صفقة القرن
lapresse.ca

صفقة القرن إلى أين ؟

صار مؤكداً أن موعد إطلاق صفقة القرن الأميركية لتسوية القضية الفلسطينية سيأتي غداة الانتخابات الإسرائيلية في مطلع الشهر القادم. جاريد كوشنر المستشار الخاص للرئيس ترامب والمسؤول عن هذا الملف أعلن عن الأسس الأربع لهذه الصفقة وهي الحرية والكرامة والأمن والازدهار الاقتصادي. جاء هذا الإعلان وهو في بداية جولة جديدة خليجية وتركية هذه المرة بغية توفير الدعم السياسي والمادي لهذه الصفقة. ويبدو أن من أهم أسباب ضم تركيا هو علاقاتها الخاصة مع حركة حماس وذلك رغم الحساسيات التي يثيرها هذا الأمر، بسبب الخلافات التركية حول السياسات الإقليمية والعلاقات مع طهران، مع أطراف عربية أساسية يعول عليها الأميركيون بغية توفير الدعم السياسي والمادي لهذه الصفقة.
والهدف الأساسي لهذه المبادرة أو صفقة القرن حسب أصحابها هو إسقاط آخر الحواجز بين العرب وإسرائيل بغية تعزيز التعاون الاستراتيجي الشامل ضد إيران عبر إدماج إسرائيل في المنطقة وتطبيع وضعها الإقليمي مع ما يحمله ذلك من تغيير أساسي في المشهد الاستراتيجي الشرق أوسطي. فواشنطن تريد إحداث مقايضة كبرى، حسب رؤيتها لطبيعة الصراعات في المنطقة بين توفير الأمن والدعم للعرب الذين هم في حالة صراع مفتوح مع إيران وهو ما يندرج كلياً في المصلحة الإستراتيجية الأميركية العليا كما حددها الرئيس ترامب مقابل ثمن سياسي ومادي كبير جداً لهذا الدعم وحسب الشروط الأميركية بالطبع.
ولا بد من التذكير بأن واشنطن تطرح بقوة إلغاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وإسقاط صفة لاجئ عن كل من لم يولد في فلسطين قبل قيام إسرائيل ودمجهم حيث هم أو في دولة ثالثة. كما أنّه من المطلوب بالإضافة أيضاً، عبر تبني الموقف الإسرائيلي، أن يدفع العرب تعويضات إلى اليهود الذين غادروا الدول العربية إلى إسرائيل بعد عام 1948. ذلك جزء من “المقايضة الكبرى” الأميركية.

عناصر ثلاث تشجع واشنطن على المضي في هذا الطريق المسدود في النهاية :

أولاً : حالة التفكك العربي والفلسطيني وغياب الحد الأدنى الفعلي وليس الإعلامي أو الكلامي، من التوافق العملي حول كيفية التعاطي مع هذا النزاع بغية تسويته كلياً.

ثانياً : نظرة أميركية جد تبسيطية واختزالية وتشويهية لطبيعة النزاع ولطبيعة منظومة القيم التي تؤثر فيه وتشكل ضوابط على الحركة في إطاره، بشكل خاص على الصعيد العربي والتي وإن تغيرت بعض عناصرها وسقطت بعض المحرمات السّياسية بشأن خطوات تطبيعية مع إسرائيل وتغيّر الأولويات في اللحظة الراهنة وتراجع بعض هذه “المحرمات” كقيود نسبية تقوم على فكرة التضامن الذي في حده الأدنى. فأن عناصر أخرى ليست أقل أهمية مثل تصاعد دور ووزن الهويّة الإسلامية بأشكالها وتعبيراتها الإسلامية المختلفة وموقعها كمصدر مشروعية سياسية رئيسية للكثير من الدول العربية تشكل عنصر تقييد وضغط على أصحاب القرار العربي لا يسمح لهم في حدود معينة من الخروج عن هذه المسلمات المعبرة عن شرعية هويّاتية وعقائدية وسياسيّة بدرجات مختلفة حسب كل طرف. وأفضل الأمثلة في هذا المجال مسألة القدس ومحاولة جرّ العرب للقبول بالقدس كعاصمة أبدية موحّدة لإسرائيل ورد الفعل الرسمي الرافض لذلك من أطراف أساسية راهنت عليها واشنطن للقبول بهذا التحول في بنية النزاع وتسويته.

ثالثاً : إن هنالك التباس أميركي بشكل خاص بين التخلّي السّياسي العربي بسبب أولويات إقليمية ضاغطة عن الملف الفلسطيني ووضعه على الرفّ السياسي بعيداً عن هذه الأولويات وما تستدعيه من مخالفات وسلوكيات أسقطت بعض ما كان محرمات سياسية من جهة وتحمل العرب لتكلفة إلغاء أو إسقاط كلي للقضية الفلسطينية واختصارها وكأنها مسألة اقتصادية تنموية يقضي حلها تحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين ومنحهم سلطات أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة سيادية على بعض أجزاء من الأراضي المحتلة وليس القبول والعمل على توفير الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه في دولة طبيعية أسوة بقية الدول.
فلا يمكن للدول العربية المحاصرة بين التطرّف الأصولي الديني والقومي الإسرائيلي وبين التربة الخصبة لانتشار الأصوليات في المنطقة العربية طالما لم تعالج في العمق مسبّبات هذا التطرف الناشط في العالم العربي وفي ظل الأوضاع الداخلية والخارجية التي تعيشها وتلك المناخيات “العقائدية” القائمة والتي يمكن توظيفها ضد سياسات معينة فيما لو اعتمدت من طرف دول عربية إن تذهب إلى نهاية الشوط في الإسقاط الكلي للقضية الفلسطينية وفي القبول بتشويهها وتفكيكها وتحويلها إلى مسألة تنموية ومدخل لتكامل اقتصادي عربي إسرائيلي قائم على القبول وعلى احترام التطرف القومي والديني الإسرائيلي كواقع موضوعي : صفقة عنوانها بعض الخبز للفلسطينيين مقابل الأمن والاستقرار والازدهار لإسرائيل.

في ظل هذا الإطار تطلق “رسائل” عربية بعضها خجول وبعضها واضح حول عدم القدرة أو عدم الرغبة ولو لأسباب مختلفة بعدم تخطي خطوط حمر قائمة بشأن القضية الفلسطينية منها القدس واللاجئين كما أشرنا. فالقبول كمعطى واقعي بالأصولية الإسرائيلية سواء كانت قومية إستراتيجية أو دينية والفرق بسيط بين الاثنين يشكل رافدا أساسياً للتطرف في المجتمعات العربية ولو بعناوين مختلفة عن الماضي ونتائج ذلك خطيرة على استقرار المجتمعات العربية وعلى الأمن الوطني والإقليمي لدولها.

وللتذكر ببعض هذه الرسائل إعادة التأكيد بشكل متكرر عربياً على موقع القدس وأهميتها عربياً وإسلامياً والتذكر بمبادرة السلام العربية ولو المجمّدة سياسياً منذ إطلاقها في بيروت عام 2002 أو التأكيد على سبيل المثال في البيان الصادر عن القمة العربية الأوروبية في شرم الشيخ بالأسس والمرجعيات الدولية المعروفة والمتفق عليها والتي استقرت عبر الزمان لتحقيق السلام الشامل والدائم والعادل : المرجعيات التي تقوم على قرارات الشرعية الدولية التي أسقطتها أو تجاهلتها صفقة القرن بشكل شبه كلي.
الوضع العربي اليوم يراوح بين عدم المضيّ في تفعيل سياسة ضرورية لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي من جهة وعدم القدرة أو الرغبة بسبب المخاطر العديدة التي أشرنا إليها في إسقاط أسس هذه التسوية المتفق عليها أممياًّ وعربياً من جهة أخرى.
في ظل هذا الوضع يصبح من شبه المستحيل على واشنطن تمرير صفقة القرن بسبب الانعكاسات والتداعيات السلبية التي تحملها ولو في أوقات وأشكال مختلفة على أصدقاء وحلفاء واشنطن من العرب. الصداقة والتحالف لا يمكن أن يعنيا القبول بالانتحار السياسي بسبب جهل الحليف أو تجاهله لثوابت قيميّة مستقرة في السياسات العربية ضعفت أو تغيرّت طبيعة التعبير عنها وغابت عن جدول الأولويات العربية السياسية الضاغطة.

وللتذكير بحقيقة عالمية موضوعية فإن قضايا الهوية لا يمكن إلغائها بصفقة اقتصادية أو بناء على توازن قوى في لحظة معينة خاصة من النوع الذي تقدّمه صفقة القرن أو كما سمّيناها في الماضي بصفعة القرن.

A voir aussi

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

A ne pas manquer