شجون جيو-سياسية: هل يكون الخروج من أفغانستان أغلى كلفة من الدخول إليها؟

بقلم: محمد ابراهيم الحصايري
في التاسع والعشرين من شهر فيفري 2020 وقّعت واشنطن مع حركة طالبان، في الدوحة، عاصمة دولة قطر، اتّفاقا ستنسحب القوات الأمريكية والقوات الحليفة (نحو 12000 جندي) بموجبه من أفغانستان خلال 14 شهراً، لكن شريطة إيفاء حركة طالبان بالتزاماتها في الاتفاق الذي تطلّب التوصل إليه عقد تسع جولات متتالية من المفاوضات العسيرة، والذي جاء بعد ما سمّاه الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب « رحلة طويلة وشاقّة » في أفغانستان استغرقت 19 سنة من الحرب الشعواء التي كانت الولايات المتحدة بدأتها بعد شهر واحد من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 انتقاما من تنظيم القاعدة المتهم بتنفيذ الهجمات ومن أفغانستان التي وفرت لقيادته الملاذ الآمن.
وقد أسفرت الحرب عن مقتل نحو 3500 عنصر من قوات التحالف الدولي الذي شارك في شنّها، (من بينهم 2400 جندي أمريكي)، كما ذهب ضحيّتها أعداد تستعصي على الحصر من الأفغان (الأخيار والأشرار على حد سواء)، لا سيما وأنها شهدت استخدام واختبار أحدث الأسلحة الأمريكية وأعتاها، وارتكاب العديد من الفظائع والمجازر…
وبالرغم من كل ذلك، فإنّ القوات الأمريكية التي فاخر الرئيس دونالد ترامب بأنها كانت تقتل الإرهابيين في أفغانستان « بالآلاف »، لم تتمكن من القضاء على الإرهاب في هذا البلد المنكوب منذ أربعة عقود بحروب متتابعة، فرضها عليه الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي زمن الحرب الباردة، ثم صدام الحضارات زمن آحادية القطب الأمريكية المقيتة.
وهكذا فإنّ جلاء القوات الأمريكية عن أفغانستان لن يكون نهاية المحنة الأفغانية المزمنة، إذ أن واشنطن ستعهد بمواصلة مهمة الحرب على الإرهاب، وإن أمكن بإكمالها، إلى حركة طالبان (التي كانت تنعتها بالإرهابية والشرّيرة) أو الدول المحيطة بأفغانستان.
وفي الانتظار، وبالتزامن مع هذا الحدث الذي لا يخلو من نوع من « السريالية السياسية »، والذي سيفرض، دون شكّ، على أفغانستان والدول المجاورة والعالم بصفة عامة تحديات عديدة جديدة، أذنت المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق في الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في أفغانستان وخارجه سواء من قبل الجيش الأميركي ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في « مرافق الاحتجاز السرية » في أفغانستان، وعلى أراضي دول أخرى أطراف في نظام روما الأساسي، أو من قبل حركة طالبان وقوات الحكومة الأفغانية وأجهزتها الأمنية…

ومثلما كان متوقّعا، سارعت الولايات المتحدة التي كانت امتنعت عن الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكنها كانت تضغط بكل قوتها على بقيّة دول العالم من أجل الانضمام إليها، إلى التنديد بقرار التحقيق في الجرائم التي ارتكبتها في أفغانستان، وإلى التشكيك في صوابية اتخاذه، حيث أصدر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، بيانا وصف فيه القرار بأنه قرار « طائش » وبأنه « إجراء يحبس الأنفاس من قبل مؤسّسة سياسية غير مسؤولة تتنكّر في هيئة قانونية ».
وعلى العادة الأمريكية المألوفة في مثل هذه السياقات، توعّد بأن بلاده « ستتّخذ الإجراءات الضرورية لصيانة سيادتها وحماية شعبها ».
ويجدر التذكير، هنا، بأن الولايات المتحدة سبق أن عارضت بشدّة فتح المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا بشأن أفغانستان، وقد نجحت، بما مارسته من ضغوط، في اجهاض المحاولة التي قامت بها المحكمة، لنفس الغاية، في نوفمبر 2017، حيث طلبت مدّعيّتها العامة، فاتو بنسودا، من قضاتها « السماح لها بفتح تحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يٌحتمل أن تكون ارتُكبت أثناء النزاع في أفغانستان منذ 1 ماي 2003 (تاريخ انضمام أفغانستان إلى المحكمة) من قبل القوات الأفغانية الحكومية والجماعات المناهضة للحكومة مثل « طالبان » والقوات الدولية، بما في ذلك الجيش الأمريكي و »وكالة الاستخبارات المركزية » (سي آي إيه).
غير أن القضاة لم يستجيبوا إلى طلبها، وأصدروا حكما يقضي بمنع القيام بالتحقيق المطلوب بدعوى « أن فرص نجاحه ضئيلة » وبأنه « لن يخدم مصالح العدالة ».
غير أن المدّعية العامة لم تستسلم لهذا الحكم، وتحرّكت من أجل نقضه، وهو ما جعل واشنطن تتّخذ، في 15 مارس 2019، قرارا بتحجير منح موظفي « المحكمة الجنائية الدولية » تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، بما سيحول بينهم وبين القيام بأي تحقيقات سواء تعلق الأمر بمواطنين أمريكيين، أو حتى بمواطني دول حليفة للولايات المتحدة، وفي طليعتها إسرائيل، طبعا.
وتطبيقا لهذا القرار رفضت واشنطن منح المدّعية العامة فاتو بنسودا تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، أسبوعا واحدا قبل أن يقرّر القضاة نقض حكمهم السابق والإذن لها بالقيام بالتحقيق المطلوب، وهو ما اعتبرته « انتصارا عظيما ».
والحقيقة أن عداء الولايات المتحدة للمحكمة الجنائية الدولية قديم ومستحكم، فلقد بادر الكونغرس الأمريكي سنة 2002 أي إبان إنشاء المحكمة « قانون حماية أعضاء الخدمة الأمريكية » الذي ينص فيما ينص عليه، على إمكانية التدخل العسكري في حالات قصوى من أجل منع ملاحقة مواطن امريكي قضائيا.
ومن ناحية أخرى، أكد جون بولتون مندوب الولايات المتحدة السابق لدى منظمة الأمم المتحدة ثم مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأمريكي غريب الأطوار دونالد ترامب أن المحكمة الجنائية الدولية تمثل « تهديدا غير مقبول لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة »، وقال إنها « ليست سوى مؤسسة عاجزة عن أي فعل ردعي للدول الفاشلة وللأنظمة الدكتاتورية » مضيفا « أن التاريخ أثبت أن الوسيلة الوحيدة للردع هي القوة العادلة للولايات المتحدة وحلفائها ».
وفي خطاب ألقاه في سبتمبر 2018، أعلن جون بولتون، عن أن واشنطن ستغيّر سياستها تجاه المحكمة الجنائية الدولية، وأنها، إذا شملت تحقيقاتها مواطنين أمريكيين أو مواطني دول حليفة للولايات المتحدة، ستتخذ جملة من الإجراءات المشدّدة التي ستتجاوز حظر دخول موظفي المحكمة إلى الأراضي الامريكية، إلى مقاضاتهم وفرض عقوبات مالية عليهم، بل إن هذه العقوبات ستشمل الدول والشركات التي تساعدهم في إجراء تحقيقاتهم.
وهدّد جون بولتون بأنّ بلاده ستستأنف جهود التفاوض مع المزيد من الدول من أجل ابرام اتفاقات تمنعها من تسليم مواطني الولايات المتحدة إلى المحكمة، كما لوّح بأن العلاقات الحكومية والعسكرية والاستخبارية مع هذه الدول ستتعرّض إلى الخطر في حال تعاونها في التحقيقات ضد الولايات المتحدة أو حلفائها.
وتعكس هذه التهديدات « الوقحة » مدى الخطورة التي يكتسيها قرار المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وهو أمر طبيعي لأنّه، كما يقول بارام بريت سينغ من منظمة « هيومن رايتس ووتش » غير الحكومية يرسل « إشارة ضروريّة إلى مرتكبي الانتهاكات، الحاليين أو المحتملين، بأن العدالة ستُدْركهم في يوم من الأيام »…
وتجدر الملاحظة في هذا السياق أن منظمة « هيومن رايتس ووتش » وعدَّةَ منظمات مماثلة أخرى وثّقت انتهاكات قام بها الجيش الأمريكي و »السي آي إيه » في حق معتقلين في أفغانستان بعد غزوه في أكتوبر 2001.
ودون الدخول في تفاصيل التقارير التي صدرت خلال العقدين الأخيرين عن الجرائم التي ارتكبها الامريكيون في أفغانستان، فإننا نشير إلى أن ريتشارد ديكر، مدير برنامج العدالة الدولية في منظمة « هيومن رايتس ووتش » اعتبر أن قرار الولايات المتحدة حظر تمكين موظفي المحكمة الجنائية الدولية من الدخول إلى أراضيها، « محاولة شائنة لترهيب المحكمة وقمع التدقيق في سلوك الولايات المتحدة، وعلى الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية أن تعلن بكل وضوح أنها ستستمر في دعمها للمحكمة الجنائية الدولية بالكامل ولن تتسامح مع العرقلة الأمريكية ».
والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل ستجد هذه الدعوة اذانا صاغية من الدول المعنية أم أن الخوف سيكبّلها كالعادة؟
إن الأيّام ستجيب على هذا السؤال، ولكنّ المؤمَّل أن تمضي المحكمة قدما في تنفيذ الحكم الذي أصدرته، حتى يكون خروج الولايات المتحدة من أفغانستان أغلى كلفة من دخولها إليها، وحتى لا يكون سهلا وبلا حساب كخروجها من الفيتنام في الماضي، وربما من العراق في المستقبل…
ثم إنّ المحكمة الجنائية الدولية تظلّ بحاجة إلى أن تكذّب المقولة التي تؤكد أنها عاجزة إلا عن محاسبة الأفارقة لا سيما وأنها ما انفكت منذ سنة 2009، تتعرض إلى انتقاد القارة السمراء التي تشعر بأنها هي الوحيدة المستهدفة بتحقيقاتها التي شملت كلا من جمهورية أفريقيا الوسطى، وساحل العاج، والسودان (دارفور)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكينيا، وليبيا، ومالي، وأوغندا، وهو ما دفع ببعض الدول الافريقية على غرار جنوب أفريقيا، وبوروندي، وغامبيا إلى الانسحاب أو التلويح بالانسحاب منها…
م.ا.ح
تونس في 18/03/2020

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer