حروب إسرائيل في « المسرح الاستراتيجي السوري »

د. ناصيف حتي

يأتي التصعيد الإسرائيلي من خلال الهجوم العسكري على أهداف في كل من العراق وسوريا ولبنان بشكل متتابع ليعكس تحولاً هاماً في السياسة الإسرائيليّة: الانتقال من استراتيجيّة تقوم على الغموض أو عدم الإعلان عن مصدر الضربات، المعروفة المصدر دائماً، في العراق وسوريا بشكل خاص، إلى الإعلان المباشر عن ذلك وعرض أسبابه ودوافعه. اسرائيل دخلت مرحلة تصعيد حربها ضد إيران وحلفائها في مسرح استراتيجي واحد من منظورها يضمّ سوريا والعراق ولبنان، وسوريا بالطبع في « قلب » هذا المسرح. يعتبر المسؤولون الإسرائيليّون أنّهم يقومون بحرب استباقيّة من جهة، من خلال قصف مواقع كانت إيران وحلفاؤها يتهيأون لاستعمالها لقصف أهداف إسرائيليّة منها، وحرب وقائيّة من جهة أخرى لمنع إيران وحلفائها من تعزيز مواقعهم في مسرح المواجهة الممتدّ من بغداد إلى بيروت، حسب التعريف الإسرائيلي.
عناصر عدّة تستند إليها اسرائيل في هذا التحول في استراتيجيّة المواجهة مع إيران قوامها ما يلي:
-الصدام الأميركي الإيراني بعد خروج الولايات المتحدة من « الاتفاق النووي » مع إيران، « 5 + 1 » وتزايد الحملة الأميركية شدّة وحدّة ضد إيران.
وزير الخارجيّة الأميركيّة مايك بومبيو يصرح بحق اسرائيل في « الدفاع عن ذاتها »، مبرراً بالتالي هذه الضربات. مفهوم جديد يستقر في هذه الحرب اسمه العدوان الدفاعي.
-مناخ عربي واسع ُمناهض لإيران يدين عدوان إسرائيل كلامياً دون ان يكون هنالك مواقف عربيّة ديبلوماسيّة فاعلة ومؤثرة لمواجهة استراتيجيّة التصعيد الإسرائيليّة طالما أ ّن الأولويّة الضاغطة في المواجهة مع إيران.
-التأكيد على ما هو معروف بأ ّن اسرائيل تهدف إلى محاصرة وإضعاف إيران وحلفائها في سوريا بغية إخراج إيران من « المسرح الاستراتيجي » السوري لاحقاً عند اقتراب مرحلة الحلول في سوريا وكجزء أساسي من الحل. إخراج إيران من سوريا من المنظور الإسرائيلي، وهو هدف صعب التحقيق إن لم يكن مستحيلاً، يؤدّي إلى إضعافها بشكل كبير في لبنان وكذلك لحد معيّن في العراق بعد إغلاق البوابة السوريّة أمام طريق النفوذ الإيراني الممتدّ من طهران إلى البحر الأبيض المتو ّسط، وبالتالي ضرب ما تعتبره اسرائيل هيمنة إيرانية يتم تعزيزها كل يوم في قلب المشرق العربي.
-تحقّق هذه الاستراتيجيّة الاستباقيّة والوقائية الناشطة هدفاً أساسيّاً أيضاً وهو إبعاد إيران عن حدود إسرائيل وإضعاف موقعها المباشر وبواسطة حلفائها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهو الهدف الاستراتيجي الحيوي لإسرائيل.
– ولا يمكن بالطبع تجاهل هدف داخلي اسرائيلي في سياسة الهجوم العسكري الناشط والمعلن عنه، وهو انّه يتم عشيّة الانتخابات النيابيّة الإسرائيليّة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يودّ أن يُعزز من جهة ويذ ّكر من جهة أخرى، بصورته كمقاتل شرس في الدفاع عن أمن اسرائيل، في معركة انتخابيّة شديدة الصعوبة وغير مؤ ّكدة النتائج بالنسبة لحزب « الليكود » الذي يتز ّعمه.
-ديبلوماسيّة الطائرات المسيّرة العسكريّة التي ازداد دورها وتو ّسعت جغرافيّة هذا الدور في الحرب الإسرائيليّة في مسرح المواجهة السوري الممتدّ، كما أشرنا، من بغداد إلى بيروت، لا تهدف إلى الدخول في حرب مفتوحة، نظراً للتكلفة السياسيّة والعسكريّة والمدنيّة لتلك الحرب، اذ هي تهدف إلى توجيه ضربات قاسية حاملة رسائل لكافة اللاعبين المعنيّين مباشرة وبشكل غير مباشر بهذا المسرح الاستراتيجي، حول خطوط حمر تحاول اسرائيل رسمها وفرض القبول بها. كل ذلك لا يعني بالطبع، كما تعلّمنا دروس التاريخ، أ ّن حرباً كبيرة قد لا تقع، وذلك عن طريق خطأ في الحسابات أو تصعيد غير مدروس.
لقد أسقطت اسرائيل بهجومها على الضاحية الجنوبيّة لبيروت قواعد اللعبة التي استقرت بعد حرب 2006ّ، وبقي أن نرى قواعد جديدة للاشتباك تتبلور مع الوقت في ظل التوتر الحاصل.
عدّة عناصر تدفع ضد التصعيد المفتوح الذي ًيؤدّي إلى الحرب، أ ّولها توافق دولي واسع وناشط وضاغط لمنع التصعيد خوفا من المجهول في منطقة لديها قابليّة سريعة للاشتعال في ظل الحرائق القائمة في أكثر من مكان. ثم هنالك المحاولات الناشطة دوليّاً وإقليميّاً والتي تقودها فرنسا وتحظى بدعم واسع
لاحتواء ووقف التصعيد في المواجهة الأميركيّة الإيرانيّة والعودة إلى المحادثات ثم المفاوضات: أمر غير سهل ولو أن كل منهما يقدّم شروطاً هي بمثابة أوراق تفاوضيّة ُمسبقة.
من المر ّجح في هذا السياق كما رأينا وقد نرى أيضا، أن يبقى الردّ العسكري من « حزب الله » محدوداً ومتناسباً مع الضربة الإسرائيليّة من منظور أصحابه، في إطار إعادة صياغة قواعد جديدة للاشتباك ورسم حالة من توازن الردع الذي يوفّر الاستقرار ولو المتوتّر على الأرض ويمنع الانزلاق نحو حرب مفتوحة
ومدمرة لا يريدها أحد، لأنّه لا يستطيع تحمل تداعياتها.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer