شجون جيو-سياسية: « ليكن شعار المرحلة القادمة: لا قمّة عربيّة بدون سوريا »

بقلم السفير السابق محمد إبراهيم الحصايري

« ليكن شعار المرحلة القادمة: لا قمّة عربيّة بدون سوريا« : هذا هو عنوان المداخلة التي ساهمت بها في أشغال الندوة التي احتضنتها صباح يوم السبت 20 جوان 2020 مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات وخصصتها لبحث موضوع « العلاقات التونسية السورية خلال العهد المعاصر » بهدف تجديد « المطالبة بتنقية الأجواء، والعمل على فتح السفارة التونسية بدمشق، والدعوة إلى إرجاع سوريا إلى جامعة الدول العربية« .

وقد لاحظت في مستهل مداخلتي أن الندوة تأتي في اللحظة المناسبة، إذ أنها تنعقد ثلاثة أيام بعد دخول « قانون قيصر » الأمريكي الجائر حيز التنفيذ، مما أعاد « المأساة السورية » المتواصلة منذ ما يناهز العشر سنوات إلى واجهة الأحداث كما لاحظت أن اختيار العنوان يعود إلى أنني أرى أنّ تصحيح الخطأِ الذي ارتكبه العرب في حق سوريا ينبغي أن يبدأ من جامعة الدول العربية التي كانت، في تصرّف خاطئ، علّقت عضويتها في الجامعة بالقرار الذي أصدره وزراء الخارجية العرب، في 12 نوفمبر 2011، والذي تضمّن فرض عقوبات سياسية واقتصادية على الحكومة السورية، وطالب الدول العربية بسحب سفرائها من دمشق، وطرد السفراء السوريين من عواصمها

ولكن وقبل أن تفصيل الحديث عن دواعي اختيار هذا الموضوع، حرصت من باب تأكيد وتوطيد ما جاء في الورقة التقديمية للندوة، على أن أدرج مقتطفات من مقال أدرجه الرشيد ادريس في كتابه « ذكريات عن مكتب المغرب العربي في القاهرة » عن زيارة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى سوريا في أربعينات القرن الماضي.

يقول الرشيد إدريس في هذا المقال:

« قال فخامة الرئيس شكري القوّتلي وهو الرجل الذي كافح من أجل استقلال بلاده فوهبه الله خيرَ نعمة يهبها لأمثاله من الوطنيين الأبطال، إذ مكّنه من مشاهدة عهد استقلال سوريا، وأولاه منصب أوّل رئاسة لجمهوريتها. قال فخامته في ختام الحديث الذي دار بينه وبين الوفد التونسي الذي قابله يوم السادس من أفريل 1948 بقصر الرئاسة متّجها إلى زعيمنا الكبير: إن القضية التي يدافع عنها أمثالك قضية ناجحة ونجاحها قريب لا محالة ذلك أنّ فخامة الرئيس السوري تأثر إلى أبعد حدّ من دفاع الأستاذ بورقيبة عن قضية المغرب العربي، فقد صارحه بحقيقة الحال في بلادنا، وكيف لا يتأثّر من حديث هذا الرجل الذي وهب وطنه حياته مثلما وهبها هو، وهو يقاسي في سبيل هدفه الأسمى ما قاساه فخامته من قبلتذكّر أيام الاحتلال والسّجن والكفاح واستمع إلى المجاهد الكبير يتلو من حديث الظلم والقهر الاستعماري ما تجرّعت سوريا مرارته مدة سنوات طوالثم إنه الرجل العربي ذو العواطف الإنسانية السامية يتأثر حتما لكل ما يحل بأي بلد عربي منكوب.

وإذا كان الرئيس السوري الجليل قد أعرب للأستاذ الكبير وصحبه عن عواطفه وتأييده لهم وللقضية التي يمثلونها فإن الشعب السوري لم يكن بأقل من رئيسه تحمّسا لعرب المغرب فما كاد يحل الأستاذ بورقيبة حتى هرعت الوفود من كبار رجال الفكر والسياسة وأقطاب الصحافة وممثلي الهيئات يهنئونه بسلامة القدوم ويعربون له عن تقديرهم لجهاده ويستفسرون عن حالة تونس وأقطار المغرب العربي، ولم تكن المرأة السورية بأقل شعورا من رجال سوريا الكرام فقد تقدم للزعيم وفد من نساء دمشق يعربن له عن عواطفهن فحدثهن الزعيم عن المرأة في تونس والجزائر ومراكش وكيف شاركت الرجل في القيام بالواجب الوطني حتى سجنت واضطهدت وكيف تتجه اليوم إلى نهضة حقة أساسها العلم والخلق الكريم والشعور القومي السليم.

وشاءت الظروف أن يكون ميعاد حفل تأبين المغفور له سعد الله الجابري رئيس الوزارة السورية سابقا قبيل مغادرة الزعيم بورقيبة ورفيقه الأستاذ الطيب سليم دمشق إلى بغداد وكان المغفور له سعد الله الجابري من أول الرجال المسؤولين الذين وقفوا يؤيدون المغرب العربي في نضاله ويستنكرون الوسائل الاستعمارية التي ترمي إلى إدماجه في الوحدة الفرنسية ومحق كيانه العربي ومن ذا الذي لا يذكر موقفه الرائع يوم أعرب لسفير فرنسا في دمشق عن استنكار الحكومة السورية للسياسة الفرنسية في شمال إفريقيا، وإذ رد عليه السفير بأن فرنسا لا ترضى بأن تتدخل أي كان في شؤون أقطار المغرب لاعتبارها شؤونا فرنسية داخلية أجابه رحمه الله في غير تردد بأن المغرب عربي وللحكومات العربية بشأنه موقف صريح تمليه أواصر الأخوة الدائمة » (انظر « ذكريات عن مكتب المغرب العربي في القاهرة » ص 144/145).

وفي رأيي فإن هذه المقتطفات تبيّن كم هي شاسعة الفجوة بين ما كنا عليه بالأمس وما أصبحنا عليه اليوم. وقد أحببت أن أستهل بها مداخلتي حتى أذكّر بوقفة سوريا التضامنية، قبل الاستقلال، مع كفاح تونس ودول المغرب العربي من أجل التحرر من ربقة الاستعمار، مثلما ذكّرت النبذة التقديمية للندوة بالدور الذي لعبته سوريا، بعد الاستقلال، في تكوين الآلاف من الطلبة التونسيين والمغاربيين في جامعاتها، وذلك من باب ذكّر لعل الذكرى تنفع المؤمنين، ولأن ذلك يمكن أن يعيننا على « الاستفاقة الحضارية » التي دعت إليها النبذة التقديمية، إن لم يكن من منطلق واجب التضامن العربي، فمن منطلق الاعتراف بالجميل السوري الذي تواصل دون انقطاع حتى بداية الأزمة السورية، وأنا أشهد بأن الطلبة التونسيين واصلوا التدفق على الجامعات السورية وبالذات جامعتي دمشق وحلب خلال سنوات عملي في سوريا فيما بين 1997 و2002.

وقياسا على قولة سعد الله الجابري، في آخر المقتطفات، نقول، بدورنا، إن سوريا عربية وموقف الحكومات العربية وبالذات المغاربية منها تمليه أو ينبغي « أن تمليَه أواصر الأخوّة الدائمة« .

وعلى هذا الأساس، ومن هذا المنطلق فإنّ القمة العربية القادمة التي ستنعقد للمرة الثانية على التوالي في منطقة المغرب العربي، وبالتحديد في الجزائر بعد تونس، لا ينبغي أن تنعقد بدون سوريا، وذلك لعدّة أسباب، لعل أهمّها المتغيّرات الجيوسياسية والجيواستراتيجية الهامة التي طرأت، لا سيما خلال الأشهر الأخيرة، على الساحتين الإقليمية والدولية.

إن هذه المتغيّرات تجعل مشاركة سوريا في القمّة القادمة مطلوبة أكثر من أي وقت لا سيما وأنّ جائحة الكوفيد 19 التي تأجلت القمة بسببها كشفت عن عورات النظام الدولي السائد، وخلقت بيئة دولية مختلفة، تستدعي من الدول العربية مراجعة أسلوب تعاملها مع بعضها البعض ومع محيطَيْهَا الإقليمي والدولي، وتحتّم القطع مع مرحلة الانهيار العربي التي أدّت إلى تفاقم الخلافات العربية وخلخلة العمل العربي المشترك، وإلى إغراق العديد من الدول العربيّة في حروبٍ دمويّة، وإلى تعميق ارتهان المنطقة للخارج

ثم إن القمة العربية القادمة ستنعقد بعد إقدام تركيا على التمدّد من المشرق والخليج إلى المغرب العربي من خلال تدخّلها العسكري في ليبيا الذي ينذر بتعقّد الأوضاع في منطقتنا على غرار تعقّدها في المشرق العربي، نتيجة للتدخل التركي في كل من سوريا والعراق قبل ذلك.

ولقد تحدّث الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة مع قناة « روسيا اليوم » نشرت يوم الخميس 05 مارس 2020 عن العلاقات السورية العربية، فقال إن معظم الدول العربية حافظت على علاقاتها مع سوريا ولكن بشكل غير معلن خوفا من الضغوط الغربية والأمريكية عليها.

وهذا القول يشرح أحد أهم الأسباب التي تكمن وراء تردّد الدول العربية أو إحجامها حتى الآن عن إعادة علاقاتها، علانية، مع سوريا، وعن إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

وفي رأيي، فإنّ مآلات الحرب في سوريا متضافِرَةً مع ما كشفت عنه جائحة الكوفيد 19 من عورات، يُفْتَرَضُ أن تحفز العرب على نزع عقدة الخوف من قلوبهم وأن تعيد إليهم شيئا من الشجاعة التي تساعدهم على الإمساك، من جديد، بزمام أمورهم، والتحكّم في مصير دولهم وشعوبهم.

إن الاستراتيجية رباعية الأضلاع الأمريكيّة الإسرائيليّة التركيّة الخليجية التي كانت تستهدف إسقاط النظام السّوري، وتفكيك الدولة الوطنيّة السوريّة وتجزئتها تمكّنت من تخريب سوريا (والعديد من الدول العربية الأخرى)، غير أنها لم تنجح في تحقيق مآربها مثلما يظهر ذلك فيما يلي:

أوّلا/ أنّ استراتيجية « الفوضى الخلاّقة » التي أرادت الولايات المتّحدة الأمريكيّة بها أن تفكّك المنطقة وأن تعيد تركيبها بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، باءت بالفشل لأنّ سوريا استطاعت، بفضل تضافر عدّة عوامل ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، الصّمود في وجهها وإحباطها.

وقد أثبت نجاح سوريا في إجهاض خططها، مرة أخرى، أنّ إرادة الشعوب لا تُقهر، وخلق نموذجا مُلْهِمًا في الصمود بدأت الدول المجاورة تستوحيه، وتنسج على منواله، وقد تجلّى ذلك، مؤخّرا، في مطالبة العراق، بعد أكثر من عقد ونصف العقد من الاحتلال، بجلاء القوات الأمريكية عنه

ثانيا/ أنّ إخفاق الاستراتيجيّة الأمريكيّة في المنطقة إخفاقٌ مضاعَف، لأنّه، من ناحية أخرى، أعطى لروسيا فرصة العودة، بقوّة، إلى منطقة الشرق الأوسط، ومكّنها من استرجاع دورها كلاعب أساسي لا يمكن تجاهله، بعد الآن، في التّعامل مع شؤونها.

ومن المرجَّح أن تفرض عودة روسيا إلى التموقع من جديد في المنطقة العربية ومنها في منطقة البحر الأبيض المتوسّط بحوضيه الشرقي والغربي ميزانَ قوى جديدًا لا في هاتين المنطقتين فحسب وإنّما في العالم كلّه، وهو ما سيتعزّز مستقبلا بفضل التعاون الذي قد يتحوّل إلى شكل من أشكال التّحالف بينها وبين الصّين المتطلّعة، بعد أن باتت تزاحم الولايات المتحدة على المرتبة الأولى عالميا على الصعيد الاقتصادي، إلى أن تتبوّأ المنزلة التي هي بها جديرة في إدارة الشؤون الدولية.

ثالثا/ أنّ الولايات المتّحدة، وإن كانت ما تزال حتّى اليوم القوّة العظمى، عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، وهيمنةً على الأرض والفضاء، فإنّ قوتها الغاشمة بصدد الانحسار نتيجة لتصرّفات رئيسها غريب الأطوار دونالد ترامب الذي رفع شعار « أمريكا أولا » وما انفكّ ينتهج سياسات انعزالية ومغالية في النرجسية والعربدة.

ولعل هذا هو الذي يفسّر نزوعَها، أكثر فأكثر، إلى انتهاج سياسات التّهديد، وفرض العقوبات، وأساليب الحصار والخنق الاقتصادي، ولجوءَها، بشكل متزايد، إلى استخدام الأدوات الاستخبارية في تنفيذ أهدافها، وهو ما هَلْهَلَ السلطة الأخلاقيّة التي كانت تتخفّى وراءها في تبرير تدخّلاتها غير المشروعة في شتّى أنحاء العالم.

رابعا/ أن الرئيس رجب طيّب أردوغان الذي كان يستهدف إيصال « الإسلام السياسي » إلى سدّة الحكم في دمشق حتّى يستطيع التحكّم في نظامها الجديد الذي كان يريد أن يفصّله على مقاس « أطماعه العثمانية« ، أخفق بدوره في تحقيق أحلامه في سوريا. ولذلك التجأ إلى اقتطاع جزء من شمالها الشرقي محاولا إقامة منطقة عازلة فيه بدعوى حماية الحدود التركية من أعدائه الأكرادوفي الحقيقة، فإنّه، كما يؤكّد الملاحظون، يريد من ذلك إقامة شبهِ دُوَيْلة تابعة، يُوَطِّنُ فيها من يختارهم من معارضي النظام السّوري والمتمرّدين عليه الذين لجؤوا إلى تركيا خلال السنوات الأخيرة، وذلك حتى يستخدمها، في مرحلة أولى، كورقة ضغط في أيّ حل سياسي قد يتم الاتفاق عليه مستقبلا لإنهاء الحرب في سوريا، وفي مرحلة ثانية، حتى يجعل منها رأس حربة يستعملها في مناوشة النظام السوري وفي استفزازه المستمرّ، بما يفسح له مجال التدخّل من جديد في الشؤون السورية، ومعاودة محاولاته الرامية إلى فرض سيطرته المباشرة على دمشق، إن تهيأت الظروف المواتية لذلك

ولأنّه يعلم علم اليقين أنّ سوريا لن تسكت على ما يُخَطِّط له، وأنّ الجيش السّوري لن يلبث أن يتفرّغ لإجهاض مخطّطاته بعد أن ينتهي من معركة إدلب، فإنّه، سعيا منه إلى عرقلة تقدمّه، سارع إلى التدخّل العسكري السافر في هذه المعركة التي يدرك أنّها ستكون حاسمة، لأنّها ستقضي نهائيا على بقايا الجماعات الإرهابية والمتطرّفة التي كانت تسيطر على هذه المحافظة، والتي كانت فلولها احتشدت فيها بعد أن تمّ إجلاؤها إليها، بتوافقات مرحلية وتكتيكية، عبر ما سمّي بالممرات الآمنة من المناطق السورية التي تم تحريرها الواحدة تلو الأخرى خلال السنوات الماضية.

خامسا/ أنّ هذا التدخّل العسكري التركي السّافر، علاوةً على أنّه تسبّب في سقوط العشرات من الجنود الأتراك، وهو ما أثار غضب شرائح واسعة من الشعب التركي، (لا سيما وأنّه تزامن مع سقوط عدد آخر من الجنود في معركة طرابلس)، فضح التواطؤ القديم الجديد بين تركيا وبين والقوى المتمرّدة على النظام السوري والجماعات الإرهابية والمتطرّفة، بما في ذلك تنظيم « الدولة الإسلامية في العراق والشام« ، حيث بات من الثابت أنّها قامت، بالتعاون مع الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل والدول الخليجية، بدعم هذه الجماعات بشتّى الطرق، ومن ذلك خاصة أنّها فتحت أبوابها على مصراعيها أمام « المقاتلين الأجانب » الذي تقاطروا، عبر المطارات والأراضي التركية، على سوريا قادمين إليها من  جميع أنحاء العالم

سادسا/ أنّ لخسارة الرئيس رجب طيب أردوغان من تدخّله في معركة إدلب وجها آخر، فهذا التدخّل فتح عيون العالم، أيضا، على الطريقة الماكيافيلية الفجّة التي ما فتئ يستخدم بها اللاجئين السوريين إلى بلاده في ابتزاز الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية التي يريد منها أن تقف إلى جانبه وأن تدعم خططه العدوانية في سوريا، وقد تجلّى ذلك مؤخرا في السماح للآلاف من هؤلاء اللاجئين الراغبين في الهجرة إلى أوروبا بالاحتشاد على الحدود التركية اليونانية، وهو ما جعل بعض الأوروبيين يعتبرون هذا التصرّف بمثابة « إعلان حرب« ، ويطالبون بتحويل الدعم الذي يُقَدَّمُ لتركيا إلى سوريا، حتى تتمكن من القضاء على ما تبقى  من الجماعات الإرهابية والمتطرّفة، وتشرع في عملية إعادة الإعمار بما يشجّع مواطنيها في تركيا على العودة إليها، بدلا من المخاطرة بأرواحهم في محاولة الهجرة الى أوروبا.

سابعا/ أن إسرائيل التي عملت بكل ما في وسعها على تأجيج نيران الحرب في سوريا، من خلال دعم الجماعات الإرهابية والمتطرّفة وتحريضها على نشر الفوضى وإشعال مختلف أشكال الصراعات الطائفية والمذهبية بين السوريين، فشلت بدورها في إسقاط الدولة السورية، وإرغام دمشق على التسليم وقبول السلام الإسرائيلي، كما قبلته مصر والأردن من قبل. ومع أنها استطاعت بالحرب أن تنهك الدولة السورية، وأن تسرّع، في الأثناء، وتيرة التقارب والتطبيع مع بعض الدول العربية وخاصة الدول الخليجية المرعوبة من التمدّد الإيراني في المنطقة، فإنّ ما لم تحسب له حسابا هو التداعيات الجانبية للحرب التي أتاحت لعدوّتها اللّدود إيران أن تتموقع في سوريا، مما جعلها، بشكل من الأشكال، مجاورة لها جوارا مباشرا.

ثامنا/ أنّ الحرب في سوريا، والحرب التي سبقتها في العراق، أدّتا إلى توثيق الترابط، حاضرا ومستقبلا، بين طهران وبغداد ثم دمشق بصورة غير مسبوقة، وسيكون على إسرائيل التعامل مع هذا المُتَغَيِّر الذي أضفى على الوضع في المنطقة تعقيدات إضافية، وخلق واقعا جيوسياسيا وجيواستراتيجيا جديدا، بات عليها أن تتعامل معه وأن تعمل لا فحسب على احتواء تهديدات حزب الله اللبناني الذي شارك بدوره في الحرب في سوريا، وإنّما أيضا على احتواء تهديدات « راعيته » إيران نفسها.

تاسعا/ لأنّ هذا الواقع الجديد تزامن مع قرار الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب التقليصَ من وجود القوات الأمريكية المُكلف في المنطقة، ومع إحجامه عن التورّط في ضرب إيران، مثلما تريد ذلك إسرائيل وبعض الدول الخليجية، فإنّه من غير المستبعد أن يضع ذلك إسرائيل في مواجهة مباشرة مع إيران على الأرض السورية، خاصة إذا أقدم الجيش الإسرائيلي على تكثيف الضربات الجوية والصاروخية التي اعتاد حتى الآن أن يشنّها، بصورة متقطّعة ومَوْضِعِيَّة، على مواقع يقول إنها إيرانية في مناطق سورية مختلفة

وإذا لاحظنا أنّ إيران تعاملت، خلال الأشهر الأخيرة التي بلغ فيها التوتر في المنطقة درجات عالية من التصعيد، بقدر كبير من الحزم مع استفزازات الولايات المتحدة وبريطانيا، وردّت على تحركاتهما المعادية بالمثل وبصورة فورية، فإنّ مواجهة من هذا القبيل تبقى ممكنة الحدوث، وغير محسوبة العواقب

عاشرا/ إنّ الدرس الرابع الذي يتعيّن استخلاصه من حرب السنوات العشر في سوريا، هو خسران دول الخليج على كافّة المستويات من مراهنتها على إسقاط النظام السوري، وخاصة من استمرارها المكابر في هذه المراهنة، وفي اهدار المزيد من الأموال الطائلة من أجل غاية بات من الواضح أنها لن تدركها.

والغريب في الأمر أنّ هذه الدول لم تتعلّم شيئا من الدّرس العراقي، ولم تفهم بعدُ، أنّها بهذه السياسة التي اتضح لكل ذي عقل باطلها، بصدد خسارة سوريا مثلما سبق أن خسرت العراق، ومثلما ستخسر اليمن قريبا بإصرارها العنيد على مواصلة الحرب العبثية التي تشنها عليه والتي دخلت سنتها السادسة منذ أيام.

على أنّ الأغرب من ذلك أنّها لا تريد أن تُقْلِع عن هذه السياسة التي جرّأت جيران العرب عليهم، ومكّنت لهم في أرضهم، وهي ما تزال تعوّل، في درء الأخطار المحدقة بها من كل صوب، على الحليفة الكبرى القديمة الولايات المتحدة التي بات رئيسها يجاهر ويفاخر بأنه يبتزّها ابتزازا، وعلى الحليفة الجديدة إسرائيل التي باتت تتباهى بأنها تجرّها جرّا إلى التطبيع بلا مقابل.

وفي ضوء كل ما تقدم، فإنّه بات حريّا بالدول العربية أن تتأمّل جيّدا في هذه المتغيرات، وأن تبادر، بالانطلاق مما أفرزته من حقائق سياسية وميدانية جديدة، إلى مراجعة مواقفها، كدول، وكمجموعة، من دمشق التي استطاعت بفضل صمودها لا فحسب أن تمنع إسقاط الدولة الوطنية السورية وتقسيمها إلى دويلات طائفية ومذهبية، وإنّما وفي ذات الوقت أن تحبط الاستراتيجية التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد، لو لم تفشل في سوريا، أن تعمّمها على سائر دول المنطقة

أجل إنّ الدول العربية مدعوّة إلى أن تقرّ بأن المحنة القاسية التي عاشها الشّعب السّوري  كلّفته ثمنا باهظا، لم يدفعه دفاعا عن نفسه وعن بلاده فحسب، وإنّما دفاعا، ولو بصورة غير مباشرة، عن سائر دول المنطقة العربية بما فيها الدول التي ناصبته العداءوأن  تقدّر الواقع الجديد الذي استطاعت سوريا أن تصنعه بفضل صمودها، حقّ قدره، وأن تسارع إلى إصلاح الخطإ الذي ارتكبته في حقّها، وفي حقّ المشروع القومي العربي بِرمّته، بمناسبة القمة العربية التي ستنعقد في الجزائر، بعد أن تنقشع جائحة فيروس كورونا المستجدّ.

وعلى هذا الأساس، فإنّ المطلوب حشد كل الطاقات وتعبئة كل الجهود من أجل ألاّ تنعقد قمة الجزائر في غياب سوريا، لأنّ الحضور السوري سيكون مؤشرا على نهاية طور من أسوإِ أطوار الانهيار العربي، وتدشين طور جديد يلملم شمل العرب ويرأب صدعهم ويعيد إليهم شيئا من الاطمئنان والتوازن بعد زلازل ثورات ما سمّي بالربيع العربي

ولعله مما يبعث على التفاؤل أن الجزائر التي تريد أن تعيد لدبلوماسيتها ألقها المعهود، أكدت أنها لا تريد أن تكون قمتها « باهِتةً » وفارغةَ من أي مضمون« ، بل تريدها قمة « تُؤرّخ لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربيّة، ولإعادة التّوازن إلى العمل العربيّ المُشترك« … أو على الأقل، وضع حد للمزيد من انخرامه لا سيما في ظل ما يجري الآن في ليبيا.

ومن المفروض أن تعمل بلادنا التي تضطلع بالرئاسة الحالية للقمة العربية والتي تتحمل جزاء من المسؤولية عما حدث لسوريا وما حدث فيها، على المساهمة مع الجزائر في تهيئة المناخ الملائم لانعقاد القمة القادمة في أحسن الظروف، ولتحقيق الآمال المعلقة عليها في إنهاء حالة التصدّع العربيّ، ولملمة شمل العرب مُجدَّدًا، وخاصة وضع حد لدور جامعة الدول العربيّة كأداة لتشريع التدخلات الإقليمية والدولية في الشؤون الداخليّة للدول العربيّة، فرادى وجماعة.

م.ا.ح

تونس في 20/06/2020

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer