رحم الله أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح

 

بقلم السفير السابق بالكويت: محمد إبراهيم الحصايري

حين انتقل أمير دولة الكويت الأسبق الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح إلى جوار ربّه في 15 جانفي 2006، ولم يكن بإمكان وليّ العهد الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، صحيا، أن يضطلع بأعباء الحكم، كان لا بدّ من اختيار أحد عمداء الأسرة الحاكمة للحلول محلّه، وقد وقع التوافق على الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الذي زكّاه مجلس الوزراء في 24 جانفي 2006 ثم بايعه أعضاء مجلس الأمة الكويتي بالإجماع في 29 جانفي 2006 أميرا للبلاد…

ولم يَأْتِ هذا الإجماع من باب الصدفة، وإنّما أتى لما يتمتّع به الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح من خصال ومناقب…

وأذكر أنّ إحدى الصّحف الكويتية أفسحت للسفراء المعتمدين بالكويت المجال لتهنئة الأمير الجديد على صفحاتها، فاخترت أن أصدّر تهنئتي بالبيتين التاليين من قصيدة شهيرة لأبي العتاهية:

أَتَتــهُ « الإمارةُ » مُنقادَةً **** إلَيـــهِ تُجَــــرِّرُ أَذيــالَهــا

وَلَــم تَـــكُ تَصلُحُ إِلّا لَـهُ **** وَلَــم يَــكُ يَصلُـحُ إِلّا لَـها

ولتعداد البعض من خصال الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ومناقبه فقد عدت إلى كتاب جمع بين الفخامة والضخامة صدر عنه في ثلاثة أجزاء في جانفي 2004 بمناسبة مرور 40 سنة على تولّيه منصب وزير الخارجية تحت عنوان « سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح: عميد الدبلوماسية في العالم »…

ومن أهم الملاحظات التي ساقها مُؤَلِّفُ الكتاب رياض عبد الله ملا محمد في المقدّمة عن الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الملاحظات التالية:

  • أنّه يتمتع باحترام كبير على المستوى الإقليمي والدولي، ونجح نجاحا كبيرا في تطوير العلاقات الثنائية بين الكويت ودول العالم واستطاع إيجاد قنوات اتصال كثيرة للتعاون الدبلوماسي الكويتي مع مختلف الدّول على الخريطة…
  • أنّه اختار سياسات تحفظ خيط اللّقاء مع الجميع وتنبذ خيوط الفراق… فالكويت لا تريد إغضاب أحد ولا التعارض مع أيّ سياسة، ولا التناقض مع أي توجّه…
  • أنّه ظهر، في المفاوضات الدبلوماسية التي تكون الكويت طرفا فيها، على أنّه رجل دولة وسياسيّ من طراز متميز… وأنه يمتلك ذكاء حادّا في إدارة أيّ نوع من المفاوضات حتى إنّ البعض أطلق عليه صفة « المفاوض الصعب »…
  • أنّه يعمل بطاقة كبيرة… وهو في كلّ لقاءاته يكون ذهنه حاضرا ودقيقا في الحديث، كما إنه منصت جيد ويستطيع بقدرة فائقة أن يدير الحديث لمصلحة ما يراه…
  • أنّ سياسته هي الحوار والدبلوماسية الهادئة كما إنّه يتمتع بجرأة غير عادية…
  • أنّه قويّ الشخصية ودبلوماسي من الطراز الأول، يصارع في ميادين السياسة الدولية لصالح قضايا وطنه وأمته العربية والمعتركات السياسية التي تدور في العالم…
  • أنّه يزن كلّ كلمة ويعرف ما يقال وما لا يقال وأنّه يتمتع بحزم كبير… ويتدخل في الوقت المناسب لحسم أمور الجدل على الساحة السياسية.
  • أنّه يحمل من بين ما يحمل « همّا كبيرا » هو استقرار منطقة الخليج باعتبار الكويت إحدى لبناتها الفاعلة والمتأثرة بأي اهتزازات فيها، ولذلك حرص على بناء علاقات تقارب وتعاون مع إيران، قائمة على رؤية بعيدة المدى لخدمة المنطقة وتأمين مصالحها في كلّ ما تشهده من توتّر عسكري واحتقان سياسي.
  • أنّه يؤمن بأنّ سلامة منطقة الخليج رهن بعلاقات دولها التي يجب أن تعيد النظر بجدية وصراحة من خلال حوار متكافئ لإعادة ترتيب شكل العلاقة ثنائيا وجماعيا فيما بينها بمنظور سلمي تعاوني لا تطغى فيه مصلحة طرف على آخر وتختفي معه الأطماع خاصة بعدما تعرضت له المنطقة من مخاطر وما أصابها من اهتزاز أمني وعمليات ترويعية وتخريبية لم تسلم منها أغلب الدول الخليجية وإن كان نصيب الكويت الأكثر…
  • أنّه يرى أنّ إعادة ترتيب البيت الخليجي مسؤولية يتحمل عبئها مجلس التعاون الخليجي وجمهورية إيران الإسلامية بشكل أساسي ورئيسي ومباشر… مما يتطلب التشاور والتنسيق المستمر والدائم فيما بينها بانفتاح وتكافؤ كما يتطلب توفير مناخ صحّي يؤكد على ثوابت ومبادئ الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية بما يكفل المصالح المشتركة وينزع فتيل التوتر ويدعو للاستقرار السياسي والاجتماعي المدعوم بالنوايا الصادقة نحو بناء علاقات متطورة ومستقرة في اتجاه البناء ونبذ الأطماع.
  • أنّه، عربيا، اختطّ لسياسة الكويت خطا حكيما تجاه الدول العربية مكرّسا إيمان الراحل عبد الله السالم المبارك الصباح بأنّ الكويت « بلاد العرب »، فهو يرى في انتماء الكويت العربي واجبا قوميا وأصيلا، لذلك لم يتخلف عن نصرة جميع القضايا العربية…
  • أنّه يقول في هذا السياق إنّ « الكويت لم تكفر سابقا بعروبتها ولا حاليا، نحن عرب وسنبقى عربا ولا خير فينا إذا لم نؤمن بعروبتنا ».
  • أنّ هذا النفس العروبي يتجلّى بشكل أكثر وضوحا حينما نعلم أن استصدار أهم مطبوعة عربية ثقافية على الإطلاق في الوطن العربي استطاعت أن تجمع العرب حولها من البحر إلى البحر ونعني بها مجلة « العربي » تم بتوجيهات مباشرة منه عندما تسلم مسؤولية دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل ودائرة المطبوعات والنشر عام 1955.
  • أنّه يُحْسَبُ له في بواكير عمله السياسي أنّه ربط بلاده بنشر الثقافة في محيطها العربي وكانت بحق أحد الاجنحة التي حلّقت بالكويت عاليا وأسهمت في خلق بعد يعوّضها عن المساحة الجغرافية الصغيرة…
  • أنّه، على العموم، واجه بنجاح خضم الحياة السياسية بلا خوف ولا وجل ومن دون تردّد واندمج في صميم الواقع وكرس حياته منتصرا لمبادئ وأفكار وقيم أصيلة فقد اعترك الحياة فمنحته الاستنارة والفطنة والقدرة على ترويض النفس على مواجهة الواقع بكل مرارته وسلبياته والقدرة على تغيير شكله، وتوصل إلى خصال قلما حصل الناس عليها، وَازَنَ بين الذاتية والموضوعية، وبين الشكل والمضمون وبين ظواهر الأمور وبواطنها…
  • أنه دؤوب في تحديث الدولة وتطويرها ويقول في هذا المجال « التنمية هي للإنسان قبل أي شيء اخر ».

وخلاصة القول كما جاء في المقدمة أنّ « سياسة الكويت تطبّعت بطبع الشيخ صباح الأحمد الذي يؤمن بالإبقاء على شعرة معاوية مع الكلّ وبمقولة « اكسب الأصدقاء قدرما تستطيع، فإنْ لم تستطعْ فلا أقلّ من تحييدهم »…

وفي رأيي، فإنّ الشيخ صباح الأحمد استطاع بالفعل أن يطعّم رؤيته السياسية بخصاله ومناقبه وأن يترجمها إلى واقع عندما أتيحت له فرصة قيادة البلاد كرئيس لمجلس وزرائها في مرحلة أولى، ثم كأمير لها في مرحلة ثانية…

وأنا إذ أتقدّم إلى الشعب الكويتي الشقيق بأصدق عبارات التعزية والمواساة، فإنني أسأل الله أن يتغمّد الشيخ صباح الأحمد صباح الأحمد الجابر الصباح بواسع الرحمة والغفران وأن يسكنه فراديس الجنان وأن يسدّد خطى خلفه الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وأن يعينه على مواصلة السير بدولة الكويت الشقيقة على درب المزيد من الرقي والازدهار، وأن يلهمه متابعة الإسهام في كل ما من شأنه أن يسهم في الخروج بالعالم العربي من شدّته الراهنة…

م.ا.ح

تونس في 01/10/2020

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer