نص محاضرة

نص محاضرة السيد أحمد ونيس السفير و وزير الخارجية الأسبق بقصر قرطاج في 16 ماي 2016

كانت المرحلة الأولى من الجلاء العسكري في جوان 1958 لمّا توصّلنا إلى قرار مشترك مع فرنسا يقضي بجلاء جميع القواعد الفرنسية عدا قاعدة بنزرت. فكانت مرحلة حاسمة مكّنت من تحرير أراضينا وتزويد المقاومة الجزائرية بالإمدادات والسلاح دون رقابة.

ويعود الفوز إلى حنكة المنجي سليم الذي توفّق إلى إدراج الولايات المتحدة وبريطانيا في مبادرة المساعي الحميدة لتجاوز الأزمة الناجمة عن الاعتداء السافر على قرية ساقية سيدي يوسف (8 فيفري 1958) ممّا حدا بفرنسا إلى الإسراع بإبرام هذا الاتفاق.

وفيما يخصّ قاعدة بنزرت التي كلّفتنا مواجهة دموية سنة 1961، فقد تحقّق الجلاء التام بعد معركة دبلوماسية تحصّل فيها المنجي سليم على عقد جلسة خارقة للعادة للجمعية العامة للأمم المتحدة وبفوز فريد تمثّل في المصادقة على قرار الجمعية العامة يوم 25 أوت 1961 بـ66 صوتا ضدّ صفر لصالح القضية التونسية.

وبعد شهر واحد من هذا الفوز أي في سبتمبر 1961، انتُخب المنجي سليم في اقتراع سرّي رئيسا للدورة السادسة عشرة للجمعية العامة بـــ 90 صوتا ضدّ صفر.

وكادت تونس أن تفوز بعقد أوّل قمّة مغاربية لولا ما حدث في 22 أكتوبر 1956، وهو اختطاف الطائرة المقلّة للزعماء الجزائريين القادمين من الرباط والقاصدين تونس. وهذا التاريخ يُمثّل أيضا ستينية القمة المغاربية التي أُجهضت.

إنّ تونس المستقلّة لم تعلن يوما الحرب على دولة أخرى ولم تسْعَ يوما إلى الدسيسة ضدّ أيّ نظام. هي تؤاثر دوما تسوية النزاعات بالطرق السلمية واحترام الشرعية الدولية. واعتبارا لهذا المنطق واصلت الكفاح لإزالة الاستعمار والميز العنصري ولصون حقوق الشعب الفلسطيني والاعتراف بدولته المستقلة وعاصمتها القدس.

تونس المستقلّة لم تتنصّل يوما من واجب الأخوة فكانت الحاضنة اللحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية منذ نشأتها في سبتمبر 1958 إلى حين دخولها منتصرة أرض الجزائر في جويلية 1962. كذلك احتضنت تونس القيادة الفلسطينية في سبتمبر 1982 إلى حين العودة التاريخية إلى أرض فلسطين في جويلية 1994 في كنف الاعتراف بالحقوق والكرامة. ونزولا عند طلب الأشقاء رحّبنا باحتضان الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تونس لما يزيد عن عشر سنوات.

اليوم تكتب تونس صفحة جديدة في تاريخها. فهي تشيّد مجتمعا عربيا ديمقراطيا طلائعيا. هذا الخيار يرقى بنا إلى حضارة عصرنا لكنّه يُعرّضنا للعداوة والغدر ويحملنا على استنباط خُطط تعود بنا من جديد إلى ضرورة الربط بين الدبلوماسية والدفاع الوطني.

وبقدر ما نطمئن لمآل هذه المعركة، بقدر ما نخشى أن تكون على حساب الثقافة السياسية التي تنمو وتتأصّل في مجتمعنا بفضل مكسب الديمقراطية. ذلك أنّنا نعيش عهدا جديدا، عالميا وتونسيا، عهدا يستوجب الاجتهاد في سبيل أسمى غايات العصر وهي التسامح والرحمة ونبذ العنف والإقصاء.
سيادة الرئيس،
يسألوننا عن مذهب السياسة الخارجية وثوابتها :
1-يتصدّرها مبدأ الدولة الترابية، المستقلّة، ذات السيادة، وفي حدود محدّدة،
2- خلافا لما يُكتب عنها من أنّها تتبنّى مذهب الواقعية، فإنّها في الحقيقة تنتسب فكرا وعملا إلى المذهب الليبرالي وإذا كان بورقيبة قد توخّى في مساره سياسة المراحل ومارس البراغماتية والمرونة و »السُبل الموصّلة » كما يتردّد هذا في مطارحاته، فلأنّه حريص على تمرير القرارات الصعبة بأكبر قدر من المرونة. هكذا كانت المنهجية.

أمّا في جوهر الأمور فقد كان يؤمن إيمانا راسخا بأنّ العلاقات الدولية تنبني في النهاية لا على القوة وإنّما على العقلانية وعلى المبادئ. لأنّ سياسة القوة وإن بدت ظاهريا ذات جدوى فإنّها تبقى هشّة، عبثية وغير مضمونة العواقب. هذه هي خلاصة المذهب الليبرالي.
عقيدتنا في السياسة الخارجية تنطلق من مبدأ عدم وجود أعداء دائمين وأنّ كلّ الأحوال قابلة للتطوّر على أساس إعمال العقل وتحكيم المبادئ.
خلال معركة التحرير التي خاضتها بلادنا كان الاستعمار لِمَا يمثله من نظام مبني على الجبروت هو عدوّنا ولم تكن فرنسا عدوّة لنا، بل على العكس من ذلك كنّا ندعوها للتصالح مع القيم التي وضعتها لنفسها وللتخلص جميعا من جدلية الاستعمار.
ولا شكّ أنّ فرنسا المتحرّرة من أعباء الاستعمار هي أقوى وأنّ صداقتنا القائمة على مبادئ مشتركة هي متينة ومتواصلة. هكذا تكون العلاقات الصحيحة بين الدول.
العلاقات المبنية على المبادئ مضمونة وثابتة وما يقوم على القوة لا يعمّر بل يبقى مهدّدا باستمرار بما هو أقوى منه. وقد علّمنا التاريخ أنّ « كلّ إمبراطورية آيلة إلى الزوال »
3- ومن ثوابتنا الالتزام بميثاق الأمم المتحدة ومبادئها. وما دعم تونس للمنظمة العالمية إلاّ تعبيرًا عن إيماننا بدورها المتميز في الحفاظ على السلم والأمن والإستقرار وتحقيق التعاون الدولي ونشر حقوق الإنسان.
4-ومن ثوابتنا أيضا أنّ السيادة تبقى حكرا على الدولة، عدا ما يتصل ببناء المغرب الكبير مع الأشقاء على أساس الالتزام المتبادل والوضوح والمساواة.
5-قد ننسى ولا ننسى قَسَمًا لا ريب فيه صدحْنا به بعد الجلاء عن قاعدة بنزرت في رحاب وزارتنا بدار الباي في القصبة مع سائر التونسيين في جميع أرجاء البلاد ألاّ تُقام على أديم تونس قاعدة أجنبية.
6-تقوم سياستنا الخارجية على نصرة القضايا العادلة واحترام القيم الكونية والدفاع عن كرامة الانسان.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer