسطي. ولئن كان لهذا التوجّه في السابق دوافع ومبرّرات يمكن تفهّمها، فإنّ واقع أفريقيا السياسي والاقتصادي الجديد وحاجة البلاد الملحّة إلى الانفتاح على فضاءات، خارج دائرة شركائها التقليديين، يحتّمان العمل على إقرار سياسة أفريقيّة فاعلة ورفدها بما يلزم من موارد بشريّة وماليّة ووسائل تحرّك دبلوماسي ناجع. وكان من الأجدى، في تقديرنا،الإبقاء، في إطار التحوير الوزاري الأخير على كتابة الدولة للشؤون العربيّة والأفريقية، صلب وزارة الشؤون الخارجيّة، اعتبارا لحجم الأعباء الملقاة على كاهل الوزير والتزاماته العديدة في الخارج من ناحية، وبالنظر إلى ما تستوجبه الملفات العربية والأفريقية من متابعة ومشاركة في المستوى الحكومي في الاجتماعات على الصعيدين الثنائي ومتعدّد الأطراف، في صورة ما تعذّر على الوزير حضورها، من ناحية أخرى.

2- البعد الدبلوماسي

أ-على الصعيد الثنائي

من أهداف الإستراتيجية التي يتعيّن تحقيقها تعزيز العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة مع الدول الأفريقيّة، وتوسيع دائرتها لتشمل سائر بلدان القارّة. وفضلا عن تبادل الزيارات في أعلى مستوى وعقد اجتماعات اللجان المشتركة والسهر على متابعة تنفيذ ما تسفر عنه من اتفاقيات تعاون في مختلف المجالات وتمكين عدد من الطلبة الأفارقة من منح تخوّل لهم مزاولة دراستهم في تونس بما يجعلهم بعد تخرجهم دعاة لبلادنا وأنصارا لها في المستقبل، يجدر السعي إلى تكثيف الحضور الدبلوماسي في مختلف مناطق القارة، من خلال فتح سفارات، ولو بصورة تدريجية، في دول لها من الإمكانات الاقتصاديّة ما يسمح بترويج المنتوجات الوطنيّة في أسواقها، ويتيح إقامة شراكة فاعلة مع قطاعيها العام والخاص. ولا جدال في أنّ شبكة بعثاتنا الدبلوماسيّة الحاليّة ليست لها القدرة الكافية على ضمان التموقع المرجو في الفضاء الأفريقي، وعددها 8 بعثات فقط ( باماكو وداكار وياوندي وأبيدجان وكينشاسا وأبوجا وأديس أبابا وبريتوريا) يضاف إليها تلك الموجودة في الدول العربيّة الأفريقيّة، في حين لمصر 37 سفارة وللجزائر والمغرب 20 سفارة لكلّ بلد منهما.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer