سوريا: نهاية حرب وبداية صراعات

د. ناصيف حتي

تراجعت قوة « الحروب » السورية على الأرض، ولو أنها قد تشهد تصعيدا » مقيّدا » في المكان والزمان هنا وهناك. وبدأ التغيير الاساسي الحاصل، ولو البطيء في التنفيذ في قواعد اللعبة الجديدة، التي من أبرز مظاهرها القبول من الخصوم الدوليين والإقليميين للنظام في سوريا أن العملية السياسية، عبر آلية اللجنة الدستورية سيشارك فيها النظام، وان الإشراف الفعلي على العملية سيكون من نصيب مجموعة سوتشي المكوّنة من روسيا وتركيا وإيران.
استقرّت معادلة قوامها ان النظام لم يخسر الحرب ولكنه لم يربح السلام. سيشارك النظام في صنع السلام، ولكن ضمن أفضل سيناريو قد يتصوره في ما يتعلق بالسلام في المستقبل، لن يكون الوضع كما كان قائما » قبل عام 2011.
في سياق قواعد اللعبة الجديدة، دعا وزير الخارجية الفرنسي لاقامة اتصال وحوار بين « ثلاثي » سوتشي والمجموعة الخاصة بسوريا المكوّنة من دول عربية وغربية. ونشهد اليوم تطبيعا » تدريجيا »، وبسرعات مختلفة، عربي ودولي مع النظام في سوريا، وحديث جدي عن عودة سوريا الى جامعة الدول العربية وتوقيت هذه العودة كأن تحصل قبل القمة العربية في تونس أو خلالها.
في ظل هذه التحولات الحاصلة نرى صراعات عسكرية وسياسية حول سوريا:
1. صراع إسرائيلي إيراني: من أبرز مظاهره ازدياد كثافة وحجم الهجوم الإسرائيلي الجوي على « القواعد الإيرانية وحلفاء إيران » في سوريا بهدف منع تعزيز هذا الوجود العسكري الإيراني والحليف لإيران في سوريا وتحت عنوان إسرائيلي تدعمه واشنطن، وهو عدم تحول سوريا إلى « لبنان آخر ». مخاطر هذا الصراع أنّه قد يمتّد الى لبنان بشكل او بآخر في إطار تصعيد المواجهة بين الطرفين. من الوهم التفكير أنّه يمكن إخراج إيران كليا » من سوريا عبر العمل العسكري، الذي يبقى رسالة في كافة الاتجاهات للتفاوض اللاحق ضمن صيغ مختلفة حول حجم الوجود الإيراني في سوريا الغد. وكل خصوم وأعداء إيران يتفقون في أنّ تقييد وتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا يمرّ عبر البوابة الروسية.

2. توتّر إيراني روسي لم يعد مخفيّا ». وإن « سكت » الإيرانيون عن التفاهم الروسي الإسرائيلي في ما يتعلق بجنوب غرب سوريا، وتحديدا » في الجولان، بغية إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عام 2011؛ لكن الغضب الإيراني انفجر مع الصمت الروسي تجاه الهجمات الإسرائيلية وعدم الردّ عليها بشكل او بآخر من قبل روسيا في سوريا.
لم يسكت الروسي عن هذا الأمر، إنما وجّه الروس رسالة إلى إيران عبر نائب وزير الخارجية قوامها أنّ « روسيا ليست حليفة لإيران في ما يتعلق بوجودها في سوريا وأن أمن إسرائيل أحد أهمّ الأولويات الروسية ». إنّها بداية انكشاف الاختلاف في الأهداف مستقبلا »بين « الحليفين » الروسي والإيراني في سوريا: حليفان في الدفاع عن النظام.
3. استياء روسي من تركيا في ما يتعلق بعدم احترام هذه الأخيرة للتفاهم حول إدلب، وقلق من تصريحات تركيا بشأن هدف الامساك بشرق الفرات تحت عنوان محاربة « الإرهاب » الكردي محاولة إقامة وتعزيز منطقة نفوذ تركي في شمال وشرق سوريا. وهنالك اجتماع تنسيقي تركي روسي بغية حلّ الخلافات حول إدلب.

4. قلق واستياء عربي خاصة من طرف « الرباعي » العربي بشأن محاولة تركيا تحت عنوان إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، عبر إحياء اتفاق أضنة لعام 1998 بين تركيا وسوريا العمل على « تتريك » أمني وسياسي مفتوح على مجالات أخرى لمنطقة الشمال السوري. روسيا تريد من خلال الدعوة الى تفعيل هذا الاتفاق تشجيع تطبيع العلاقات السورية التركية، فيما تشجّع الاكراد للحوار مع النظام في دمشق.
5. ازدياد حدّة الصراع الغربي العربي مع إيران عشية انعقاد مؤتمر وارسو تحت عنوان مواجهة إيران والمسرح الأساسي لهذه المواجهة يبقى سوريا، فيما تدعو مجموعة دول سوتشي إلى اجتماع لها في الوقت ذاته لإطلاق المسار التفاوضي في سوريا.

رسائل متبادلة وتقاطع وصراع مصالح: إنّها حروب تقاسم قالب الحلوى السوري مستقبلا ». هي لعبة الأمم التي دفع ويدفع السوريّون ثمنها: ثمن لعنة الجغرافيا السياسية التي كرّسها الموقع الاستراتيجي الجذّاب لبلدهم.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer