خطر السياسة على الديبلوماسية

خطر السياسة على الديبلوماسية

0
PARTAGER

خطر السياسة على الديبلوماسية

بقلم صلاح الدين الجمالي

كاتب دولة سابق للشؤون المغاربية و الإفريقية، سفير سابق

 

إن إمكانيات و أوصاف الديبلوماسي الفكرية و الخُلقية كانت منذ القدم عنصرا هاما في اختيار المكلفين بمهام الاتصال و التعامل مع البلدان الأجنبية و الدفاع على مصالح الدولة.

وكان الملوك و غيرهم من ساسة الدول يحرصون على حسن اختيار مبعوثيهم ليكونوا خير من يدافع عنهم و يمثلهم من ناحية الحنكة و حسن التصرف و سرعة البديهة و الهدوء في التصرف و تفادي الانفعال أمام استفزازات الطرف المقابل.

في القرنين الأخيرين التاسع عشر و العشرين أصبحت الديبلوماسية مدرسة و ميدانا له قواعده وخاصياته.

و أفردت للشؤون الدولية وزارة أو مستشارية خاصة تهتم و تتابع العلاقات الخارجية و تضع الخطط لذلك و البرامج و تؤطر المنتسبين إلى هذا الميدان الذين أصبحوا يتلقون دروسا معمقة في علم العلاقات الدولية و قوانينه.

كما أن تكاثر الدول و المؤسسات الدولية زاد في تعقيد مهمة الديبلوماسي. فهو مطالب بمواكبة المواضيع الدولية و إعداد الملفات بدقة و الدفاع عنها بذكاء و فطنة مع الحفاظ على حسن علاقات بلاده بالمحيط الخارجي.

وكان المعهد الأعلى للدراسات الديبلوماسية بباريس أول مؤسسة تعليمية جامعية تختص بهذا المجال منذ القرن التاسع عشر.

ثم تعددت المعاهد و المؤسسات التعليمية التي تهتم بالشأن الديبلوماسي في مختلف البلدان.

وقد حرصت الدول المتقدمة و التي لها تقاليد في العلاقات الدولية على حصر اختيار مبعوثيها إلى الخارج على خريجي هذه المعاهد التي تتبع لوزارة الخارجية باعتبار خبرتهم و تجربتهم في العمل الديبلوماسي.

وبقي الجدل قائما في جل البلدان بشأن رغبة السياسيين الاستئثار بالعمل الديبلوماسي و الإستيلاء على السفارات بتعيين المقربين سياسيا و عائليا للإشراف على المراكز الهامة وحتى تعيين الديبلوماسيين والأعوان بها. و تفاقمت هذه الظاهرة في الدول التي تسيطر عليها أنظمة مستبدة و التي لا تأبه بمصالح البلاد و مستوى تمثيلها بالخارج.

أما في البلدان المتقدمة فإن هذا التداخل بين السياسة و الديبلوماسية فقد ضبطته قوانين و أعراف. وعلى سبيل المثال فإن التمثيل الديبلوماسي و القنصلي التونسي قد اتخذ منعرجا خطيرا في عهد الرئيس السابق بن علي، حيث أصبح الحزب الحاكم و الأسرة الحاكمة هما الجهة التي تقترح السفراء والقناصل و تجاوزت نسبة غير الديبلوماسيين في المناصب القيادية بالبعثات ثمانين بالمائة. بينما لم تتجاوز هذه النسبة عشرة بالمائة في أعتى الدكتاتوريات في العالم.

و مع الأسف فإن هذه الممارسات تكثر خاصة في الدول المتخلفة التي لا تحترم فيها أية قوانين أو أعراف، و تصبح مصلحة النظام و الأسرة الحاكمة هي المحرك لكل تصرف على الصعيدين الداخلي والخارجي. و يكثر عندئذ الفساد و تطغى المصالح الشخصية على مصلحة البلاد و في علاقتها الاقتصادية و السياسية بالبلدان الأخرى.

إذن يتعين على الدول التي تحترم شعوبها و بلدانها أن تحافظ على ديبلوماسية محايدة لا تتأثر بصفة عميقة بمصالح الأحزاب و السياسيين المتنفذين لتحافظ على مصالح البلاد و أمنها وعلاقاتها الاقتصادية بالأطراف الخارجية.

ذلك أن خلط السياسة بالديبوماسية يعتبر كارثة على صورة البلاد و ثقة الأجانب في مصداقيتها وجديتها و يصبح التعامل معها يشوبه الحذر و انعدام الثقة.

صلاح الدين الجمالي

كاتب دولة سابق للشؤون المغاربية و الإفريقية

سفير سابق

Pas de commentaires

Laisser un Commentaire