شؤون جيو-سياسية: وَقَى اللهُ لبنانَ شرَّ الانفطار بعد الانفجار!

بقلم: محمد إبراهيم الحصايري

مؤلمة ٌ ومحزنةُ ٌ حقّا هي الكارثة التي حلّت بلبنان الذي فيه من الجنّة روائحُ، بالانفجار أو التفجير الذي زلزل مرفأها يوم الثلاثاء 04 أوت الجاري والذي اعتبر  أكبر انفجار أو تفجير غير نوويّ على مرّ التاريخ.

والمؤلمُ والمحزنُ أكثر أنّ لبنان الجريح والمنهك أصلا بتألب الفساد المستشري والحصار الخانق عليه، بات منذ اللحظات الأولى للانفجار أو التفجير الذي قد يعرف سببه وقد لا يعرف، وقد يكشف عنه وقد لا يكشف، بمثابة الفريسة التي تكالبت عليها « إرادات شرّيرة » كالوحوش الضارية من كل حدب وصوب محاولة جرّه إلى حيث تريد ولا يريد من الشرور المركّبة المستطيرة… إلى الانفطار وقاه الله شرّ الانفطار…

وقد تجسّدت هذه « الإرادات الشرّيرة » في عدّة مظاهر لعل من أبرزها التالية:

أوّلا: مسارعة القوى الداخلية والخارجية المعادية لحزب الله خاصة ومحور المقاومة عامة إلى مهاجمة الحزب الذي اجتهدت سنوات طويلة حتى تمكّنت من وصمه دوليّا وعربيّا بالإرهاب، فكالت له التّهم وحمّلته وزر ما حدث، دون أيّ دلائل أو قرائن…

وبالرغم من أنّ الأمين العام للحزب اعتبر اتّهام حزبه بالمسؤولية عن الانفجار « تجنِّيًا كبيرا جدّا »، ونفى بشكل « قاطع وحاسم وحازم » وجود أيّ صواريخ أو مواد للحزب في أيّ مخزن بالمرفأ لا في الماضي ولا في الحاضر »، فإنّ هذه القوى ماضية قدما في استغلال هذه الفرصة النادرة المواتية من أجل الإمعان في تشويهه وتقليم أظافره.

وما أشبه ما يجري اليوم بما جرى البارحة على إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فيفري 2005 إذ سارعت نفس القوى باتهام سوريا عن الاغتيال واستغلّت الفرصة لإرغام قواتها المرابطة في لبنان على مغادرته، وها هي ذي الآن تعيد الكرّة فتكثّف ضغوطها حتى ترفع الغطاء الرسمي عن حزب الله وعن « ​المقاومة​ ».

ولا بدّ هنا من أن نلاحظ أنّ هناك ارتباطا ما بين واقعة الاغتيال وبين واقعة الانفجار أو التفجير الذي يرى البعض أن إشعال فتيله أتى في توقيت مُريب، إذ أنه جاء قبيل صدور حكم ​المحكمة الدولية الخاصّة بالاغتيال… وهو حكم كانت القوى الداخلية والخارجية المعادية لحزب الله تؤمل أن يدين الحزب وحليفه السوري في آن واحد…

وأحسب أنّ هذه القوى علمت بمضمون الحكم قبل صدوره، فخيّب الآمال التي علّقتها عليه سنين طويلة، إذ أنّه كما تبيّن، يوم الثلاثاء 18 أوت 2020، برّأ ثلاثة من المتهمين الأربعة، وأكد أنه « لا يوجد دليل على ضلوع قيادة حزب الله أو سوريا في التفجير »، ولأنها لا تريد للقبضة الممسكة بخناق حزب الله أن ترتخي، تحرّكت، فكان الانفجار وكان الاتهام الجديد…

ثانيا: الإجماع « الباهر » الذي نشأ منذ البداية بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والدول الغربية (وكالعادة البعض من دول الخليج التابعة) التي طالبت بأن يكون التحقيق في الواقعة « ​تحقيقا دوليّا » وبأن تتولى القيام به أو الإشراف عليه أو المشاركة فيه.

وقد وصل بها الأمر إلى حدّ الربط بين تقديم المساعدات وبين تدويل التحقيق، تحت ذريعة الحرص على شفافيته ونزاهته.

ومع أنّ الدولة اللبنانية رفضت السير في هذا المسلك الوعر الخطير، فإنّها تعهّدت بالاستعانة بخبراء دوليين في إنجاز التحقيق، والكشف عن ملابسات الانفجار أو التفجير.

وقد أثار هذا الاجماع « الباهر » استغراب البعض خاصة وأن الانفجار أو التفجير يلفّه الغموض في ظل تضارب التكهّنات بأسبابه وأنّ جملة من المؤشرات تشير إلى أنّه قد يكون مدبّرا ومفتعلا، وليس من المستبعد إن لم يكن من الأرجح أن لإسرائيل يدا فيه وما الحرص على تدويل التحقيق إلا محاولة للتشويش على سيره بهدف التغطية على الدور الاسرائيلي فيه.

ومما يوحي بذلك التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب​، ثم تراجع عنه تحت ضغط البنتاغون والذي قال فيه « إنّ سبب الانفجار هجوم بقنبلة »،

ثالثا: العمل المنسّق والممنهج من قبل نفس الأطراف على عدم الاعتراف بالدولة اللبنانية بل على « إلغاء وجودها »، إذ أنّها اشترطت، وقامت بذلك فعلا، أن توصل المساعدات التي قدمتها مباشرة إلى « الشعب اللبناني »، وإلى الجمعيات الأهلية والمدنية وإلى خلية الأزمة التي تعمل على الأرض، وليس إلى الحكومة.

ويبدو ان الدولة اللبنانية التي هزّ الانفجار أو التفجير أركانها لم تكن تملك إلا الرضوخ أمام هول الكارثة وفداحة الخسائر التي نجمت عنها والتي قدرت بما بين 10 و15 مليار دولار…

رابعا: عودة الأهداف القديمة الجديدة التي تريد هذه الأطراف تحقيقها إلى الطفو على السطح بقوة، ويتعلق الأمر بالإضافة إلى نزع سلاح ​حزب الله ولو عنوة، بتوطين اللاجئين الفلسطينيين​، ودمج ​النازحين السوريين في ​المجتمع اللبناني​، وتغيير مهام قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان « اليونيفيل ».

خامسا: ارتفاع أصوات الأقوام الذين يحنّون في لبنان (كما في غيرها من بلاد العرب) إلى زمن الوصاية والحماية والاستعمار… فلقد هتفوا خلال التحامهم بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في شوارع بيروت، بــ »تحيا فرنسا » وباللغة الفرنسية بينما نادت بعض المنصّات بوضع لبنان تحت انتداب فرنسي جديد، كبديل عن النظام اللبناني الفاسد…

سادسا: التسابق المحموم لا سيما بين كل من تركيا والإمارات العربية المتحدة على إعادة بناء مرفإ بيروت، لا رأفة باللبنانيين، وإنما بهدف السيطرة عليه، لا سيّما وأنّه أحد أهم موانئ شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو من الموانئ المستهدفة في إطار الصراع الإقليمي والدولي المحتدم من أجل التّموقع في البحار والمحيطات بما يتلاءم مع المتغيّرات الجيو-سياسية والجيو-استراتيجية المتسارعة على الساحة العالمية.

كل هذه التحركات متضافرة مع الحصار الأمريكي المضروب على لبنان، ومع الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ما فتئت تتفاقم وتزداد حدّة منذ انطلاق الحراك اللبناني المتواصل منذ شهر أكتوبر 2019، والذي عاد الى التأجج بعد الانفجار ومع تداعيات فيروس كورونا التي زادت الأوضاع سوءا، تنذر بأن لبنان يقف على أبواب مرحلة في غاية الصعوبة والخطورة…

ولا أحد يجادل في أنه من الطبيعي أن تعمّ لبنان، بعد الانفجار أو التفجير، موجة غضب عارمة أدّت فيما أدّت إليه إلى مواجهات في وسط العاصمة بين القوى الأمنية وبين المحتجين الذين خرجوا للتظاهر تحت شعار « دفن السلطة أولا«  و نادوا بإسقاط النظام ومحاسبة الجناة المسؤولين عن الفاجعة.

وبالفعل فإنّ موجة الغضب الشعبية أرغمت الحكومة اللبنانية على الاستقالة، وقد بدا رئيسها أكثر غضبا من الشعب نفسه إذ قال في بيانه بالمناسبة إنّ « منظومة الفساد متجذّرة في كل مفاصل الدولة »، وأنّه اكتشف أنّها « أكبر من الدولة، وأنّ الدولة مكبّلة بها ولا تستطيع مواجهتها أو التخلص منها« ، قبل أن يلاحظ « أنّ فئة من الطبقة السياسية حاولت رمي كل موبقاتها على حكومته وتحميلها مسؤولية الانهيار ».

ولا شك أنّ تقاطع غضب الشعب مع غضب رئيس الحكومة المستقيل يؤكد حاجة لبنان الوجودية إلى الإصلاح… لكن ليس أي اصلاح وإنّما الإصلاح النابع من الذات لا المفروض من الخارج، فمثل هذا الإصلاح هو وحده الكفيل بإخراج لبنان من شدّته، وبمنعه من السقوط ضحيّة « الارادات الشرّيرة » التي تعمل، بلا هوادة، على إلحاقه بِرَتْلِ الدول العربية المتصدّعة المُنْفَطِرَة التي ما فتئ عددها يتزايد منذ ثورات ما سمّي بــ »الربيع العربي » الذي يتأكّد يوما بعد يوم أنّه لم يكن الاّ صيفا قائضا قاتلا لكل من هبّت عليه رياحه السّموم.

فَوَقَى اللهُ لبنانَ شرَّ الانشطار بعد الانفجار…

م.ا.ح

20/08/2020

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer