حكايتان من اليمن  » السعيد « 

حكايتان من اليمن  » السعيد « 

0
PARTAGER

أحببت اليمن وتفاعلت مع أهله الكرام خلال فترة عملي كسفير تونس في صنعاء. شاطرتهم الأفراح والأتراح وبذلت قصارى جهدي لمزيد دفع التعاون بين بلدينا الشقيقين.

تلك هي ثوابت و ضوابط العمل الدبلوماسي لبعثات تونس بالخارج وللدبلوماسيين الذين يؤمنون بالدولة ويعملون على تطبيق سياستها، على أن تكون مصلحة تونس والتونسيين فوق كل اعتبار ، لا كما يدعيه العديد ممن امتهنوا المراهقة والعبث السياسي ما بعد الرابع عشر من جانفي.

ولا أزال أذكر الكثير من الأصدقاء الأوفياء الذين تعاملت معهم في شتى المجالات السياسية والاقتصادية و كذلك التربية والتكوين، في بلد يشكو شح التمدرس بالرغم من وجود طبقة راقية الثقافة والعلم.

ويغلب على أهل اليمن في جل الحالات تقيدها بالعرف القبلي الذي يبقى سيد الموقف، في ظل ضعف ملحوظ للدولة ولمؤسساتها، بالرغم من مجهودات بذلت لإرساء هياكل رسمية تعنى بالشأن العام.

ومن بين الحكايات التي شدتني وبقيت أتذكرها لتعبيرها العميق عن واقع يبعث على التفكير في مآسي لا اليمن فحسب، بل جل بلدانا العربية التي تعيش على وقع تمزقات هي في غنى عنها، حكايتان طريفتان.

حكايتنا الأولى حدثت خلال اجتماع جمع السفراء المعتمدين بصنعاء ورؤساء الهيئات المتفرعة عن منظمة الأمم المتحدة، خصصه وزير الخارجية اليمني في ذلك الوقت لحشد الدعم المادي والإعانات لبلد يشكو من صراعات أنهكت قواه.

وللتعبير عن الحالة الحرجة لليمن، ختم الوزير مداخلته بحكاية مواطن يمني كان يعيش في إحدى القرى الجبلية زمن حكم الامامة الزيدية (والإمام يعادل الحاكم في المصطلحات التقليدية)، الذي استمر لأكثر من تسعة قرون وانتهى بثورة سبتمبر 1962، ساهمت فيها مصر بشكل مباشر.
بلغ لمسمع ذلك المواطن الذي أنهكه الفقر وعكّرت حياته الخصاصة أن حاكم البلاد يمكن أن يمن ببعض الشيء على من يراسله من الرعية.

في القرية التي تعد بعض العشرات من السكان، لا يحسن الكتابة والقراءة سوى إمام المسجد. توجه إليه المواطن وطلب منه كتابة رسالة علها تصل إلى حاكم صنعاء، فيغدق عليه بما تيسر.

طلب منه أن يحكي له قصته وشرع في الكتابة التي استمرت لزمن. وعند توقفه من سرد قصته البائسة، رجا الامام أن يقرأ ما كتبه، لعله نسي بعض الجزئيات.

انتهى الإمام من القراءة فإذا بالرجل ينهار ويصرخ ويلطم وجهه ويبدأ في البكاء والعويل. صدم إمام المسجد وهب للرجل يسأله إن حصل له سوء، فأجابه أنه لم يكن يتصور أن حالته وصلت إلى هذا الحد من البؤس والشقاء.

والسؤال الذي يتوجب أن نطرحه على أنفسنا هل نحن مدركون للمستوى المتردي الذي وصلنا له وقدنا أنفسنا إليهǃ

أما الحكاية الثانية فعشتها حين زرت أحد أصدقائي الأعزاء لتوديعه بمناسبة انتهاء مهمتي، والذي جمعتنا علاقة ود وتعاون مثمر.

استعرضنا ما يحدث في بلداننا وخاصة استحواذ جحافل الإخوان المسلمين على الحكم ومدى صدق نواياهم فيما يخص ايمانهم بالديمقراطية والتعددية وغير ذلك. فأجابني بحكاية حصلت زمن الاجتياح العثماني لليمن.

وتتمثل القصة في وصول ضابط بالجيش العثماني إلى صنعاء دون عائلته. أجر بيتا وانتدب شغالة لتعنى بحاجياته.

في البيت الذي أجره توجد هرة تخرخر دائما، انزعج من ذلك الصوت الذي لم يتعوده وسأل الخادمة إن كانت الهرة مريضة. فأجابته مازحة أنها تحفظ القرآن، فصدق قولها.

تغيبت الخادمة في أحد الأيام، فاضطر الضابط إلى أن يطبخ بعض اللحم لغدائه، ثم غادر البيت ليجلب خبزا. وعند عودته لم يجد شيئا مما طبخه، فعرف القصة.

التفت إلى الهرة وقال لها : قرآن كثير ، إيمان « يوك ». وكلمة « يوك » باللغة التركية تعني غير موجود.

واستطرد صديقي اليمني : جماعتنا مثل الهرة، لا تغرك مظاهرهم وأقوالهم فهم يتلاعبون بالظاهر والباطن.

وشتان بين الظاهر والباطن…

توفيق جابر
سفير تونس السابق باليمن

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire