نص محاضرة

نص محاضرة السيد أحمد ونيس السفير و وزير الخارجية الأسبق بقصر قرطاج في 16 ماي 2016

وفيما يتعلّق بالجيش الوطني فقد انتظم الاستعراض التأسيسي يوما قبل ذلك بشارع Gambetta (شارع محمد الخامس حاليا) بحضور أعضاء الحكومة والديوان السياسي للحزب وجمهور غفير من الشعب. وبهذا تحقّق الهدف المنشود.
ونستنتج ممّا سبق أن إحياء وزارة الشؤون الخارجية قد تمّ في أربع مراحل هي على التوالي :
1- إعلان الحبيب بورقيبة في 15 أفريل 1956 عن بعث وزارة الخارجية إسما ووظيفة في حكومة الاستقلال الأولى،
2- تجسيم المؤسسة في 03 ماي صلب دواليب الدولة في مكوّناتها الأربعة : ديوان الوزير والكتابة العامة والإدارة المركزية والمصالح الخارجية،
3- تعيين الكاتب العام خميس الحجري في 05 ماي،
4- استكمال المصالح الخارجية بتعيين السفراء الأوائل في 25 جوان.
سيادة الرئيس،
كلّنا نعلم أنّ الأسرة الدبلوماسية التونسية ليست وليدة سنة 1956 وأنّ مذهب السياسة الخارجية كان في ذلك التاريخ قد تشكّل وتأصّل واستكمل نضجه.

الدولة التونسية بناها رجال وأفكار صهرتهم نيران الكفاح وقسوة الزمن ونور الحق. خمس سنوات بعد الحرب العالمية الثانية وبعد تأسيس جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة، كانت طليعة من الدبلوماسيين التونسيين قد خَبِرَتْ بَعْدُ مكامن الضعف والقوة في النظام العالمي حيث كانت تطرح القضية الوطنية على العواصم الأوروبية والأمريكية والآسيوية وتجوب أروقة الهيئات الدولية الكبرى. وكان من نصيبهم كسب الخبرة والجرأة والتجلّد والصبر. وقد حُرِمَ بعضهم من ثمرة النضال ومن نخوة الاستقلال إلاّ أنّهم أقاموا أركان السياسة الخارجية التونسية وشيّدوا البناء الشامخ، مرآة الوطن. وإنّه قَدَرُنَا نحن، معشر الدبلوماسيين التونسيين، أن ندعمه ونحمي حماه.

ويدعوني واجب الوفاء أن أشيد هنا بمآثر الحبيب ثامر وفرحات حشاد خلال سنوات البطولة وغوائل الدهر حيث يتردّد التاريخ، إلاّ أنّ النفوس الكبار تتحدّى الفناء وتعزّز فينا الإيمان الثابت وتوقد في نفوسنا الشعلة التي لا تنطفئ.

إنّ الرسل الأوائل بدءًا من سنة 1919، تفانوا في طرح القضية الوطنية والدفاع عنها في البلاد الإسلامية ولدى الأحزاب الليبرالية بفرنسا. أولئك هم زعماء الحزب الدستوري الناشئ الذين تاقوا إلى الاستفادة من مبدإ تقرير المصير الذي نادى به الرئيس الأمريكي Woodrow Wilson. ورغم ما لهم من الحماس والوطنية المخلصة فإنّهم استثاقوا هذا المبدأ وجعلوا منه الركيزة المثلى في أفق نضالهم.

وانضم إلى هذا الرعيل الأوّل رواد اليسار الأوائل الذين آمنوا بوعود الثورة الروسية وبتعاطف الأحزاب الشيوعية الناشئة في أوروبا للقضاء على الاستعمار.

فمن مزايا نضالهم جميعا أن اخترقوا الثنائية الخانقة بين نواة الوطنيين وغلاة المستعمرين في بوتقة نظام الحماية المغلق. أمّا خطابهم السياسي فقد طغى عليه تأجّج عاطفة ضحلة تبدو جليّة في « تونس الشهيدة ». كما طغت عليه دُغمائية الثورة الشيوعية. فتبدّدت رسالتهم في عويل المتألّمين وخيبة المتعنّتين.

أمّا جيل الدستور الجديد الذي برز في الثلاثينات فقد كان يرتوي من مشاغل الشعب وهمومه في شتى ربوع البلاد وفي أعماق جميع الطبقات. وانطلاقا منها وُلدت القضية الوطنية من جديد.

وقد تغيّرت الأوضاع بانهيار الخلافة العثمانية، وامتداد رقعة الاستعمار إلى المشرق العربي وظهور بوادر العدوان على فلسطين. وإنّنا نعيش اليوم مئوية التوقيع على اتفاقيات Sykes- Picot (16 ماي 1916) التي فجّرت أوضاعنا إلى اليوم وما بعد اليوم.

وارتقى زعماء الحزب الجديد إلى إدراك مفاهيم المرحلة وجدلية الخصوم دون الإنزلاق في غرور الشيوعية. وأمسكوا بزمام النضال واستنبطوا طرحا جديدا للقضية الوطنية وتسلحوا بمقوّمات العمل الصحيح في مواجهة الرهانات الحقيقية بعيدا عن أحلام الماضي والشعارات الواهية، فأرسوا دعائم السياسة المُجدية. إنّه جيل المساءلات الأساسية والنضالات الأساسية وتجديد المفاهيم الأساسية.

هذا الجيل الطلائعي قاد المواجهات في الداخل والخارج. رُسله بناة الدبلوماسية التونسية في أوروبا وأمريكا وآسيا والعواصم العربية. لزاما علينا ذكرهم وتمجيد أرواح من رحل عنّا وسكن وجداننا : الباهي لدغم في نيويورك، وجلولي فارس في باريس وأحمد بن صالح في بروكسال وعلي بن سالم في ستوكهولم والحبيب ثامر ثم صالح بن يوسف وحمادي بدره في القاهرة وعلالة البلهوان في بغداد ويوسف الرويسي في دمشق والطيب سليم في دلهي والرشيد إدريس في كراتشي والطاهر عميرة في جاكرتا.

كانت لهم أيادي بيضاء في الوطن وذاقوا مرارة العسر والشدّة وفتحوا الطريق فتحا مبينا. لهم منّا كلّ اعتبار وتقدير اعترافا بفضلهم العظيم. وقد حظينا بلقائهم لمّا تردّدوا علينا في زيارات خاطفة إلى مقرّ الوزارة في سنواتها الذهبية بدار الباي.

وإنّي أدعو الزملاء من الجيل الثالث الذين يتسلّمون المشعل بنخوة ومسؤولية : خذوا العبرة من تاريخ هذا البلد، إن هو وُجد وسما وتغلّب على الصّعاب بفضل الكدّ والجدّ والحق واعملوا على إبقاء الجُذوة متّقدة إلى أن يتعهّدها القادمون من بعدكم.

وواصلت تونس المستقلة النضال في سبيل الجلاء، بدءًا بالجلاء العسكري الذي انتهى بعد سبع سنوات بخروج آخر جندي أجنبي عن قاعدة بنزرت في 15 أكتوبر 1963، ثم الجلاء عن الأراضي الفلاحية التي بقيت تحت قبضة المستعمرين وذلك في 12 ماي 1964. هكذا اختُتمت معركة التحرير وتحقّق الاستقلال.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer