نص محاضرة

نص محاضرة السيد أحمد ونيس السفير و وزير الخارجية الأسبق بقصر قرطاج في 16 ماي 2016

وبعد إلغاء العمل بمعاهدة باردو في 20 مارس 1956، حقَّ للدولة التونسية استعادة صلاحياتها كاملة، وحق إصدار الأمر العلي بتاريخ 03 ماي 1956 الموقّع من قبل الأمين باي والحبيب بورقيبة الوزير الأول ووزير الشؤون الخارجية.
هذه لمحة خاطفة عن عمل وزارة الخارجية التونسية في العشريات الأولى من القرن التاسع عشر حيث اكتسبت العلاقات الخارجية أهمية متزايدة خصوصا بعد مؤتمر فيينا (Vienne) سنة 1815 واحتدام التسابق الاستعماري بين الأقطاب الأوروبية في اتجاه افريقيا وآسيا.

فيما يتعلّق بتونس، تعدّدت البعثات الدبلوماسية والقنصلية فبلغت عشرين وكالة سنة 1850 في أواخر حكم أحمد باي (1855-1837).

واشتهر خاصة ستّةُ سفراء، نذكر في مقدّمتهم سليمان ململّى، أوّل سفير لتونس لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد فوّضه حموده باشا في ديسمبر 1805، لدى الرئيس Thomas Jefferson (1809-1801).

كما نذكر بعثات دبلوماسية أخرى دعت إليها تطوّرات الأوضاع خاصة احتلال الجزائر سنة 1830، وكان يقودها في العواصم الأوروبية وفي بلاد المشرق كلٌّ من عثمان هاشم ومحمد الجلولي وخير الدين باشا، والجنرال حسين والجنرال محمد البكوش.

ويحيل قرار 3 ماي 1956 كذلك إلى سياق ثان وهو أنّ معاهدة باردو والاعتراف الرسمي بالاستقلال في 20 مارس 1956 يكفيان بصفة مبدئية لاسترجاع كلّ مقوّمات السيادة التونسية. إلاّ أنّ ممارسة السيادة الخارجية كانت تستدعي إبرام اتفاقية إضافية مع فرنسا نظرا لأنّ اتفاقية الاستقلال الداخلي (3 جوان 1955) تنصّ في البند الرابع على « الاحتفاظ بكلّ التراتيب الراهنة المعمول بها فيما يتعلّق بالشؤون الخارجية وذلك في صورة انعدام تحوير أو تغيير أو إبرام مرسوم دولي »

وعلى هذا الأساس ينصّ بروتوكول الاستقلال بصريح العبارة على أنّه « متى وُجدت بعض التراتيب التي تتضمّنها اتفاقيات 03 جوان 1955 وتكون مخالفة للوضع القانوني الجديد للبلاد التونسية كدولة مستقلة وذات سيادة، فإنّ هذه التراتيب يقع تنقيحها أو إلغاؤها ». لذا وجب إبرام عقد جديد يحلُّ محلّ هذه التراتيب.

أمّا بخصوص الدفاع الوطني، فإنّ الإشكال يتمثّل أساسا في جلاء الجيوش الفرنسية المتمركزة في الثكنات المنتشرة في أنحاء البلاد والتي تعزّزت بعد انسحاب الجيش الفرنسي من Vietnam وبعد اندلاع الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954.

هذه الأوضاع فرضت منذ تكوين حكومة بورقيبة في 15 أفريل 1956 خًطّة جديدة في جوّ من التوتر بسبب الأزمة اليوسفية من جهة، ومن جهة أخرى بحكم مساندة تونس للثورة الجزائرية وتزويدها بالسلاح.

لذلك تعمّد الحبيب بورقيبة ضمّ وزارتي الخارجية والدفاع الوطني إلى الوزارة الأولى استظهارا بكسب جميع مقوّمات السيادة الوطنية. وواصل في اتخاذ إجراءات عملية فرضها كأمر واقع قصد الإسراع بإبرام الاتفاقية الإضافية. وما الأمر العلي المؤرّخ في 03 ماي 1956 إلاّ إحدى هذه الإجراءات.

ولم تمر سوى عشرةُ أيام على تشكيل الحكومة، حتى دعا الحبيب بورقيبة سلك القناصل إلى « دار الباي » بالقصبة وعبّر لهم عن رغبته في الارتقاء بالعلاقة مع دولهم على أساس « علاقة الدولة المستقلة بالدولة المستقلة ». وسارع إلى السفر إلى باريس للقاء رئيس الحكومة Guy Mollet ووزير الخارجية Christian Pineau في 10 و11 ماي وطرح عليهما فضية ممارسة السيادة الخارجية.

وكان أوّل من استجاب من ضمن القناصل، القنصل الأمريكي السيد Hughes يوم 15 ماي حيث أبلغه قرار واشنطن بإقامة علاقات دبلوماسية مع تونس. وفي الأثناء ارتقت الدولة التونسية إلى عضوية المنظمة العالمية للصحة OMS في 10 ماي وإلى عضوية المنظمة الدولية للشغل OIT في 12 جوان.

هكذا تجسّمت السيادة الخارجية عُنوَةً على أرض الواقع.
وفي يوم 16 ماي انطلقت في باريس المفاوضات المتعلّقة بالسياسة الخارجية. وفي الجوهر كان الجانب الفرنسي يرمي إلى عقد معاهدة تحالف تربط البلدين في السياسة الخارجية وفي الدفاع. ولكن تونس، دون أن ترفُضَ هذا المبدإ، طالبت بالاعتراف مسبقا بكامل الحقوق الناجمة عن الاستقلال، وذلك بغية تمكينها من مناقشة المعاهدة بكامل الاستقلالية.

وإنّ تسارع الأحداث على الساحة التونسية والخشية لدى الجانب الفرنسي من إقامة الدول العربية في الإبان علاقات دبلوماسية مع تونس، دفعت الوفد الفرنسي إلى الإسراع بإبرام الاتفاق. وكان العاملان الفاعلان في تقديرنا هما الجولة التي قام بها الصادق مقدّم صحبة الطيب سليم في سبع عواصم عربية أثناء شهر أفريل وقرار واشنطن ولندن إضفاء صفة القائم بأعمال على قنصليهما في تونس، وذلك في 5 و7 جوان. حينها تنازلت فرنسا عن المطالبة بالتحالف السياسي والدفاعي مع تونس وانحصر الأمر في « اتفاقية حول التمثيل الدبلوماسي » فحسب، تمّ التوقيع عليها يوم 20 جوان بين كلّ من الحبيب بورقيبة وRoger Seydoux المندوب السامي الفرنسي.

وختمت المرحلة بتعيين السفراء الأربعة الأوائل بمقتضى أمر عليّ (25 جوان 1956) وهم الدكتور الصادق مقدّم في القاهرة والطيب السحباني في الرباط وعامر المكني بطرابلس والطيب العنابي بجدّة.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer