شؤون جيو-سياسية وفي اللّيلة الظّلماء يُفْتَقَدُ البدرُ

بقلم: محمد إبراهيم الحصايري

هذا العنوان تعبير أدبي بليغ عن موضوع جيوسياسي بالغ الأهمية.

أما اللّيلة الظلماء فالمقصود بها جائحة الكورونا والاجتياح العثماني الجديد لليبيا، وأما البدر المُفْتَقَدُ فهو « العمل المغاربي المشترك«  في مواجهتهما.

والمزج بين الشعر والسياسة مُتَعَمَّدٌ، لأنّ كلامي عبارة عن مراوحة بين ما هو كائن وما يُفْتَرَضُ أن يكون، وهو بالتّالي قد يكون نوعا من أدب الخيال السياسي الذي قد يتحقّق وقد لا يتحقّق، ولكنّه يظل تمرينا من الضروري ممارسته بين الفينة والفينة حتى تظل الفكرة حيّة ويظلّ المشروع نابضا

ومما يشجّع على الخوض في هذا الموضوع الآن، كثرة المقالات التي ظهرت في تونس وفي الدول المغاربية متحدّثة عن غياب « اتحاد المغرب العربي » في هذا الزّمن العصيب الذي تألّبتْ فيه عليه وعلينا الجائحة والاجتياح.

وهذا الغياب لم يكن مفاجئا بالنسبة إليّ، فلقد سبق أن قلت إنّ اتحاد المغرب العربي مات سريريا منذ سنوات، ويبدو أن فيروس كورونا أصاب جسمه المتهالك فأجهز عليه وفتك به، فلم نسمع له حشرجة ولا أنينا، ولم يبق أمامنا إلاّ إعلان وفاته، ودفنه والبحث عن بديل له

وتأسيسا على ذلك، فإنّنا لم نشهدْ ولا نطمع في أن نشهَدَ الآن ما كان يُؤَمَّلُ أن يكون بين الدول المغاربية من تعاون وتضامن في مواجهة أزمتي الجائحة والاجتياح.

وإذا كانت الدّول المغاربية، إلى حدّ الآن، اختارت واستطاعت، بنسب متفاوتة من النجاح، أن تتعاطى فرديا مع إكراهات الأزمتين، فإنّ ما بَعْدَهُمَا سيكون، كما تُجْمِع على ذلك التحاليل والتوقّعات، أخطر وأشدّ وطأة عليها وعلى المنطقة ككلّ.

إنّ المؤكّد، في نظر المحلّلين وخبراء الاستشراف، أنّ الدّول المغاربية ستجد نفسها بعد انقشاع الجائحة، وانجلاء غبار الاجتياح، وجها لوجه مع تحدّيات داخليّة وخارجيّة جسيمة، تحتاج في التعاطي العقلاني الرّشيد معها إلى قدر كبير من التعاون والتنسيق والعمل المغاربي المشترك.

فما كشفت عنه جائحة الكورونا في الدول المغاربية من نقائص ومظاهر خلل عديدة، وما اتّخذته مختلف الحكومات من إجراءات صارمة لمواجهتها (الحجر الصحّي، والتباعد الاجتماعي، ووقف العمل في العديد من القطاعات ومنع التنقّل في الداخل وإلى الخارج ومنه…)، ستكون لهما مضاعفات ثقيلة وبعيدة المدى على اقتصاداتها التي تعاني أصلا من صعوبات هيكلية عميقة ومزمنة، وعلى أوضاعها الاجتماعية الهشّة والتي ستزداد هشاشة، مما سيُلْهِبُ المطالبات والحركات الاحتجاجية، وقد يؤدي إلى تأجّج، وربّما تجدّد الحراكات الشعبية التي ستنضاف إلى مطالبها السياسية مطالب تتعلّق بتأمين الحدّ الأدنى من الخدمات الأساسية (خاصة على صعيد الرعاية الصحية والاجتماعية)  التي لا كرامة للإنسان في غيابها، وفي حضور درجة مجحفة ومستفزة من التفاوت بين الطبقات والمناطق وبين المراكز والهوامش.

وفي هذا الإطار فإنّ الانكماش الذي ستعرفه العديد من القطاعات الحيوية (على غرار قطاع الاستثمار، وقطاع التجارة الدولية، والقطاع السياحي وقطاع النقل خاصة بالنسبة إلى تونس والمغرب)، لا سيما في ظل الركود الذي يُتَوَقَّعُ أن يصيب الاقتصاد الأوروبي خلال الفترة القادمة، سيؤدّي حتما إلى تفاقم مشكلة البطالة وارتفاع معدّلاتها خاصة بين صفوف الشّباب.

ثم إنّ اضطرار الحكومات المغاربية إلى مراجعة ميزانياتها وإعادة توزيع اعتماداتها لزيادة الإنفاق على قطاعي الصحة والرعاية الاجتماعية سيفضي حتما إلى إرجاء العديد من المشاريع الهامة وتأجيل العديد من الإصلاحات الضرورية.

أما على الصعيد السياسي، فإن ما يخشاه الملاحظون هو أن تدخل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الشامل، لا سيّما إذا أصرّت الأنظمة الحاكمة التي استفادت من جائحة الكورونا في تعزيز سلطاتها، وفي فرض ما اتخذته من إجراءات قسرية استثنائية على شعوبها، على الاستمرار في نفس النهج مستقبلا، مما قد يدفع الحراكات الشعبية، بعد انقشاع الجائحة، مع مزيد من التجذّر والتشدّد.

على أن الأخطر من ذلك هو أن الاجتياح العثماني الجديد لليبيا وما رافقة من تكاثر في عدد الأطراف الإقليمية والدولية المتدخلة في الصراع، ومن نقل لآلاف المرتزقة والإرهابيين الذين عاثوا فسادا في سوريا وفي المشرق العربي إلى ليبيا، ينذر بأن المأساة السورية المستمرة منذ عشر سنوات قابلة للتكرار في ليبيا وما حولها. وهذا ما سيضع الحكومات المغاربية بين نارين، لأنّها قد تضطرّ إلى ترجيح كفة الاعتبارات الأمنية على كفة الاعتبارات الاجتماعية، في إعادة توزيع ميزانيتها المتقلّصة.

وبناء على كلّ ما تقدم من معطيات ومن توقّعات، فإنّه سيكون من أبجديّات العقلانية السياسية والتصرف الرشيد، في رأيي، أن يتمّ سريعا التحرّك من أجل إعادة تحريك الفكرة المغاربية، والعمل على إخراجها الى حيّز الوجود الفعلي، حتى يتسنى للدول المغاربية الصمود في وجه المخاطر التي تهدد مستقبلها ومستقبل فضائها المشترك والفضاءات المحيطة به…  

وقد يقول البعض إنّ جميع المحاولات السابقة آلت إلى الفشل رغم أنّ أوضاع الدول المغاربية ربما كانت أفضل مما هي عليه اليوم.

والردّ على هذا القول هو أن الأوضاع المتدهورة الراهنة هي التي تستوجب عملا مغاربيا مشتركا من أجل التعاون على وقف تدهورها، ثم إنّ فشل المحاولات السابقة لا يعود إلى فساد الفكرة وإنما إلى فساد الأسس التي تم بناؤها عليها.

إنّ الوعي بأنّ مخاطر المرحلة القريبة القادمة ستصيب الجميع، دون استثناء، تجعل التفكير في التغلّب على الخلافات القائمة أمرا محتوما، ولا مناص منه، إنْ لم يكن من أجل تعظيم المغانم فعلى الأقل لتقليل المغارم.

وهنا ينبغي أن يطرح المغاربيون على أنفسهم السؤال التالي وأن يجيبوا عليه بكل صدق وتجرّد: ألم يحن الوقت لحلّ مشكل الصحراء الغربية الذي مرّت عليه خمس وأربعون سنة، والذي ما فتئ يعرقل العمل المغاربي المشترك، بعد أن تأكّد أنّ العمل جَارٍ على قدم وساق من أجل تقسيم ليبيا كمرحلة أولى نحو تقسيم بلدان مغاربية أخرى وفقا لخرائط مرسومة على الورق منذ عشرات السنين، ولا تنتظر الا اللحظة المواتية لتجسيمها على الأرض

إنّه لَمِنَ السّريالية السياسية حّقا أن نصر على التمادي في نفس الأخطاء، وأن نستمر في محاولة تقسيم بلدان بعضنا البعض، ونحن مستهدفون بالتقسيم، وفي شعوبنا « سَمَّاعون«  لمن يريدون تقسيمنا ويخطّطون له ويعملون من أجله.

إنّ الوقت حان، في أفق الاستحقاقات الأمنية الخطيرة القادمة لدخول الفضاء المغاربي في طور جديد من التجميع والتوحيد، والخروج من طور تكريس التفريق والتقسيم، فـلا شيء غير ذلك يمكن أن يجعل من المنطقة المغاربية شيئا مذكورا، في المعادلات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.

م.ا.ح

تونس في 30/05/2020

 

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer